حرب أوكرانيا بالعام الخامس.. مفاوضات ماراثونية تنتظر تنازلات | الشرق للأخبار

حرب أوكرانيا تدخل عامها الخامس.. مفاوضات ماراثونية تنتظر تنازلات استراتيجية

time reading iconدقائق القراءة - 14
دبي -

مع دخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الخامس، الثلاثاء، تتواصل العمليات العسكرية على جبهات متعددة وسط مؤشرات متباينة بشأن مسار الصراع، فبينما يواصل الطرفان تمسّكهما بـ"خطوط حمراء"، تتعثر مساعي التسوية عند عقدة التنازلات الاستراتيجية؛ فموسكو تصرّ على تثبيت مكاسبها الإقليمية وفرض شروطها الأمنية، في حين ترفض كييف أي مساس بسيادتها، وتطالب بـ"ضمانات أمنية" أميركية. 

وتضغط واشنطن للتوصل إلى اتفاق قبل استضافة ترمب احتفالات الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة في الرابع من يوليو المقبل، إلا أنه لا توجد مؤشرات على أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مستعد لقبول اتفاق لا يلبي مطالبه الأساسية.

وتسيطر روسيا حاليا على نحو 19 إلى 20% من الأراضي الأوكرانية، تشمل شبه جزيرة القرم ومعظم دونباس (قرابة كامل لوغانسك ونحو أربعة أخماس دونيتسك)، وأجزاء واسعة من زابوريجيا وخيرسون، إلا أن مكاسبها الميدانية ما فتئت تتباطء خلال السنتين الماضيتين، بحسب تقديرات غربية، وقد شبّه الأمين العام لحلف الشمال الأطلسي "الناتو"، مارك روته، هذا الشهر، التقدم الروسي بـ"سرعة حلزون الحديقة"، على حد تعبيره.

وخلال العامين الماضيين، تقدمت القوات الروسية نحو 30 ميلاً فقط داخل منطقة دونيتسك شرق أوكرانيا، في معركة استنزاف للسيطرة على عدد محدود من المعاقل.

كما استولت موسكو على شبه كامل منطقة لوغانسك ونحو 83% من منطقة دونيتسك، وفق معهد دراسة الحرب ISW. كما تحتل أجزاءً واسعة من منطقتي خيرسون وزابوريجيا الجنوبيتين، إضافة إلى أجزاء أصغر من مناطق سومي وخاركيف ودنيبروبيتروفسك.

ورغم بطء التقدم وكلفته المرتفعة، تمسك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمطالبه القصوى في محادثات السلام التي تتوسط فيها الولايات المتحدة، مطالباً كييف بسحب قواتها من المناطق الأربع، التي أعلنت موسكو ضمّها دون أن تسيطر عليها بالكامل. كما لوّح مراراً بترسانته النووية لردع الغرب عن زيادة دعمه العسكري لأوكرانيا.

وتبقى مسألة الأراضي إحدى العقد الرئيسية في محادثات السلام؛ إذ تطالب روسيا بانسحاب القوات الأوكرانية من المناطق التي لا تزال تسيطر عليها في إقليم دونيتسك، وهو ما ترفضه كييف. كما تصرّ أوكرانيا على ضرورة التوصل إلى وقفٍ لإطلاق النار في أقرب وقت ممكن، فيما ترفض موسكو أي هدنة قبل الاتفاق على أسس سلام "دائم".

حرب استنزاف

منذ مطلع عام 2025، شهدت جبهات القتال على طول خطوط الجبهة جموداً إلى حد كبير. فقد تراجعت الهجمات المدرعة الواسعة التي طبعت الأشهر الأولى من الحرب لتحل محلها حرب استنزاف تهيمن عليها الطائرات المسيّرة، مع مكاسب تُقاس بالأمتار. ووفق محللين، لم تتمكن روسيا من السيطرة إلا على نحو 1.3% إضافية من الأراضي الأوكرانية خلال ثلاث سنوات.

وقد تجمّد خط المواجهة الممتد على 1200 كيلومتر، دون أن تنجح أي من كييف أو موسكو في ترجيح كفتها بشكل حاسم، وفق "أسوشيتد برس".

واعتبر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، الاثنين، أنه "حان أكثر من أي وقت مضى وضع حد لإراقة الدماء".

من جهتها، أعربت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، عن أسفها لعرقلة "فيتو" مجري اعتماد حزمة العقوبات العشرين ضد موسكو.

وأكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جانبها، أنه "علينا المضي قدماً في الحزمة العشرين من عقوبات الاتحاد الأوروبي، وستُعقد مناقشات خلال الأيام المقبلة".

على الصعيد العسكري، أقرّ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في مطلع فبراير الجاري، بسقوط 55 ألف جندي أوكراني منذ عام 2022. ويقدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS في واشنطن عدد الضحايا في صفوف الجنود الأوكرانيين بما يتراوح بين 100 ألف و140 ألفاً.

وبحسب هيئة الإذاعة البريطانية BBC، فقد لقي أكثر من 186 ألف جندي روسي حتفهم في الحرب. ويرفع مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية هذا التقدير إلى ما بين 275 ألفاً و325 ألف قتيل، أي ما يقارب ضعف الخسائر الأوكرانية.

من جهته، شكك المتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف في هذه الأرقام، مؤكداً أن "مثل هذه التقارير لا يمكن اعتبارها معلومات موثوقة"، وأن وزارة الدفاع الروسية هي الجهة الوحيدة "المخوّلة بتقديم معلومات حول الخسائر".

وأشار تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن روسيا تكبدت أعلى معدل للخسائر لأي قوة كبرى في أي حرب منذ الحرب العالمية الثانية، مع تقدم بطيء تاريخياً ومكاسب محدودة خلال العامين الماضيين، إذ بلغ متوسط تقدمها نحو 76 ياردة يومياً خلال معركة السيطرة على مركز النقل في بوكروفسك.

ووفق بيانات "ديب ستيت"، لم تتجاوز المكاسب الإقليمية الروسية، أقل من 1% من مساحة أوكرانيا خلال السنوات الثلاث الماضية. كما تحولت مساحات واسعة من الجبهة إلى ساحات تهيمن عليها حرب المسيّرات، ما يصعّب شن هجمات تقليدية واسعة.

وقال القائد العام السابق للجيش الأوكراني، فاليري زالوجني، إن استراتيجية الحرب باتت تركز على استنزاف موارد العدو أكثر من الاستيلاء على الأراضي، حسبما نقلت "بلومبرغ".

من جهته، وصف القائد الحالي، أولكسندر سيرسكي، الوضع في الجبهة الجنوبية بأنه "صعب"، لكنه أشار إلى استعادة نحو 400 كيلومتر مربع منذ نهاية يناير الماضي.

كما تكبدت روسيا خسائر بشرية الشهر الماضي تفوق قدرتها على التعويض، بحسب تقييمات غربية، وسط مؤشرات على تزايد الضغوط الاقتصادية مع اقتراب الصيف.

ضغوط أميركية ومطالب متضاربة

عاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى البيت الأبيض في يناير 2025، متعهداً بإنهاء سريع لأكبر نزاع تشهده أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، إلا أن أكثر من عام من الدبلوماسية التي تقودها واشنطن، تعثر بسبب مطالب موسكو بالأراضي في شرق أوكرانيا، وقضية السيطرة على أكبر محطة نووية في أوروبا.

وفشلت ثلاث جولات من المحادثات الثلاثية هذا العام في أبوظبي وجنيف في تحقيق اختراق. كما تم تهميش الحلفاء الأوروبيين لأوكرانيا إلى حد كبير من المفاوضات، رغم أنهم يتحملون الجزء الأكبر من تمويل مشتريات الأسلحة لدعم كييف بعد تقليص واشنطن مساعداتها العسكرية.

وبينما دعمت إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن أوكرانيا بعد اندلاع الحرب في فبراير 2022، فإن موقف إدارة ترمب كان في أحسن الأحوال محايداً، إذ كثيراً ما حمّل ترمب أوكرانيا مسؤولية بدء الحرب. وقد تراجعت المساعدات المالية والعسكرية لأوكرانيا إلى حد كبير، وإن استمر الدعم الاستخباراتي.

وتطورت الجهود الأميركية لإنهاء الحرب عبر مسارين: مسار ثنائي أميركي روسي يهدف إلى تحسين العلاقات وإبرام صفقات تجارية، ومسار ثلاثي يضم الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا.

وأوفد ترمب صديقه الشخصي وزميله الملياردير في مجال العقارات، ستيف ويتكوف، إلى روسيا ست مرات بصفته مبعوثاً خاصاً، لكنه لم يزر أوكرانيا بعد.

وفي نوفمبر الماضي، نشر موقع "أكسيوس" خطة سلام أميركية روسية من 28 نقطة، تضمنت الحد الأقصى من مطالب موسكو: أن تتنازل أوكرانيا عن الجزء الذي تسيطر عليه من دونباس، وتخفض حجم جيشها، وتتعهد بعدم الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إضافة إلى بنود أخرى.

وبعد اعتراضات من أوكرانيا وداعميها الأوروبيين، ظهرت خطة سلام جديدة من 20 نقطة، تتضمن ضمانات أمنية أوروبية لأوكرانيا مدعومة من الولايات المتحدة. وقد عُقدت ثلاث جولات من المحادثات الثلاثية، بما فيها جولات في العاصمة الإماراتية أبوظبي وأنقرة وجنيف.

وحتى الآن، أسفرت هذه المحادثات عن تبادل للأسرى، لكن لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن تسوية أو حتى وقف لإطلاق النار. وتصر موسكو على اعتماد "صيغة أنكوراج"، التي اتفق عليها ترمب وبوتين، خلال قمة ألاسكا في أغسطس 2025، كأرضية لأي محادثات مع كييف، وهي صيغة تتضمن المطالب القصوى لروسيا.

وكانت آخر محادثات عقدها الطرفان يومي 17 و18 فبراير 2026 في جنيف بوساطة أميركية، عقب المحادثات، أشار زيلينسكي إلى استمرار التباين الكبير في طموحات الجانبين، متهماً روسيا بـ "إطالة أمد" التفاوض، في المقابل، أشاد المبعوث الخاص لدونالد ترمب إلى أوكرانيا، ستيف ويتكوف، بـ "التقدم الملحوظ" الذي تحقق خلال هذه المشاورات الثلاثية.

مطالب موسكو وكييف

ويطالب بوتين بانسحاب أوكرانيا من الجزء الذي تسيطر عليه في دونيتسك، والتخلي عن مسعاها للانضمام إلى الناتو، وتقليص جيشها، ومنح اللغة الروسية وضعاً رسمياً، وهي شروط ترفضها كييف.

وفي المقابل، يريد الرئيس الأوكراني وقف إطلاق نار على خطوط التماس الحالية، لكن بوتين يرفض أي هدنة دون اتفاق سلام شامل.

مطالب روسيا وأوكرانيا في محادثات السلام

تطالب موسكو

  •  بانسحاب أوكرانيا من الجزء الذي تسيطر عليه في دونيتسك.
  • التخلي عن مسعى كييف للانضمام إلى الناتو، وتقليص جيشها.
  • منح اللغة الروسية وضعاً رسمياً في بعض المناطق الأوكرانية، وهي شروط ترفضها كييف.

بينما تطالب كييف

  •  بوقف إطلاق نار على خطوط التماس الحالية.
  • ضمانات أمنية من الولايات المتحدة وحلفاء أوروبيين لمنع أي هجوم روسي مستقبلي.
  • الإبقاء على حق أوكرانيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
  • تبادل أسرى وصرف تعويضات الحرب.

وبينما يتمسك الطرفان بمواقفهما، أبديا إشادة بالوساطة الأميركية وسعيا لكسب ود ترمب. وبعد اجتماع متوتر في البيت الأبيض العام الماضي، تبنّى زيلينسكي نهجاً تفاوضياً أكثر براجماتية، وأبدى استعداداً لإجراء انتخابات رئاسية رغم حظرها في ظل الأحكام العرفية، مشيراً إلى إمكانية ربطها باستفتاء على اتفاق سلام، شرط وقف إطلاق النار وتوفير ضمانات أمنية.

وبدأت أوكرانيا التخطيط لإجراء انتخابات رئاسية بالتزامن مع الاستفتاء على اتفاق السلام المحتمل مع روسيا، وذلك بعدما ضغطت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على كييف لإجراء التصويتين بحلول 15 مايو المقبل، وإلا فإنها قد تخاطر بخسارة الضمانات الأمنية الأميركية المقترحة.

ويعتزم زيلينسكي إعلان خطة الانتخابات الرئاسية والاستفتاء في 24 فبراير الجاري، في الذكرى الرابعة لاندلاع الغزو الروسي، بحسب مسؤولين أوكرانيين وأوروبيين مشاركين في التخطيط.

وكان زيلينسكي قد قال إن أوكرانيا والولايات المتحدة توصلتا إلى اتفاق بشأن الضمانات الأمنية، وإنه مستعد لتوقيعها مع ترمب. لكن الرئيس الأميركي أبلغ كييف بأن الضمانات الأمنية الأميركية مشروطة بالاتفاق على تسوية سلام أوسع، من المرجح أن تشمل التنازل عن منطقة دونباس لروسيا، وهو ما ترغب واشنطن في إنجازه قبل مهلة 15 مايو.

ورغم الخسائر العسكرية الضخمة والضغوط الاقتصادية المتزايدة على روسيا، لم يُظهر بوتين أي استعداد للتراجع عن مطالبه، التي تشمل أراضي في منطقة دونيتسك لم تتمكن قواته من السيطرة عليها بالكامل. كما ترفض موسكو التخلي عن محطة زابوريجيا النووية التي تسيطر عليها منذ بداية الهجوم الروسي.

في المقابل، تتمسك أوكرانيا بموقفها، إذ فشلت الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الروسية على البنية التحتية للطاقة في إخضاع السكان خلال أحد أبرد فصول الشتاء.

وقال زيلينسكي في مقابلة مع قناة ARD الألمانية: "رسالتي إلى بوتين بسيطة: أنا مستعد للقاء. يجب أن تنتهي الحرب".

الدور الأوروبي

وفرضت أوروبا نفسها كأكبر مساهم في دعم أوكرانيا، إذ قدّمت 201 مليار يورو حتى الآن وتعهدت بـ178 ملياراً إضافية، وفق معهد "كيل" في برلين.

ومنذ عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، خفّضت الولايات المتحدة عملياً مساعداتها غير المشروطة لكييف، بعدما كانت قد قدّمت 115 مليار دولار منذ عام 2022. وعلى الضفة المقابلة، زوّدت كوريا الشمالية روسيا بالذخائر وأرسلت آلاف الجنود للقتال على الأراضي الروسية. كما تلقت موسكو طائرات مسيّرة وصواريخ إيرانية، واعتمدت على هذه التكنولوجيا لتطوير نماذجها الخاصة، بحسب تقديرات غربية.

ووفق معهد "كيل"، تلقت أوكرانيا من حلفائها نحو 900 دبابة، و1200 عربة مدرعة، و850 قطعة مدفعية، و85 نظام دفاع جوي، إضافة إلى طائرات مقاتلة وذخائر.

في المقابل، زوّدت كوريا الشمالية روسيا بالذخائر وأرسلت آلاف الجنود للقتال بالأراضي الروسية في كورسك. كما حصلت موسكو على طائرات مسيّرة وصواريخ من إيران، واعتمدت على تقنيتها لتطوير نماذجها الخاصة، بحسب تقديرات غربية تتهم الصين أيضاً بمساعدة روسيا على الالتفاف على العقوبات

إطار اقتصادي للتسوية السياسية

ترفض كييف الانسحاب من مواقعها المحصنة في دونيتسك، وتقترح وقف إطلاق نار على خطوط التماس الحالية. وتقترح واشنطن إنشاء منطقة اقتصادية حرة في الشرق مع ضمانات أمنية لأوكرانيا ضد أي هجوم روسي مستقبلي.

ولا يوجد إطار نهائي بعد بشأن مصير محطة الطاقة النووية في زاباروجيا، رغم تأكيد واشنطن أن تقاسم السيطرة سيكون عنصراً أساسياً في أي اتفاق. وبينما اقترحت الولايات المتحدة تقاسماً ثلاثياً، ترفض كييف أي شراكة مباشرة مع موسكو.

وأبدى ترمب اهتماماً بصفقات تجارية مشتركة مع روسيا إذا انتهت الحرب، كما عرض الكرملين شراكات اقتصادية واسعة، مشيراً إلى مشاريع قد تتجاوز قيمتها 14 تريليون دولار في حال رفع العقوبات.

تصنيفات

قصص قد تهمك