مع أزمة جرينلاند.. الاعتماد على غاز أميركا يثير مخاوف أوروبا | الشرق للأخبار

مع تصاعد أزمة جرينلاند.. الاعتماد على الغاز الأميركي يثير مخاوف أوروبية

time reading iconدقائق القراءة - 7
حارس أمن يسير بالقرب من أعلام الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة قبل انطلاق قمة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في بروكسل. 15 يونيو 2021 - Reuters
حارس أمن يسير بالقرب من أعلام الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة قبل انطلاق قمة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في بروكسل. 15 يونيو 2021 - Reuters
دبي -الشرق

يتجه الاتحاد الأوروبي نحو استيراد ما يقارب نصف احتياجاته من الغاز من الولايات المتحدة بحلول نهاية العقد الجاري، مما يُشكل نقطة ضعف استراتيجية كبيرة للتكتل في ظل تدهور العلاقات مع واشنطن إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، على خلفية أزمة جزيرة جرينلاند، في ظل إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على ضمها للولايات المتحدة.

وتُظهر بيانات جديدة نشرتها مجلة "بوليتيكو"، أن أوروبا تستورد بالفعل ربع احتياجاتها من الغاز من الولايات المتحدة، وهو رقم مُرشح للارتفاع بشكل كبير مع بدء تطبيق الحظر التام الذي يفرضه الاتحاد على واردات الغاز الروسي.

ويأتي هذا في ظل تصاعد حدة تصريحات ترمب، بشأن السيطرة على جرينلاند التابعة للدنمارك، في خطوة قد تُهدد حلف الناتو، وتُدخل العلاقات عبر الأطلسي في أزمة.

وقد تصاعدت التوترات خلال عطلة نهاية الأسبوع، عندما أعلن ترمب نيته فرض تعريفات جمركية جديدة على دول أوروبية، من بينها فرنسا والدنمارك وألمانيا وبريطانيا، إلى حين التوصل إلى اتفاق لبيع جرينلاند للولايات المتحدة، مما دفع إلى مطالبات للاتحاد الأوروبي بالرد بفرض قيود تجارية صارمة مماثلة.

وقالت آنا ماريا جالر ماكاريفيتش، كبيرة محللي الطاقة في معهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي، وهو مركز الأبحاث الذي أجرى الدراسة، إن اعتماد الاتحاد الأوروبي المتزايد على واردات الغاز الطبيعي المسال الأميركي "خلق تبعية جيوسياسية جديدة تنطوي على مخاطر عالية".

وأضافت أن "الاعتماد المفرط على الغاز الأميركي يتعارض مع سياسة الاتحاد الأوروبي الرامية إلى تعزيز أمن الطاقة من خلال التنويع، وخفض الطلب، وزيادة إمدادات الطاقة المتجددة".

ثغرة استراتيجية لدى أوروبا

ويتزايد القلق بشأن هذه الثغرة الاستراتيجية بين الدول الأعضاء، حيث يخشى بعض الدبلوماسيين الأوروبيين، من أن تستغل إدارة ترمب هذه التبعية الجديدة لتحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

وفي حين "توجد مصادر أخرى للغاز في العالم" غير الولايات المتحدة، "ينبغي أخذ خطر قطع ترمب للإمدادات عن أوروبا في أعقاب التوغل في جرينلاند في الحسبان"، حسبما صرّح دبلوماسي أوروبي رفيع المستوى لـ"بوليتيكو"، الذي تحدث شريطة عدم كشف هويته. لكن المسؤول أضاف: "نأمل ألا نصل إلى هذه المرحلة".

وبعد الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022، اتخذ الاتحاد الأوروبي إجراءات جذرية للتخلص من الاعتماد على الغاز الطبيعي الروسي، الذي كان يشكل 50% من إجمالي وارداته عام 2021، ولكنه لا يمثل الآن سوى 12%، وفق بيانات مركز "بروجيل" للأبحاث الاقتصادية في بروكسل.

وقد تحقق ذلك بشكل رئيسي من خلال استبدال واردات الغاز عبر الأنابيب من روسيا بالغاز الطبيعي المسال المُشحن من الولايات المتحدة، التي كانت آنذاك حليفاً قوياً.

وتُعد الولايات المتحدة بالفعل، أكبر مُصدّر للغاز الطبيعي المسال، حيث يُمثل منتجها حالياً حوالي 27% من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز، بعد أن كان 5% عام 2021. وتُعد فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وهولندا وبلجيكا أكبر المستوردين؛ كما تُعد بريطانيا، وهي دولة غير عضو في الاتحاد الأوروبي، مستورداً رئيسياً للغاز الطبيعي المسال الأميركي.

وقد ترفع سلسلة من الاتفاقيات الجديدة مع شركات الطاقة الأميركية نسبة واردات الغاز الطبيعي المسال إلى 40% من إجمالي استهلاك الاتحاد الأوروبي من الغاز بحلول عام 2030، وإلى نحو 80% من إجمالي واردات الغاز الطبيعي المسال إلى التكتل، وفقاً لبيانات معهد تحليل الطاقة والاقتصاد المالي (IEEFA)، وهي منظمة أميركية غير ربحية تُعنى بتعزيز الطاقة النظيفة.

تغييرات مستقبلية

وعلى الرغم من الجهود المبذولة للتحول عن الوقود الأحفوري، لا تزال أوروبا تعتمد على الغاز الطبيعي، الذي يُنتج انبعاثات كربونية، لتلبية ربع احتياجاتها من الطاقة. ويُستخدم الغاز لتوليد الكهرباء، وتدفئة المباني، وتشغيل الصناعات.

ويواجه المستهلكون والمصنّعون الأوروبيون بالفعل، بعضاً من أعلى تكاليف الطاقة في العالم، مما يجعل من الصعب على الاتحاد الأوروبي رفض الغاز الأميركي الأرخص سعراً، على الرغم من اللهجة التهديدية لواشنطن.

وقد التزمت دول الاتحاد الأوروبي بالفعل بتنويع وارداتها من الغاز بموجب قوانين جديدة أُقرت العام الماضي، لكن المسؤولين يحذرون من صعوبة تحقيق ذلك على المدى القريب، نظراً لأن الإمدادات العالمية من الغاز الطبيعي المسال تقتصر على عدد قليل من الدول. ويعلقون آمالهم على الإنتاج الجديد في قطر والإمارات، المتوقع في عام 2030.

إضافةً إلى اتفاقيات الطاقة المستقبلية، بما في ذلك التزام بشراء منتجات طاقة أميركية بقيمة 750 مليار يورو كجزء من اتفاقية التجارة للعام الماضي، يعتزم الاتحاد الأوروبي تمهيد الطريق أمام الغاز الأميركي في إطار عملية إصلاح شاملة للبنية التحتية للطاقة في أوروبا.

فعلى سبيل المثال، أكد الاتحاد الأوروبي مجدداً التزامه بخطي أنابيب غاز رئيسيين سيربطان مالطا وقبرص بأوروبا القارية، مما قد يُسهّل تدفق المزيد من الغاز الأميركي. كما تسعى الولايات المتحدة إلى إنشاء خط أنابيب يربط البوسنة بكرواتيا العضو في الاتحاد الأوروبي.

الانتقال إلى الطاقة المتجددة

يرى البعض أن اعتماد الاتحاد الأوروبي المتزايد على الغاز الأميركي يُبرز ضرورة تسريع انتقاله إلى مصادر الطاقة المتجددة كبديل للوقود الأحفوري.

وقال توماس بيليرين-كارلين، وهو مشرّع اشتراكي في الاتحاد الأوروبي، لـ"بوليتيكو"، إن الطلب على الغاز الطبيعي انخفض بشكل حاد في جميع أنحاء الاتحاد مع تسارع وتيرة التحول الأخضر، حتى مع ازدياد الطلب على الغاز الطبيعي المسال الأميركي كنسبة إجمالية من الاستهلاك.

وأضاف بيليرين-كارلين: "إذا تحلينا بالشجاعة الكافية للحفاظ على هدوئنا ومواصلة الاستثمارات المربحة في كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة، فسنخفض الطلب على الغاز في الاتحاد الأوروبي إلى حدٍّ يقلل اعتمادنا على الغاز الطبيعي المسال الأميركي، حتى مع التخلص التدريجي الكامل من الغاز الروسي".

جادل النائب أيضاً بأن ترمب من غير المرجح أن يستخدم إمدادات الغاز الطبيعي المسال للاتحاد الأوروبي كسلاح، "لأن ذلك سيضر بشدة بمصالح كبار ممولي حملة ترمب في قطاع الغاز الطبيعي المسال الأميركي، والذين يسعون جاهدين لإيجاد مشترين جدد لاستيعاب الزيادة الهائلة في إمدادات هذا الصنف من الوقود الأحفوري".

ووفقاً لدبلوماسيين مطلعين على الأمر، فإن مسألة اعتماد الولايات المتحدة على الغاز الطبيعي المسال تتم معالجتها من خلال التزام أوسع للاتحاد الأوروبي بتنويع مصادر الطاقة، والذي تم تضمينه في حظر أوسع على الغاز الروسي من المقرر أن يدخل حيز التنفيذ هذا العام. ومع ذلك، فإن الموقف الرسمي هو أن الولايات المتحدة لا تزال "حليفاً استراتيجياً ومورداً"، كما قال أحد الدبلوماسيين.

وقال مسؤول حكومي أوروبي: "الاعتماد موجود بلا شك، لكننا عالقون في وضعنا الحالي. لا يوجد بديل حقيقي".

تصنيفات

قصص قد تهمك