
تتسارع وتيرة الحراك السياسي في العراق مع اقتراب حسم ملف تشكيل الحكومة الجديدة، بعد تكليف علي الزيدي برئاسة الوزراء، وسط مؤشرات على تفاهمات أولية بشأن توزيع الحقائب الوزارية، بعد اجتماع قوى "الإطار التنسيقي" لمناقشة شكل الحكومة المقبلة.
وبين حسابات الاستحقاق الانتخابي ومتطلبات التوازن السياسي، تبرز ملامح حكومة يُراد لها أن تكون مختلفة في الأداء، لكنها لا تبدو بعيدة كثيراً عن قواعد المحاصصة التي حكمت التشكيلات السابقة.
وقال النائب عن الإطار التنسيقي ياسين العامري في حديثه لـ"الشرق"، إن المرحلة الحالية تشهد توجهاً عاماً من قبل القادة والكتل السياسية نحو استكمال توزيع الحقائب الوزارية، مشيراً إلى أن نموذج الحكومات في العراق منذ عام 2003، قام على مبدأ الشراكة بين جميع المكونات، بما يحمّل الجميع مسؤولية إنجاح التجربة الحكومية.
وأضاف العامري أن توزيع الوزارات لا يعني بالضرورة ثباتها ضمن مكون معين، لافتاً إلى إمكانية إجراء "مناقلات" بين الكتل السياسية، بما في ذلك وزارات مهمة مثل الخارجية أو التعليم والتربية، وهو ما قد يسهم – بحسب وصفه – في تبادل الخبرات وإعطاء فرصة لكل طرف لإثبات قدرته على إدارة المؤسسات.
كما شدد على أهمية الالتزام بالسقف الزمني الدستوري، موضحاً أن أمام رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، ثلاثين يوماً (مضى منها يومان) لإكمال تشكيل الحكومة وتقديم برنامجها إلى مجلس النواب تمهيداً للتصويت.
دعم مشروط وتأكيد على أولوية الإصلاح الاقتصادي
بدوره، أكد عضو "تحالف العزم" حيدر الأسدي في حديثه لـ"الشرق"، أن المرحلة المقبلة هي "مرحلة تغيير حقيقية"، مشدداً على ضرورة أن تحظى الحكومة الجديدة بدعم جميع القوى السياسية، وأن تتبنى نهجاً اقتصادياً قادراً على إنقاذ البلاد من حالة الركود.
وأشار إلى أن التحديات الاقتصادية الراهنة، المرتبطة بإغلاق بعض الممرات البحرية والتوترات الإقليمية، تفرض على الحكومة المقبلة اعتماد سياسات أكثر مرونة وانفتاحاً على التوازنات الدولية.
ويعكس موقف تحالف العزم دعماً واضحاً لتكليف المرشح لرئاسة الحكومة، علي الزيدي، مع تأكيده عدم الوقوف عائقاً أمام تشكيل الحكومة، مقابل التمسك بما يصفه بـ"الاستحقاق الانتخابي".
ووفق هذا الطرح، يرى التحالف أنه يستحق وزارتين ومنصب نائب رئيس الوزراء، في وقت يشير فيه إلى أن قوى أخرى، مثل تحالف تقدم، استوفت الجزء الأكبر من حصتها في مواقع سابقة، ولم يتبقَّ لها سوى ما يعادل حقيبة وزارية واحدة.
وفي ما يتعلق بالحقائب السيادية، لفت الأسدي إلى أن حسمها يبقى من صلاحيات رئيس الوزراء المكلف، مع التأكيد على أهمية الدفع بوجوه جديدة قادرة على إدارة ملفات حساسة، خصوصاً في وزارتي الداخلية والخارجية، وهو ما يعكس توجهاً – على الأقل في الخطاب – نحو تجديد النخبة التنفيذية.
الأكراد ونظام النقاط: تمثيل ثابت وتفاوض مفتوح
على الجانب الآخر، قال النائب السابق في برلمان إقليم كردستان العراق عبد السلام برواري إن آلية توزيع المناصب في العراق لا تزال تقوم أساساً على عدد المقاعد النيابية، عبر نظام "النقاط" الذي يحدد حصة كل مكون.
وأشار إلى أن هذا النظام يضمن تمثيل جميع المكونات، ما يعني أن القوى السنية والكردية "ستحصل على حصتها وفق هذا التوازن".
وبحسب برواري، فإن التمثيل الكردي لن يختلف كثيراً عن الحكومات السابقة، مع توقع حصول الأحزاب الكردية على وزارة سيادية أو اثنتين، إلى جانب وزارتين خدميتين، ليصل مجموعها إلى أربع حقائب تقريباً، انسجاماً مع حجمها النيابي.
كما لفت إلى أن تبديل الحقائب بين المكونات – كالتناوب بين الخارجية والمالية – يعد أمراً مألوفاً، لكنه حذر من أن أي محاولة لحرمان مكون معين من الوزارات السيادية قد تُفسَّر على أنها تهميش سياسي يمس جوهر الشراكة.
هل حُسمت الحكومة مسبقاً؟ قراءة في موقف الإطار التنسيقي
ورأى المحلل السياسي بسام القزويني أن قوى الإطار التنسيقي ربما حسمت بالفعل توزيع معظم الوزارات قبل إعلان اسم المرشح لرئاسة الوزراء، معتبراً أن تسمية علي الزيدي قد تعكس وجود اتفاق مسبق على شكل الحكومة، ما قد يحد من هامش المناورة أمام رئيس الوزراء المكلف.
ويستبعد القزويني أن تؤثر التوترات الإقليمية، بما فيها انعكاسات الصراع الأميركي الإيراني، بشكل مباشر على توزيع الحقائب، مرجحاً استمرار بعض القوى في الاحتفاظ بوزاراتها التقليدية، مثل وزارة الخارجية التي قد تبقى ضمن حصة الحزب الديمقراطي الكردستاني، في إطار التوازنات القائمة.
ومع ذلك، يلفت إلى أن التحدي الأبرز أمام الحكومة المقبلة لا يكمن في توزيع المناصب، بل في قدرتها على إدارة الملفات الاقتصادية، خصوصاً ما يتعلق بسعر صرف العملة وتدفق الدولار، وهي ملفات ترتبط بطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة.
ورأى أن نجاح علي الزيدي في هذا الجانب قد يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي وانعكاس إيجابي على علاقات العراق الخارجية.
كما أشار إلى أن ملفات أخرى، مثل حصر السلاح بيد الدولة، ستظل مرتبطة بتوافقات سياسية أوسع داخل "الإطار التنسيقي"، وائتلاف إدارة الدولة، الذي يُتوقع أن يستمر – بصيغته الحالية أو بصيغة معدلة – في إدارة المرحلة المقبلة واستكمال تشكيل الحكومة.
بين وعود التغيير وقيود المحاصصة
في المحصلة، تبدو ملامح الحكومة العراقية الجديدة محكومة بمعادلة مزدوجة: طموح معلن للتغيير والإصلاح، يقابله واقع سياسي قائم على التوازنات والمحاصصة.
وبين هذين المسارين، سيكون التحدي الحقيقي أمام رئيس الوزراء المكلف هو تحويل التفاهمات السياسية إلى برنامج حكومي فعال، قادر على مواجهة الأزمات الاقتصادية واستعادة ثقة الشارع، دون أن يصطدم بتعقيدات النظام السياسي وتشابك مصالح القوى الفاعلة.










