
يتمثل التحدي أمام الملك تشارلز الثالث، مع انطلاق زيارته الرسمية هذا الأسبوع إلى الولايات المتحدة، في الارتقاء إلى مستوى الإرث الذي تركته والدته الملكة الراحلة إليزابيث الثانية.
وكانت الملكة إليزابيث الثانية قد أبهرت الكونجرس الأميركي عام 1991، في خطاب احتفى بالتقاليد الديمقراطية المشتركة بين بريطانيا والولايات المتحدة، واقتبست فيه من أبراهام لينكولن وفرانكلين روزفلت ورالف والدو إمرسون، مسلطة الضوء على عمق الروابط بين البلدين.
ومن المتوقع أن تكون هذه الموضوعات أيضاً في صدارة أجندة تشارلز، بينما يشارك في الاحتفال بالذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة ويسعى إلى تهدئة التوترات المرتبطة برفض رئيس الوزراء كير ستارمر دعم الرئيس الأميركي دونالد ترمب في حرب إيران، وفقاً لما قاله دوجلاس برينكلي، المؤرخ الرئاسي في جامعة رايس بولاية تكساس.
وقال برينكلي لوكالة "أسوشيتد برس": "علينا دائماً التمييز بين حكومة المملكة المتحدة والملوك والملكات في بريطانيا، الذين يسعون دائماً إلى تقديم صورة إيجابية".
وأضاف: "السياسة تتغير، ورؤساء الوزراء والرؤساء يتغيرون، لكن هناك شيئاً أعمق يتعلق بالعلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة".
دبلوماسية منظمة وسط التوترات
تحت مظاهر الفخامة والبروتوكول لزيارة تشارلز التي تستمر 4 أيام إلى واشنطن ونيويورك وفيرجينيا، تكمن عملية دبلوماسية دقيقة التنظيم تُنفذ، كما هو الحال في جميع الزيارات الملكية، بطلب من الحكومة البريطانية، وفقاً لـ"أسوشيتد برس".
ورفض ستارمر ضغوطاً لإلغاء الزيارة بعد أن انتقد ترمب تضحيات الجيش البريطاني في أفغانستان ووجه انتقادات شخصية له بسبب عدم دعمه للولايات المتحدة في حرب إيران.
ورغم هذه التوترات، يواصل ترمب الإشادة بالملك تشارلز.
وقال برينكلي: "التاريخ يُظهر أن الرئيس ترمب يحاول دائماً أن يكون لافتاً عندما يتعامل مع العائلة الملكية البريطانية، وأتوقع أن يتكرر الأمر نفسه هذه المرة".
ومنذ عام 1939، عندما أصبح الملك جورج السادس أول ملك بريطاني يزور الولايات المتحدة، ساد نوع خاص من الحماس كلما زار أفراد العائلة المالكة البلاد.
وفي تلك الزيارة الأولى، التي جاءت مع اقتراب الحرب العالمية الثانية، قام الملك والملكة بجولة على الساحل الشرقي، وشاركا في "نزهة" داخل منزل الرئيس روزفلت في هايد بارك بنيويورك، حيث عنونت صحيفة "نيويورك تايمز": "الملك يتذوق الهوت دوج ويطلب المزيد".
لكن اللحظة الأبرز كانت زيارة جبل فيرنون لوضع إكليل على قبر جورج واشنطن، في إشارة احترام في وقت كان فيه العالم يتجه نحو العزلة.
وقالت الباحثة باربرا بيري من مركز "ميلر" بجامعة فيرجينيا: "كان الناس يدركون أن هناك حرباً تلوح في الأفق، وأن من المهم للولايات المتحدة وبريطانيا أن تظلا متماسكتين في مواجهة هتلر".
من الحرب إلى "العلاقة الخاصة"
ولم تقتصر الروابط على القادة فقط، إذ ساهمت هذه الزيارات في بناء علاقة بين العائلة المالكة والجمهور الأميركي أيضاً.
فمع اندلاع الحرب في سبتمبر 1939، كتبت الملكة إليزابيث (زوجة جورج السادس ووالدة الملكة إليزابيث الثانية) إلى السيدة الأولى إليانور روزفلت، معربة عن تأثرها برسائل الأميركيين الذين أرفقوا مبالغ صغيرة لدعم القوات البريطانية.
وقالت في رسالتها: "في بعض اللحظات خلال الأشهر القاسية الماضية، شعرنا بوحدة في معركتنا ضد الشر، لكن يمكنني القول بصدق إن قلوبنا تعززت بمعرفة أن أصدقاء في أميركا يفهمون ما نقاتل من أجله".
الملكة إليزابيث الثانية وتثبيت "العلاقة الخاصة"
واصلت الملكة إليزابيث الثانية تعزيز هذه العلاقات خلال عرشها الذي امتد 70 عاماً، حيث قامت بـ4 زيارات رسمية للولايات المتحدة.
وشاركت في احتفالات الذكرى المئوية الثانية لأميركا عام 1976 مع الرئيس جيرالد فورد، كما التقت بالرئيس جورج بوش الابن عام 2007 خلال فترة العمليات العسكرية في العراق وأفغانستان.
وكان الهدف من هذه الزيارات هو تهدئة التوترات والتأكيد على الروابط المشتركة بين الجانبين.
رمزية وتاريخ وتجنب للملفات الحساسة
ولن تختلف زيارة تشارلز كثيراً، إذ تتضمن إحياء ذكرى هجمات 11 سبتمبر 2001، ومراسم لتكريم العسكريين الذي قضوا في القتال، إضافة إلى فعالية بمشاركة الملكة كاميلا بمناسبة مرور 100 عام على قصص "ويني ذا بوه" للكاتب إيه. إيه. ميلن.
في المقابل، سيتم تجنب القضايا الحساسة، مثل لقاء ضحايا جيفري إبستين، رغم الدعوات لمناقشة علاقات شقيق الملك بهذه القضية. كما لا توجد خطط للقاء الأمير هاري.
وقال روبرت هاردمان، وهو مؤلف كتاب عن الملكة إليزابيث الثانية: "هناك الكثير من القضايا الحساسة، لكن هناك أيضاً الكثير من الأمور التي يمكن للملك التركيز عليها".
وأضاف: "يذهب الملك إلى بلد طُرد منه أسلافه قبل 250 عاماً، ليقول إن الأمر كان انفصالاً جيداً، وإن 250 عاماً كانت رائعة".
خطاب أمام الكونجرس ورسائل تاريخية
ومن المتوقع أن يلقي تشارلز خطاباً أمام جلسة مشتركة للكونجرس، في محاولة لتأكيد أن الصداقة طويلة الأمد أهم من الخلافات المؤقتة.
كما قد يتضمن خطابه لمسة من الدعابة، كما فعلت والدته عام 1991 عندما مازحت الكونجرس بشأن منصة الخطابة المرتفعة في البيت الأبيض، قائلة: "آمل أن تتمكنوا من رؤيتي اليوم".
وقد قوبل خطابها حينها بتصفيق حار وقوفاً، قبل أن تنتقل للحديث عن القيم الديمقراطية والتحالف الأطلسي.
لكن تشارلز سيقدم رؤيته الخاصة، بحسب برينكلي، الذي قال إن الخطاب سيركز على "الاستثنائية الأميركية والتاريخ الأميركي وأهمية التحالف بين البلدين وذكريات الماضي، إضافة إلى قصة الحب المتبادلة بين الشعبين رغم التوترات أحياناً".








