
وضعت حرب إيران الصين أمام أكبر اختبار حتى الآن لمدى استعدادها لمواجهة صدمات إمدادات الموارد، رغم اعتقاد واسع بين الخبراء بأن الصين راكمت واحداً من أكبر مخزونات النفط والسلع الحيوية الأخرى في العالم، وفق ما أوردته صحيفة "فاينانشيال تايمز".
وعندما فاز شي جين بينج بولاية ثالثة مدتها 5 سنوات في أواخر عام 2022، بدأ بتحذير كبار المسؤولين للاستعداد لـ"الظروف الصعبة"، و"أسوأ السيناريوهات" التي تنتظر الدولة التي يبلغ تعداد سكانها 1.4 مليار نسمة.
وتُبقي الصين حجم مخزوناتها من الموارد سراً وطنياً شديد السرية، ويستخلص الخبراء تقديرات متباينة على نطاق واسع من تحليلاتهم لوثائق الميزانية وبيانات التجارة وصور الأقمار الاصطناعية.
وقبل الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران، بلغ الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي 415 مليون برميل، أي حوالي 58% من طاقته، وأقل من نصف التقديرات المتحفظة لمخزونات الصين.
لكن حرب إيران أبرزت اعتماد الصين الكبير على الشرق الأوسط في استيراد الطاقة والمواد الكيميائية، مثل الكبريت، الذي تُستخدم مشتقاته في إنتاج الأسمدة وبطاريات الليثيوم وأشباه الموصلات.
تسريع بناء الاحتياطيات
وقالت إيفن باي، مديرة مجموعة "تريفيوم تشاينا" للاستشارات الاستراتيجية، في إشارة إلى المخاطر الواضحة التي لم يتم الاستعداد لها بالشكل الكافي إن قيادة الحزب "مهووسة بالتصدي للأزمات، تماماً كما هو الحال الآن".
وأضافت أن "أمن الغذاء والطاقة ليس مجرد موضوع روتيني للنقاش بين القادة، فالحكومة الصينية تُنفق مبالغ طائلة من الموارد المالية على الاستعداد للأزمات والأمن الاقتصادي".
ويُرجّح المحللون أن احتياطيات الصين من النفط، بما في ذلك الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الرسمي وبعض المخزونات التجارية، قد زادت بشكل حاد خلال العام الماضي لتتراوح بين 1.1 مليار و1.4 مليار برميل.
وتشير تقديرات "بيرنشتاين للأبحاث" إلى أن حوالي 1.4 مليار برميل تكفي لتغطية احتياجات الاستيراد لمدة 112 يوماً. ويقول بعض المحللين إن الاحتياطيات أكبر من ذلك، إذ تُقدّرها مؤسسة "جافيكال" للأبحاث في بكين بأكثر من ملياري برميل.
وأظهرت بيانات الجمارك هذا الأسبوع ارتفاعاً بنسبة 16% في واردات النفط الخام خلال أول شهرين من هذا العام، في حين لم يضاه هذا الارتفاع أي زيادة مماثلة في الطلب المحلي.
وخصصت وزارة المالية الصينية 110.68 مليار يوان (16 مليار دولار) للإنفاق على تخزين الموارد في عام 2026، بزيادة قدرها 8.1% مقارنة بالعام الماضي.
وفي عام 2025، رفعت الوزارة ميزانية التخزين بنسبة 6.1%، ولا يشمل هذا الرقم جميع الاحتياطيات، إذ يُعتقد أن القطاع الصناعي يتحمل جزءاً كبيراً من تكاليف الشراء والتخزين.
وتعكس هذه الزيادات الأولويات التي حددها الرئيس الصيني، الذي طالب في عام 2023 المسؤولين بتسريع بناء الاحتياطيات، مؤكداً ضرورة تعزيز قدرتها على حماية الأمن القومي.
وقال أندريا جيسيللي، الخبير في سياسة الصين تجاه الشرق الأوسط بجامعة إكستر: "يمكن القول إنهم ربما لم يتوقعوا تاريخ الهجوم على إيران، لكنهم توقعوا وقوع شيء ما".
هل تلجأ الصين لاستخدام احتياطياتها؟
وتُثار تساؤلات بشأن ما إذا كانت بكين ستلجأ إلى استخدام الاحتياطيات للتخفيف من آثار ارتفاع أسعار السلع، مثل الارتفاع الحاد في أسعار النفط.
ويمرّ نحو ثلث واردات الصين من النفط و25% من وارداتها من الغاز عبر مضيق هرمز، حيث توقفت حركة الملاحة فيه بشكل شبه كامل منذ أن أغرقت الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران المنطقة في أزمة.
وتُسيطر الشركات المملوكة للدولة على جزء كبير من احتياطيات الطاقة والغذاء في الصين بتوجيهات من أعلى هيئة لإدارة الاقتصاد، وهي لجنة التنمية والإصلاح الوطنية، وهو ترتيب يزيد من غموضها.
وصرح داي جياكوان، كبير الاقتصاديين في معهد البحوث الاقتصادية والتكنولوجية التابع لمجموعة النفط الحكومية الصينية (CNPC)، بأنه يتوقع أن تستخدم الحكومة الاحتياطيات الاستراتيجية فقط لمعالجة اضطرابات الإمداد.
وأضاف داي: "حسب فهمي الشخصي، لا يرتبط الأمر بأسعار النفط"، مؤكداً أن احتياطيات الصين "بالتأكيد" تتجاوز متطلبات وكالة الطاقة الدولية لتغطية واردات تكفي لمدة 90 يوماً.
وقال تساو جيانجون، كبير الخبراء في مركز الأبحاث الداخلي لـ"سينوبك"، وهي شركة نفط حكومية أخرى، إن تقلبات أسعار النفط ومدة الحرب قد تؤثران على قرار استخدام الاحتياطيات.
وأضاف تساو أن شركات الطاقة الثلاث الكبرى "سينوبك، وشركة النفط الوطنية الصينية (CNPC)، وشركة النفط الوطنية الصينية (CNOOC)، قد تنسق جهودها لتقديم طلبات استخدام هذه الاحتياطيات".
كما أشار خبراء صينيون إلى أن بلادهم اكتسبت مرونة ملحوظة مقارنة بالعديد من الدول المتقدمة الكبرى.
وقال محللون إن أمن الطاقة في الصين قد تعزز بفضل التقدم السريع في تطوير الطاقة المتجددة وكهربة قطاعات واسعة من قطاع النقل، فضلاً عن الجهود المبذولة لتوسيع نطاق استكشاف وإنتاج النفط والغاز محلياً.
لكن الخبراء أشاروا إلى أنه على الرغم من مخزوناتها، فقد اضطرت بكين أيضاً إلى الانضمام إلى سباق عالمي لتأمين خطوط إمداد جديدة للسلع الأساسية في حال استمرار الحرب مع إيران.









