مصباح اليزدي الوجه المعلن لمرشد إيران الغامض مجتبى خامنئي | الشرق للأخبار

مصباح اليزدي.. الوجه المعلن لمرشد إيران الغامض مجتبى خامنئي

time reading iconدقائق القراءة - 26
الفليسوف ورجل الدين الإيراني محمد تقي مصباح اليزدي (أرشيفية) - Tasnim
الفليسوف ورجل الدين الإيراني محمد تقي مصباح اليزدي (أرشيفية) - Tasnim
القاهرة -

رغم مرور 11 يوماً على إعلان اختيار مجتبى خامنئي مرشداً جديداً في إيران، لم يظهر نجل المرشد السابق على الملأ، لا بصورته ولا صوته، وسط تقارير متضاربة بشأن مصيره، بدأت بالحديث عن إصابة بالغة لحقت به، وانتهت بحديث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عنه قائلا: "لا نعلم إن كان قد مات أم لا.. لم يره أحد، وهذا أمر غير معتاد".

وجاء المرشد الإيراني الجديد، البالغ من العمر 56 عاماً، خلفاً لوالده علي خامنئي، الذي تم اغتياله في هجمات إسرائيلية أميركية على إيران بتاريخ 28 فبراير 2026.

وفي 13 مارس الجاري، ظهرت رسالة منسوبة إلى مجتبى خامنئي، تعهد فيها باستمرار الهجمات الإيرانية على "القواعد العسكرية الأميركية في دول المنطقة"، وزعم حرص بلاده على "علاقات قوية مع دول الجوار"، ملوحاً بـ"فتح جبهات جديدة للحرب" مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي 18 مارس الجاري، صدر بيان مكتوب، منسوب إليه أيضاً، توعد فيه بالثأر لأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، الذي اغتالته إسرائيل أيضاً.

ومع عدم الظهور العلني، تزايدت الأسئلة، داخل إيران وخارجها، بشأن المرشد الجديد، وأفكاره وتصوره لكيفية قيادة بلاده والحرب في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.

من هنا، تبرز أهمية التوقف عند أفكار مجتبى خامنئي ومصادر تكوينه المعرفي، وفي مقدمتها تعاليم ومواقف الفيلسوف ورجل الدين الإيراني البارز محمد تقي مصباح اليزدي، الذي تتلمذ على يديه المرشد الإيراني الجديد، في محاولة للإجابة عن سؤال يفرض نفسه وسط دخان الحرب ومشاهد الدمار: إلى أين تمضي الأمور في إيران؟

بدأ مجتبى خامنئي، الابن الثاني للمرشد السابق، مسيرته بالذهاب إلى مدينة قم للدراسة في الحوزة العلمية، للمرة الأولى في عام 1989، حيث بقي هناك 3 سنوات.

وبعد زواجه من ابنة السياسي والمُفكّر الإيراني حداد عادل، عاد إلى قم في العام 1997، لمواصلة دراساته الدينية على يد عدد من المراجع الدينية المعروفة، وفي مقدمها عالم الدين الإيراني البارز محمد تقي مصباح اليزدي.

وبعد نحو 29 عاماً، اختار مجلس خبراء القيادة في إيران مجتبى خامنئي ليصبح مرشداً أعلى للبلاد، خلفاً لوالده الذي اغتيل في ضربة أميركية إسرائيلية، نهاية فبراير، ليصل مجتبى إلى قمة هرم السلطة الدينية والسياسية في طهران، بخلفيات تتشابك مع مُعلمه مصباح اليزدي، الذي يعد أحد أهم صقور المحافظين في إيران منذ قيام الجمهورية بعد الثورة الإيرانية.

من هو مصباح اليزدي؟

ولد محمد تقي مصباح اليزدي في مدينة يزد عام 1935، والتحق بالحوزة العلمية عقب إتمام الدراسة الإبتدائية، ثم سافر إلى النجف الأشرف بالعراق لاستكمال دراسته في الحوزة العلمية هناك.

لكن الظروف لم تساعده فاضطر للعودة إلى إيران بعد عام واحد فقط، ليلتحق بالحوزة العلمية في مدينة قم لإكمال دروسه التي تلقاها على يد الخميني والمفكر الشيعي البارز محمد حسين الطباطبائي، إضافة إلى المرجع الكبير سيد حسين البروجردي، والمرجع محمد تقي بهجت.

شارك اليزدي في الأيام الأولى من الثورة الإيرانية عام 1979، ليتم اختياره لاحقاً عضواً في اللجنة الثورية الثقافية، قبل أن يؤسس، بتشجيع من الخميني، "مؤسسة باقر العلوم العلمية التحقيقية"، ثم قام بتأسيس "مؤسسة الإمام الخميني للتعليم والبحث العلمي".

وفي العام 1990 اُنتخب نائباً عن محافظة خوزستان في مجلس خبراء القيادة، كما اُنتخب لاحقاً نائباً عن أهالي طهران في المجلس ذاته، ليشغل عضوية المجلس لسنوات طويلة، قبل أن يخسر المنصب في سنواته الأخيرة قبل الرحيل.

اقرأ أيضاً

إيران ودول المنطقة.. من الشاه إلى مجتبى خامنئي

العلاقة بين إيران ودول الخليج مرت بمراحل متقلبة منذ عهد الشاه وصولا إلى المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي.

وأعيد انتخابه في الانتخابات النصفية للدورة الخامسة لمجلس الخبراء في عام 2020، لكنه توفي قبل أن يتمكن من أداء القسم.

وعلى المستوى العلمي، كان لمصباح اليزدي العديد من الكتب في مجال الفلسفة الإسلامية والمقارنة والأخلاق والعقيدة الإسلامية، وكان من أهم منظري الحكومة الإيرانية، ولعب دوراً محورياً في تثبيت مبدأ "ولاية الفقيه"، والذي يمنح حامل هذه الصفة السلطة السياسية والدينية المطلقة لإدارة الشؤون العامة.

كما لعب اليزدي دوراً مهماً في إعداد كوادر تُبقي على حضور التيار المحافظ الأصولي في إيران، وكان من بينهم مجتبى خامنئي، ليبرز التساؤل: كيف تأثر المرشد الإيراني الجديد بأفكار مصباح اليزدي؟ وما تأثير ذلك على مستقبل السياسات الإيرانية؟.

الوجه المتشدد لنظرية "ولاية الفقيه"

قال رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية الدكتور محمد محسن أبو النور إن اليزدي يعد أحد أكثر الشخصيات تأثيراً في التنظير العقائدي والسياسي للنظام الإيراني بعد الثورة عام 1979، مشيراً إلى أن شخصيته تميزت بقدر كبير من الصرامة الفكرية والانضباط العقائدي، إلى درجة أن كثيرين داخل إيران وصفوه بأنه يمثل "الوجه الفلسفي الأكثر تشدداً لنظرية ولاية الفقيه".

وأضاف أبو النور، لـ"الشرق"، أن مصباح اليزدي كان "صاحب طبع حاد نسبياً في مواقفه الفكرية، لا يميل إلى التسويات السياسية أو الاجتهادات البراجماتية التي ميزت بعض رجال الدين الآخرين، بل كان يعتقد بضرورة الحفاظ على نقاء المشروع الإسلامي كما تصوره الخميني في كتابه (الحكومة الإسلامية)".

وأشار إلى أن مصباح اليزدي ينتمي إلى الجيل الثاني من علماء الحوزة، الذين جمعوا بين الدراسات الفقهية التقليدية والاهتمام بالفلسفة الإسلامية، خصوصاً الفلسفة الصدرائية التي أسسها صدر الدين الشيرازي (ملا صدرا)، وهو فيلسوف شيعي إثنى عشري ولد أواخر القرن العاشر الهجري.

ودرس اليزدي على يد عدد من كبار علماء قم، وكان من أبرز تلامذة محمد حسين الطباطبائي، صاحب "تفسير الميزان" الشهير.

واعتبر أبو النور أن "هذا التكوين الفلسفي منح اليزدي القدرة على إنتاج خطاب نظري متماسك، يدافع عن فكرة الحكومة الإسلامية في مواجهة التيارات الليبرالية أو الإصلاحية داخل إيران".

وأشار رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية لنقطة مهمة في حياة مصباح اليزدي، تتعلق بأن صعوده الحقيقي لم يكن علمياً فقط؛ بل مؤسساتياً أيضاً، إذ أسس وأدار مؤسسات تعليمية وفكرية مهمة في قم، أبرزها "مؤسسة الإمام الخميني للتعليم والبحوث"، التي تحولت إلى مركز لإعداد كوادر فكرية ودينية مؤمنة بأطروحة ولاية الفقيه، ولعبت هذه المؤسسة دوراً مهماً في تشكيل نخبة دينية وسياسية تدين بالولاء الفكري لخط المحافظين المتشددين.

وبخلاف تشدده الفكري ورحلته العلمية، نجح مصباح اليزدي في بناء علاقة وثيقة مع مراكز القوة داخل النظام الإيراني، خصوصاً الحرس الثوري وبعض الدوائر المقربة من مكتب المرشد الأعلى بحسب أبو النور، الذي لفت إلى أن اليزدي عُرف بدعمه الصريح لفكرة "الشرعية الإلهية للسلطة" في النظام الإسلامي، ورفضه للنزعات التي تحاول توسيع مفهوم السيادة الشعبية على حساب سلطة الفقيه.

لذلك اعتبره كثيرون أحد أبرز المدافعين عن القراءة الأكثر صرامة لنظرية "ولاية الفقيه"، حتى أن خامنئي الأب وصفه بـ"الحارس العقائدي للنظام"، وصار لقباً متداولاً له.

وتُعد نظرية ولاية الفقيه بمثابة عقيدة سياسية دينية عند الشيعة الإمامية، تمنح الفقيه الجامع للشرائط حق الحكم وإدارة شؤون الدولة نيابة عن الإمام المهدي (الإمام الثاني عشر الغائب) في عصر الغيبة، ما يجعل للفقيه سلطة سياسية كاملة تشبه صلاحيات "المعصوم"، مع العلم، أن موضوع الإنابة عن الإمام المهدي لم يتم ذكرها في الدستور الإيراني، الذي يكتفي بذكر "ولاية الأمر".

مرجعية فكرية

ويتفق الكاتب المتخصص في الشأن الإيراني إبراهيم شير مع أبو النور، في اعتبار اليزدي الوجه المتشدد لنظرية "ولاية الفقيه"، موضحاً أن خطابه السياسي تميز بالصرامة الأيديولوجية، خاصة فيما يتعلق بمبدأ "التولي والتبري".

وكان يرى أن عداء أميركا التي يسمّونها بـ"الشيطان الأكبر"، ليس خياراً تكتيكياً، بل واجب ديني وأساسي لبقاء الثورة، مستخدماً القرآن في التدليل على وجهة نظره بشأن "وجوب إعلان البراءة من الأعداء"، لافتاً إلى أنه كرس جزءاً كبيراً من أبحاثه لتدعيم نظرية ولاية الفقيه، والتي اعتبرها امتداداً لولاية الأئمة المعصومين.

ووصف إبراهيم شير، في حديث لـ"الشرق"، مصباح اليزدي بأنه كان "من أشد المدافعين عن مبدأ القيادة ومؤسسات النظام، ويُعتبر مرجعية فكرية للتيار الذي يرفض أي مساومة مع الغرب ويعتبر أي انفتاح ثقافي بمثابة غزو".

ويشدد على أن اليزدي حاز مكانة مرموقة في الحوزة العلمية بفضل ما اعتبره الشيعة فلسفة فريدة وقدرة على إنتاج النظرية الدينية والسياسية؛ خاصة أنه تتلمذ على يد أساطين الحوزة (الخميني والطباطبائي)، وهو ما منحه القدرة على قيادة تيار متشدد يُناصر ولاية الفقيه وكاره للغرب.

لكن مصادر إيرانية أشارت، في حديث لـ"الشرق"، إلى أن المكانة البارزة لليزدي في مؤسسات الدولة والمؤسسات الفكرية والتنظيرية على الصعيد السياسي، لم تكن تنطبق على مكانته في الحوزة العلمية، بمعنى أن مكانته السياسية كانت أكبر من الدينية.

مصباح اليزدي ومجتبى خامنئي

وحذر اليزدي في 2015 من محاولات التيار الإصلاحي، بقيادة أكبر هاشمي رفسنجاني، عزل خامنئي من منصب المرشد الأعلى للنظام، معتبراً أن الشرعية تأتي من الله وتستقر في "الولي الفقيه"، لكنه لعب دوراً آخر في مسيرة الثورة الإيرانية الممتدة منذ 1979، بكونه أحد أبرز مُعلمي المرشد الإيراني الجديد مُجتبى خامنئي.

وانطلقت العلاقة التي جمعت اليزدي ومجتبى من الحوزة العلمية في مدينة قم، أحد أبرز مراكز الدراسات الدينية الشيعية في إيران، حيث تلقى مجتبى تعليمه الديني على أيدي عدد من رجال الدين المحافظين، أبرزهم محمد تقي مصباح اليزدي وجواد آملي وفاضل اللنكراني وهاشمي الشهرودي، ودرس الفقه والعلوم الدينية ضمن برامج الحوزة التقليدية. 

وعن طبيعة العلاقة التي جمعت اليزدي ومجتبى خامنئي، يقول محمد محسن أبو النور إنها "كانت علاقة مركبة تجمع بين البعد العلمي والبعد السياسي، فمن الناحية الدينية، حضر مجتبى دروس مصباح اليزدي في قم، وكان ضمن الدائرة الطلابية التي تأثرت بمدرسته الفكرية، أما من الناحية السياسية، فتطورت العلاقة إلى نوع من التقارب الاستراتيجي بين الرجلين داخل معسكر المحافظين المتشددين".

وأضاف: "كان مصباح اليزدي يرى في مجتبى خامنئي شخصية مؤهلة للاستمرار في حماية الخط العقائدي للنظام، خصوصاً في ظل تصاعد التيارات الإصلاحية خلال فترات نهاية التسعينيات وبداية الألفية الجديدة في إيران، مثل مرحلة الرئيس محمد خاتمي (1997 ــ 2005)، ولذلك دعم اليزدي بصورة غير مباشرة صعود الشبكات السياسية والدينية المرتبطة بمجتبى داخل النظام، ما أفرز نجاح محمود أحمدي نجاد في انتخابات الرئاسة مرتين متتاليتين".

في المقابل، وجد مجتبى خامنئي في مصباح اليزدي مرجعية فكرية توفر غطاءً شرعياً متماسكاً لمفهوم السلطة الدينية الصارمة، وهو ما يتوافق مع رؤيته لدور القيادة في النظام الإيراني، بحسب المتخصص في الشؤون الإيرانية، الذي يلفت إلى أن هذا التقارب تعزز خلال العقدين الأخيرين من حكم المرشد علي خامنئي، حيث أصبح مصباح اليزدي أحد أبرز الداعمين للتيار الذي يرفض أي محاولة لإضعاف موقع المرشد في بنية النظام.

علاقة ولاء وطاعة

بدوره، يشير الأكاديمي وأستاذ الحوزات العلمية الدكتور نبيل الحيدري، في حديثه لـ"الشرق"، إلى أن مجتبى خامنئي لم يكن فقط من تلاميذ اليزدي؛ بل من مُريديه ومقربيه في "العرفان الشيعي"، وهو نوع من التصوّف الشيعي؛ ما يعني التأثر بفكره ونظرياته وفلسفته.

ولفت إلى أن مجتبى تربى على يد متشددين، مصباح اليزدي في قم، ووالده علي خامنئي، "الذي كان يتبعه إتباع الفصيل لأمه، ولم يكن يعصاه طرفة عين".

أما الكاتب المتخصص في الشأن الإيراني إبراهيم شير فيؤكد أن العلاقة التي جمعت اليزدي ومجتبى خامنئي لم تكن علاقة رسمية أو عابرة؛ بل كانت علاقة تأثر فكري كبير، إذ تلقى مجتبى رؤيته للفلسفة الإسلامية والسياسية على يد اليزدي، خاصة التأكيد على نظرية ولاية الفقيه وضرورة الحفاظ على نقاء الثورة الإيرانية.

اقرأ أيضاً

مجتبى خامنئي.. من هو المرشد الجديد لإيران؟

يتصدر مجتبى خامنئي المشهد السياسي في إيران بعد اختياره مرشداً ثالثاً للبلاد، الأحد، خلفاً لوالده علي خامنئي، الذي اغتيل في غارة استهدفت مجمعه في طهران.

"في الدراسات الحوزوية، لا تكون العلاقات عادةً بين الطالب والأستاذ مقتصرة على تلقي العلوم والمعارف الفكرية والفلسفية؛ بل تتعدى ذلك لتصل الى مرحلة الولاء والطاعة"، بحسب المتخصص في الشؤون الاستراتيجية والدولية علي أغوان، الذي قال لـ"الشرق"، إن "هذا بالضبط هو شكل العلاقة التي جمعت المرشد الجديد واليزدي؛ بحيث أن أغلب أفكار اليزدي تسربت بشكل كبير إلى عقل مجتبى، والتي هي بطبيعة الحال أفكار المرشد السابق علي خامنئي".

ويضيف أغوان أن "هناك ترابطاً فكرياً كبيراً بين نظرية ولاية الفقيه بالمنظور الذي دافع عنه مصباح اليزدي، ومنظورها في عقل مجتبى بشكل مباشر، وهو ما يعني أن المرشد الجديد سيسير على درب والده الراحل ومُعلمه اليزدي".

"استثمار متبادل"

وترى الخبيرة في الدراسات البينية الإيرانية الدكتورة شيماء المرسي أنه لا يمكن فهم موازين القوى الحالية في إيران بعيداً عن المطبخ الفكري الذي أداره محمد تقي مصباح اليزدي لعقود.

وأضافت: "كان المرشد السابق علي خامنئي هو القائد السياسي، فيما كان اليزدي المُنظر العقائدي الذي أعاد صياغة مفهوم ولاية الفقيه من ولاية انتخابية/شعبية إلى خلافة إلهية مطلقة، وفي هذا السياق، تبرز شخصية مجتبى، الابن الطموح والتلميذ النجيب، كحلقة وصل بين التنظير الراديكالي وممارسة السلطة الخشنة".

وعن طبيعة العلاقة بين اليزدي ومجتبى خامنئي، تؤكد المرسي، في حديثها لـ"الشرق"، أن ما بينهما تجاوز حدود العلاقة التقليدية بين العلامة وطلابه في الحوزة، فكانت علاقة استثمار متبادل، فمجتبى، الذي يفتقر للثقل العلمي الذي كان يتمتع به الرعيل الأول، أي الجيل التأسيسي للثورة، وجد في اليزدي المنفذ الذي يمنحه العمق الديني الفلسفي، فهو من أضفى صبغة الفقاهة على مجتبى لتهيئته لأدوار عليا.

وبالنسبة لليزدي، بحسب مرسي، كان مجتبى هو الضمانة لوصول أفكاره المتشددة إلى أذن أبيه خامنئي مباشرة، ولتأمين الدفع المالي والسياسي لمؤسساته، مثل "مؤسسة الإمام الخميني للتعليم والبحث" في قم.

وأشارت شيماء المرسي إلى نقطة مهمة، تتعلق بكون كلا الشخصيتين تميلان إلى العمل في الظل وتفضلان بناء شبكات معقدة، ما خلق انسجاماً كبيراً في إدارة ملفات الدولة الحساسة.

وقالت المرسي إن مجتبى تتلمذ على يد اليزدي "في دروس الأسفار والفلسفة، لكن الأثر الأهم كان في فلسفة الحكم التي انعكست على منهج مجتبى الذي تَشرب من اليزدي قناعة أن رأي الشعب لا يُنشئ شرعية للحاكم، بل هو مجرد آلية لتنفيذ الحكم الإلهي، ما يفسر سبب وصف مجتبى بأنه المهندس الفعلي لقمع احتجاجات 2009 (الحركة الخضراء)، فهو يرى المتظاهرين خوارج على الإرادة الإلهية وليسوا مواطنين لهم مطالب".

وبحسب مصادر إيرانية، لم تتبن الحوزة هذه الفكرة بصورة رسمية، إنما تبنتها شخصيات سياسية مُقربة من السلطة.

واعتبرت الخبيرة في الدراسات البينية الإيرانية أن اليزدي نجح في دمج أفكار دينية متشددة ضمن فكر الحوزة مع عقيدة الحرس الثوري، مشيرة أن مجتبى اليوم يمثل هذا الدمج، فهو يجمع بين الزي الحوزوي والعقلية الاستخباراتية، مؤمناً بأن بقاء النظام مرهون بالنخبة المؤمنة (الباسيج وحراس الثورة)، وليس بالتوافق المجتمعي.

وقالت إن مجتبى "تبنى منهج أستاذه في اعتبار أي محاولة لإصلاح الفكر الديني أو الانفتاح على العلوم الإنسانية الغربية بمثابة مؤامرة ناعمة، لذا، يتوقع أن يكون عهده عهداً من الانغلاق الثقافي والرقابة الشديدة على الجامعات".

3 مستويات للتأثير

بحسب الدكتور محمد محسن أبو النور، يمكن فهم تأثير اليزدي على مجتبى من خلال 3 مستويات رئيسية، أولها على المستوى العقائدي، حيث كان مصباح اليزدي يؤكد أن "ولاية الفقيه" ليست مجرد آلية سياسية لتنظيم الحكم، بل هي امتداد مباشر للولاية الدينية في عصر غيبة الإمام المهدي، وهذا الفهم يمنح المرشد سلطة واسعة تتجاوز الأطر الدستورية التقليدية، لأن شرعيته وفق هذا التصور مستمدة أساساً من التفويض الشرعي، لا من الإرادة الشعبية، ومن المرجح أن يكون هذا الفهم قد ترك أثراً في رؤية مجتبى لدور القيادة في النظام.

أما المستوى الثاني فهو سياسي، إذ كان اليزدي من أشد المنتقدين لفكرة الإصلاح من داخل النظام عندما يكون ذلك على حساب الأسس الأيديولوجية للثورة، لذلك كان يدعو دائماً إلى الحفاظ على الطابع الثوري للجمهورية الإسلامية وعدم الانجرار نحو نماذج حكم أكثر ليبرالية، وهذه الرؤية قد تنعكس في سياسات أكثر حذراً أو صرامة تجاه التيارات الإصلاحية في البلاد.

وثالثاً، بحسب خبير الشؤون الإيرانية، فهو المستوى المؤسسي، حيث آمن اليزدي بأهمية بناء شبكة من الكوادر العقائدية الموالية للنظام داخل المؤسسات الدينية والعسكرية والثقافية، متوقعاً أن يكون هذا النهج أحد أدوات إعادة إنتاج النخبة الثورية، وأحد ملامح المرحلة المقبلة.

فكر إيران القادم

وبينما ينتمي اليزدي ومجتبى للتيار المتشدد المحافظ، ويدعمان نظرية ولاية الفقيه بقوة، يُرجح أبو النور أن يكون لهذا الانتماء الفكري تأثير واضح على توجهات السياسة الإيرانية في المرحلة المقبلة، لكنه يقول إن هذا التأثير لن يكون مطلقاً أو أحادي الاتجاه، فالنظام الإيراني بطبيعته نظام مركب يضم مراكز قوى متعددة، تشمل المؤسسة الدينية والحرس الثوري ومجلس صيانة الدستور ومؤسسات الدولة المختلفة.

وفي حال كان التيار المحافظ المتشدد هو الأكثر تأثيراً في القيادة الجديدة، يتوقع أبو النور أن "نشهد استمراراً أو حتى تعميقاً لبعض السمات التي ميزت السياسة الإيرانية خلال العقدين الماضيين، وأبرزها التأكيد على الطابع الأيديولوجي للسياسة الخارجية، والاستمرار في دعم محور الحلفاء الإقليميين، والحفاظ على خطاب مقاومة الضغوط الغربية". 

اقرأ أيضاً

المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي.. نص الرسالة الأولى

تعهد المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي في أول رسالة له منذ توليه المنصب، باستمرار الهجمات الإيرانية على "القواعد العسكرية الأميركية في دول المنطقة".

وعلى مستوى الداخل، يوضح أبو النور أن هذا الأمر قد ينعكس في تشديد الرقابة على المجال السياسي والثقافي، مع محاولة الحفاظ على توازن دقيق بين الاستقرار الاجتماعي والالتزام بالمبادئ الثورية للنظام، لكن في المقابل، تبقى البراجماتية عنصراً مهماً في سلوك الدولة الإيرانية، لأن القيادة تدرك أن إدارة دولة بحجم إيران تتطلب أحياناً قدراً من المرونة السياسية والاقتصادية.

لذلك يمكن القول، بحسب أبو النور، إن تأثير مدرسة مصباح اليزدي قد يتمثل في تعزيز الإطار الأيديولوجي للنظام، بينما ستظل السياسات العملية خاضعة لمعادلة معقدة تجمع بين العقيدة السياسية ومتطلبات الدولة".

ولذلك يتوقع رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية أن يصدر القائد الإيراني الجديد فتوى بإباحة امتلاك السلاح النووي وفق تلك الروافع الفكرية والعقائدية التي استمدها من أستاذه مصباح اليزدي.

أما إبراهيم شير فيقول إنه يمكن ملاحظة تأثير مصباح اليزدي بشكل واضح في تكوين شخصية مجتبى خامنئي الفكرية، من خلال تبنى المرشد الجديد الرؤية المحافظة، التي ترفض الانفتاح غير المشروط على الغرب وتؤمن بأن أدوات القوة (الأمنية والعسكرية) يجب أن تكون في خدمة المشروع الثوري، وهو ما يجعله قريباً من الحرس الثوري.

ويتوقع أن يكون منهج مجتبى خامنئي يشبه إلى حد كبير النهج السابق لوالده، لكن بنظرة عصرية شابة، فهو يحمل رؤية مصباح اليزدي التي تميل إلى إعطاء الأولوية للقيم الأيديولوجية على حساب البراجماتية.

مزيد من التشدد

وفي هذه الجزئية، يتوقع خبير الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات الدكتور محمد عباس ناجي أن يميل مجتبى خامنئي نحو الانتقام والمزيد من التشدد في مواجهة أميركا والغرب؛ معتبراً أن تأثير مدرسة اليزدي التي لطالما نادت بمعاداة الغرب سيتضح بمرور الوقت في سياسات المرشد الجديد الذي له "ثأر شخصي" بعد اغتيال والده وزوجته في الضربات الأميركية الإسرائيلية، ما يجعل الصدام مع الغرب قدراً محتوماً، لا خياراً سياسياً.

وأكد ناجي كذلك أن مجتبى بات ممثلاً للتيار الأصولي المحافظ، الذي كان اليزدي أحد أبرز داعميه على مدار 4 عقود، وعليه فمن غير المرجح أن تشهد إيران اختلافاً على مستوى الحريات والحقوق الإنسانية؛ بل من المنتظر مزيد من التشدد فكرياً وعسكرياً، خاصة فيما يتعلق بمزيد من الهيمنة لقوات الحرس الثوري الذي كان مجتبى ضمن صفوفه وأمضى مدة خدمته العسكرية هناك في السنوات الاخيرة للحرب الإيرانية العراقية.

فيما يرى الدكتور علي أغوان أن تأثير أفكار اليزدي سيكون كبيراً في سياسات طهران المقبلة، ويتوقع أن يكون هناك تعزيز للتيار الديني المحافظ بصورة تجديدية تتفق مع حجم التحديات الجديدة على المستوى الداخلي، فيما ستعاني إيران في قدرتها على نشر نظرية ولاية الفقيه خارجياً بالآليات السابقة نفسها. 

تهميش منصب الرئيس؟

وفيما لا يستبعد إيرانيون احتمال أن يصبح تركيز كل السلطات في مكتب المرشد الأعلى، وهو أمر وفق معطيات هذه المصادر "لا يُخالف الدستور" الإيراني، تتوقع شيماء المرسي مزيداً من التحول من الجمهورية إلى الحكومة الدينية، خاصة أن اليزدي كان يفضل مصطلح "الحكومة الإسلامية" على "الجمهورية"، مرجحة أن تشهد إيران، تحت حكم مجتبى، "إلغاء تدريجياً لمنصب رئيس الجمهورية أو تحويله إلى منصب بروتوكولي تماماً".

كما لا تستبعد المصادر الإيرانية نفسها العودة إلى نظام الحكم البرلماني، بدلاً من الرئاسي، المعمول به منذ نهاية الثمانينات من القرن الماضي.

وتضيف خبيرة الدراسات البينية الإيرانية أنه "خلافاً لعلي خامنئي الذي مارس مرونة دبلوماسية (مثل الاتفاق النووي 2015)، تؤمن مدرسة اليزدي التي ينتمي لها مجتبى بالثبات المطلق، ما يعني استمرار دعم الأذرع العسكرية في الخارج كواجب عقائدي لا يخضع للمساومة"، متوقعة مزيداً من العزلة الدولية لإيران، في ظل النظرة إلى التفاوض مع الغرب باعتباره "خطيئة أو فخ". 

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن، في 2017 خلال ولايته الرئاسية الأولى، انسحاب بلاده من الاتفاق النووي مع إيران، والذي سبق إبرامه بين طهران و6 قوى دولية عام 2015.

وفي يونيو من 2025، وفي ظل مفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، بخصوص الملف النووي، أمهل خلالها الرئيس ترمب طهران أسبوعين للتوصل إلى صفقة قبل أن يتخذ قراراً بضربها؛ لكن، وقبل أن تنتهي المهلة، استهدفت المقاتلات الأميركية المنشآت النووية الإيرانية في يونيو الماضي، ما أشعل حرباً معها بمشاركة إسرائيل، استمرت 12 يوماً.

وتسلّط المرسي الضوء على نقطة هامة تتعلق بما يثيره نهج مجتبى ومصباح اليزدي من حفيظة لدى المراجع التقليديين، فتتحدث عن "صراع صامت وعميق بين مدرسة النجف ومدرسة قم، قد يؤثر مباشرة على مستقبل مجتبى خامنئي؛ خاصة أن مدرسة النجف (السيستاني) تؤمن بولاية الفقيه المقيدة (أي تدخل الفقيه في الأمور الحسبية والضرورية فقط، مع احترام إرادة الشعوب)، وترفض تسييس المرجعية أو تحويلها لتوريث سياسي، بينما مدرسة اليزدي ومجتبى تؤمن بالولاية المطلقة". 

ولا ترى المرسي مجتبى خامنئي مجرد "ولي الدم لمنصب والده"، بل هو الوارث الأيديولوجي لمشروع مصباح اليزدي، لافتة إلى أن المشروع يهدف لتحويل إيران إلى قلعة محصنة يحكمها الفقيه العسكري حيث لا صوت يعلو فوق صوت الولاية المطلقة.

وتعتبر أن رحيل اليزدي جسدياً عام 2021 لم ينهِ أثره، بل ترك خلفه تلميذاً (مجتبى خامنئي) يمتلك من السلطة والأدوات ما يجعل حلم اليزدي بدولة راديكالية خالصة أقرب إلى التحقق من أي وقت مضى.

إبن أبيه

على النقيض، يرى الباحث بمعهد الدراسات المستقبلية في بيروت، محمد حسين الموسوي، أن تتلمذ مجتبى خامنئي على يد مصباح اليزدي، لا يعني أنه سيسير وفقاً لفلسفته ونظرياته، خاصة أنه ارتبط بالأساس ارتباطاً وثيقاً بوالده الراحل علي خامنئي وتأثر به وبمدرسته الفكرية المتوازنة إذا ما قورنت بمدرسة اليزدي المتشددة.

ويقول الموسوي إن "مجتبى خامنئي هو ابن أبيه مع تجربة مؤسساتية أكثر عمقاً، وهو على مستوى ولاية الفقيه لا يتجاوز أباه بأي شيء"، وتوقع أن "يلجأ إلى اعتماد المنهجية التقليدية في الحوزة العلمية في قم، تجنباً لأي مواجهة غير ضرورية مع المراجع والحوزة، في حين سيميل للمصالح البراجماتية على مستوى السياسات الخارجية".

تصنيفات

قصص قد تهمك