هجمات مالي.. تحالف انفصالي يهدد بتقويض أمن الساحل الإفريقي | الشرق للأخبار
خاص

هجمات مالي.. "تحالف ظرفي" يعيد تشكيل توازنات أمن الساحل الإفريقي

فرنسا تنتهج "دبلوماسية الصمت".. وسيناريوهات متباينة لتطورات الأزمة

time reading iconدقائق القراءة - 31
متمردو الطوارق من "جبهة تحرير أزواد" FLA على ظهر شاحنات عسكرية صغيرة في كيدال بمالي. 26 أبريل 2026 - Getty Images
متمردو الطوارق من "جبهة تحرير أزواد" FLA على ظهر شاحنات عسكرية صغيرة في كيدال بمالي. 26 أبريل 2026 - Getty Images

مشهد جديد تفرضه مالي في الصحراء الكبرى والساحل الإفريقي يرتقي بلغة المقاربات الاستراتيجية إلى ما يشبه التحول الجذري في التوازنات الأمنية، متجاوزاً بذلك إطاراً محلياً يعتقد خبراء أن تداعياته قد ترسم خارطة نفوذ جديدة تمتد في اتجاهات مختلفة.

ففي هذا البلد الإفريقي، الرابض حالياً على صفيح من نار، لا يزال صدى البارود يتردد في المدن والطرقات انطلاقاً من الشمال وصولاً إلى مدينة كاتي، معقل المجلس العسكري الحاكم، وصولا إلى العاصمة باماكو.

وفي قراءات منفصلة لـ"الشرق"، يُجمع خبراء على أن ما يحدث حالياً في مالي يختلف جذرياً عما شهده هذا البلد طوال محطاته المضطربة، منذ استقلاله عن فرنسا في ستينيات القرن الماضي.

مشهد يعتقدون بأنه قد يطلق شرارة "محطة مفصلية تولد من رحم مشهد متشابك وضبابي إلى حد كبير"، ومن أجندات وجدول أولويات حافل بتحديات تتجاوز جغرافية البلد لتشمل كامل إقليم الساحل والصحراء.

"هجمات السبت"

لم تكن كاتي المدينة الوحيدة في مالي التي استيقظت، فجر السبت الماضي، على دوي الرصاص والتفجير، فبالتزامن مع ذلك، كانت الأصوات نفسها تتعالى في كيدال، وجاو، وسيفاري، ومناطق عديدة من باماكو.

ففي كاتي التي تبعد 15 كيلومتراً من باماكو، وتعتبر معقل المجلس العسكري الحاكم، اخترقت سيارة مفخخة الحاجز الأمني للمدينة، ودمرت منزل وزير الدفاع ساديو كامارا.

وفي الواقع، لم تكن الهجمات متفرقة إلا من حيث المكان، لكن زمنياً كانت عملية واحدة مشتركة بين "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم القاعدة، و"جبهة تحرير أزواد" ضد نظام الجنرال رئيس المجلس العسكري الحاكم أسيمي جويتا.

وبحسب بيان حكومي بثه في حينه التلفزيون الرسمي بمالي، صدم انتحاري يقود سيارة مفخخة منزل الوزير، مما أدى إلى اندلاع اشتباكات مسلحة عنيفة، فيما أعلنت السلطات الحداد ليومين تنكس خلالهما الأعلام فوق المباني الرسمية، تقديراً لدور كامارا باعتباره أحد أعمدة النظام.

ولم يكن كامارا مجرد وزير، بل كان الشخصية الأكثر نفوذاً في المجلس العسكري بعد جويتا، ما يعني أن اغتياله يشكل استهدافاً واضحاً لرموز السلطة نفسها، وهو ما عقب عليه المحلل السياسي في مالي بابا كوني، بالقول لـ"الشرق" إن اللحظة تتجاوز الحدث ذاته لأنها تدل على أن الحرب لم تعد تدور خارج السلطة بل باتت داخل نطاقها المباشر، محذراً في الوقت نفسه من الدائرة الصلبة للنظام أصبحت بمرمى أعدائه.

وفي أقصى الشمال، وتحديداً في كيدال، رفع مقاتلو "جبهة تحرير أزواد" راياتهم مجدداً فوق شوارع المدينة، التي طوت في ساعات عقداً ونصف من تاريخها العاصف من معقل لتمرد الطوارق قبل أن تستعيد السلطات السيطرة عليها، ثم تخرج منها فجر السبت الماضي، في 25 أبريل.

جويتا يكسر الصمت

غاب رئيس المجلس العسكري في مالي أسيمي جويتا عن الظهور الإعلامي منذ الهجمات، ما فتح المجال أمام سيل من التكهنات وحتى الشائعات، لكن الرئيس الانتقالي كسر غيابه بظهوره عبر خطاب بثه التلفزيون الرسمي، مساء الثلاثاء، قائلاً إن "الإجراءات الأمنية تعززت. الوضع تحت السيطرة، وعمليات التمشيط والبحث وجمع المعلومات وتأمين المناطق متواصلة".

وأقر جويتا في الوقت نفسه بـ"خطورة بالغة" للوضع، داعياً السكان إلى عدم الانجرار نحو "الانقسام"، في تصريحات وازنت إجمالاً بين تطمين الشعب والاعتراف بواقع ميداني يبدو معقداً، في ظل تقدم تحالف المسلحين من الفصيل التابع للقاعدة ومن "جبهة تحرير أزواد" (انفصاليون من الطوارق). 

وتشهد مالي منذ أكثر من عشر سنوات أزمة أمنية، لكن هجمات السبت تعد غير مسبوقة، على الأقل منذ تولي المجلس العسكري الحكم في عام 2020، بحسب مراقبين، وفي ظل تقدم المسلحين على الأرض وفق تقارير إعلامية، وتوعدهم بـ"إسقاط" المجلس العسكري "عاجلاً أم آجلاً". 

تحالف انفصالي

في قراءته للتسلسل الزمني للأحداث، يرى المحلل السياسي المنحدر من قبيلة أزواد، بابا كوني، أن "هجمات السبت" شكلت حلقة ضمن فصل كامل كانت الحركتان تعدان له منذ فترة طويلة.

ويقول كوني في حديثه لـ"الشرق"، إن السلاح ليس سوى جزئية في حرب بدأت منذ فترة في مالي، وكان هدفها إنهاك السلطات، وخلق حالة من الإحباط والاستياء لدى السكان، من أجل تأليبهم ودفعهم للاحتجاج ضد المجلس العسكري الحاكم.

وأشار إلى "سياسة الاختناق البطيء التي اعتمدتها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين عبر إغلاق الطرق واستهداف القوافل ومحاصرة المدن وقطع وسائل الإمداد وبث الرعب"، معتبراً أن التنظيم خطط لإنهاك السلطات اجتماعياً واقتصادياً قبل المرور إلى المرحلة العسكرية.

وفي تعقيبه على التحالف بين "التنظيم الإرهابي" والحركة الانفصالية، يقول كوني، إن "التنسيق بين الطرفين يبدو لافتاً، لكن المؤكد هو أن هذا التقارب لم يكن ارتجالياً، بمعنى أنه تم بشكل تدرجي وقد يكون مر بمراحل عديدة نظراً للتناقضات العديدة الكامنة بوجه أي نوع من التحالف بين الطرفين". 

ويوضح: "هذا التقارب لا يعني اندماجاً أيديولوجياً كما يخيل للبعض، لأنه في حال تطرقنا للأمر من هذه الناحية فإن الاختلافات تبدو أكثر من النقاط التي تجمعهما: الأول عابر للحدود ومرتبط بخطاب إرهابي، والثاني محلي يرتبط بمطالب سياسية للطوارق".

واستدرك: "لكن ما يجمعهما في هذه اللحظة هو العدو المشترك: المجلس العسكري وروسيا، ولذلك يمكن أن نسميه تحالف الضرورة".

و"الأمر الصعب في مقاربة التقارب تكمن بالأخص"، وفق الخبير، في "تجاوز أو محاولة العثور على نقطة التقاء في خضم الاختلافات الفكرية والأيديولوجية والنظرة لهوية الدولة المستقبلية وحدودها".

وباعتقاده، حسبما أشار في حديثه لـ"الشرق"، فإن "الجانبين يُدركان أن عدوهما واحد إذ يواجهان قوة واحدة تتمثل في الجيش المالي وفيلق إفريقيا (التابع لوزارة الدفاع الروسية)، ومن هنا بدا التقارب ضرورياً".

ورغم الاختلافات، إلا أن الحركتين حرصتا على التنسيق الميداني بشكل متتابع زمنياً أظهرته الكمائن المتعاقبة ضد الجيش المالي وفيلق إفريقيا منذ منتصف العام الماضي، على حد قول كوني استناداً إلى ما رصده معهد "جيمس تاون" الأميركي.

والرؤية نفسها لهذا التحالف يؤيدها حمدي جوارا، الكاتب المالي المختص في قضايا الساحل وإفريقيا، بالقول: "نعم التحالف موجود (بين التنظيم والجبهة) وإن اختلف الطرفان أحياناً".

ويضيف جوارا، في حديثه لـ"الشرق"، أن "التحالف هو الأصل، ولذلك حصل ما حصل في 2012 حين سيطروا على أقاليم كبرى في شمال مالي".

ويشير الخبير المالي إلى ما حدث في العام المذكور حين تحالفت جماعة "أنصار الدين" (شكلت لاحقا مع جماعات أخرى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) مع "الحركة الوطنية لتحرير أزواد"، التي تمثل الطوارق، وتعد جزءا مهما ومكونا رئيسيا ضمن "جبهة تحرير أزواد".

والتحالف تمكن حينها من اجتياح مساحات واسعة من شمال مالي وسيطر على المدن الكبرى في المنطقة.

وبحسب جوارا، فإن هؤلاء المسلحين والانفصاليين "يرون أن النظام (الحالي) عدو لهم جميعا، ولذلك اجتمعوا ضده وإن كانت تفرقهم الإيديولوجيا والعقيدة السياسية والدينية".

ويخلص إلى أن "التحالف واضح"، معتبراً أن هذا التقارب يأتي من منطلق "عدم قدرة أحد الفريقين على الانتصار منفرداً على الجيش المالي".

وفي تعقيبه على نفس الجزئية، يؤكد الدكتور إسماعيل زنجو برزي، مدير مختبر البحث حول العالم العربي والإسلامي بجامعة باماكو، وجود تحالف علني بين الجماعتين.

ويقول برزي لـ"الشرق": "نعم هناك تحالف علني بين الجماعتين، وهو تحالف يستهدف القضاء على مالي"، كاشفاً عن "استقدام مرتزقة من العديد من الدول، بينها مجاورة، وعددهم يقدر بالآلاف".

وبعودته إلى تفاصيل الهجمات، قال إنها "كانت متزامنة حيث جرت في الوقت نفسه واستهدفت العديد من المدن الكبرى، من ذلك غاو وكيدال في الشمال، وفي الوسط سفاري وموبتي وكذلك كونا، وأيضاً في العاصمة باماكو (جنوب غرب)".

وبحسب معلوماته، فإن كيدال "تحت سيطرة هذه الجماعة المتطرفة التي استحضرت المزيد من المرتزقة لتنفيذ هجومها"، في إشارة إلى "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، الفصيل التابع لتنظيم القاعدة.

تصالح "مرحلي"

في خضم اضطرابات حكمت تاريخه الحديث، يعود الشمال المالي إلى منطق التحالفات المرنة التي يمكن أن تتفكك بنفس سرعة تشكلها، كاشفة عن طبيعة الصراع في مالي، حيث تحكم المصالح المتغيرة تكتيكات المسلحين والمتمردين.

فمع تفكك اتفاق الجزائر الموقع في عام 2015 بين الحكومة المركزية في باماكو والانفصاليين الأزواد وتنظيمات متشددة، ورحيل القوات الفرنسية بعد سنوات من ذلك، يرى خبراء أن تلك العوامل ساهمت، بشكل أو بآخر، في توسيع الثغرات ومنح التنظيمات المتطرفة أو الانفصالية مجالاً لإعادة ترتيب صفوفها وتشكيل تحالفات رغم التناقضات.

أحمد ميزاب، مدير مركز "أفريك جيوبولتيك" للدراسات الاستراتيجية، يعتبر أن ما يُتداول حول وجود "تحالف" بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد لا يعكس في حقيقته تحالفاً استراتيجياً مستقراً قائماً على رؤية موحدة أو مشروع سياسي جامع.

وفي حديث لـ"الشرق"، يقول الخبير الجزائري في القضايا الأمنية والاستراتيجية، إن هذا التحالف "يعكس شكلاً من أشكال التنسيق الظرفي الذي قد تفرضه طبيعة الصراع وتعقيداته حسب رؤية الطرفين".

ومستنداً إلى المعطيات المتوفرة، يشير ميزاب إلى "عمليات متزامنة وتقاطع في مسارح التحرك بين الطرفين لكن دون أن يرتقي ذلك إلى مستوى الاندماج التنظيمي أو التوافق العقائدي".

وفي هذا الإطار، يرى أن "طبيعة العلاقة بين الطرفين تظل محكومة بمنطق تقاطع المصالح المرحلي، إذ يتحرك كل طرف وفق أجندته الخاصة؛ فالجماعات الإرهابية تسعى إلى توسيع نطاق نفوذها وفرض واقع ميداني بالقوة خارج منطق الدولة".

بينما "تحاول بعض الحركات الأزوادية إعادة تموقعها الجغرافي والسياسي في شمال مالي، وهو ما يفسر توزيع مجالات النشاط بين الوسط والجنوب من جهة، حيث تنشط الجماعات الإرهابية، والشمال من جهة أخرى، حيث يتركز حضور الحركات الأزوادية".

وهذا الواقع، بحسب الخبير، يفرض توصيفاً أكثر دقة يتمثل في كونه "تنسيقاً تكتيكياً عالي الخطورة، لأنه يجمع بين خبرة قتالية غير نظامية راكمتها الجماعات الإرهابية عبر سنوات من العمل المسلح، وبين عمق محلي قبلي يوفره الفضاء الأزوادي، وهو ما يمنح هذا التقاطع قدرة أكبر على التأثير الميداني وخلق حالة من عدم الاستقرار الممتد".

آغ غالي.. كلمة السر

نقطة أساسية تطرق إليها الخبير الأمني علي الزرمديني، بالحديث عن إياد أغ غالي، مؤسس وزعيم جماعة "أنصار الدين"، والتي شكلت مع تنظيمات أخرى في 2017 "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، وهو أيضاً الرجل الذي يعتبر الزعيم الفعلي لتنظيم القاعدة في مالي.

وفي حديث لـ"الشرق"، يقول الزرمديني، وهو عميد سابق بالحرس الوطني التونسي: "هناك تحالف استراتيجي بين الأزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين الموالية لتنظيم القاعدة".

ويضيف: "لا يجب أن ننسى أن آغ غالي هو أحد عناصر الطوارق الذي أسس جبهة نصرة الإسلام والمسلمين، وهذا الجانب الانتمائي شجع على الالتقاء والتحالف في إطار تحالف استراتيجي عسكري وليس تحالفاً عقائدياً لأن الأزواد ليس لهم نفس الانتماء العقائدي".

ورغم ذلك، يعتبر الخبير الأمني، أن "هذا التحالف قائم بقوة باعتبار الصعوبات التي واجهها الأزواد (حسب رؤيتهم) كما أن العدو واحد، وبذلك هناك التقاء".

واستعرض 3 فصائل تنشط في مالي وتخوض حرباً ضد الحكومة، وهي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، والانفصاليين من الطوارق والأزواد الانفصالية، إضافة إلى تنظيم داعش في غرب إفريقيا.

والتنظيم الأخير يتنافس مع القاعدة للحصول على مواقع جغرافية معينة، وفق الخبير التونسي.

وفي هذا الإطار، يعتقد بابا كوني، بدوره، أن أغ غالي شكّل حلقة وصل بين عالمين مختلفين تمثلهما "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" و"جبهة تحرير أزواد"، لافتاً إلى أنه رغم التباينات الإيديولوجية، إلا أنه حين تتقاطع المصالح، تسقط جميع الاعتبارات.

تكتيك جديد

في تقييمه لحجم الهجوم، يقول الخبير الأمني الزرمديني، إنه "يحمل دلالات بالغة الأهمية، فهو هجوم خطير جداً باعتبار أنه جاء في إطار استراتيجية عسكرية قامت على محاصرة المدن الكبرى وخطوط الإمداد والنقاط الرئيسية التي تصل منها المواد الأساسية والطاقة إلى العاصمة باماكو، وبعد هذا الحصار كان الهجوم مركزاً على هجمات معينة متعددة ومتزامنة".

وبالنسبة له، فإن "الهجوم يعد الأول من نوعه بهذا الشكل والكيفية والإمكانيات المادية واللوجستية والعسكرية التي توفرت للجماعات من خلال الطائرات المسيرة والأسلحة المتطورة المستخدمة لمهاجمة هذه المدن التي كانت تبدو أنها محصنة ويتواجد فيها فيلق إفريقيا قبل أن ينسحب من المكان".

وهذا الفيلق، يوضح الخبير، "يؤمن المكان وأهم الشخصيات بالبلاد من بينها الرئيس الانتقالي، وكل هذا يجعل من هذه الهجمات بالغة الخطورة على مستوى التكتيك المعتمد والنتائج والتفاعل القائم بين الجماعات بأن تهاجم بشكل متزامن المقرات والمدن، وهذا يدل على اعتمادها استراتيجية عسكرية مكنتها من الاستيلاء على العديد من المواقع".

أما ميزاب فيعتبر أن تقدير حجم الهجوم يفرض التعامل معه كتحول نوعي في مسار الصراع، لأنه لا يمكن تصنيفه ضمن العمليات الروتينية أو الضربات المحدودة، بل يندرج ضمن أكبر الهجمات التي شهدتها مالي منذ عام 2012، وهو ما يعكس مستوى غير مسبوق من حيث التخطيط والتنسيق والقدرة على التنفيذ في بيئة معقدة.

وهذا الهجوم، وفق رؤيته، تميز بجملة من الخصائص الميدانية الواضحة، في مقدمها تنفيذه عبر عمليات متزامنة استهدفت عدة مدن في وقت واحد، وهو ما يدل على وجود قدرة عالية على التنسيق العملياتي، إضافة إلى توسيع نطاق الاستهداف ليشمل العاصمة باماكو ومحيطها بما يحمله ذلك من رسائل مباشرة تتعلق بكسر الحواجز الأمنية والنفسية، فضلاً عن استهداف مواقع سيادية وعسكرية، وهو ما يعكس محاولة واضحة لضرب رمزية الدولة ومراكز ثقلها.

وعلى مستوى النتائج الأولية، يقول ميزاب إن المعطيات المتداولة تشير إلى سقوط شخصيات رسمية بارزة، من بينها وزير الدفاع، إلى جانب فقدان السيطرة على مدن أو أجزاء منها مثل كيدال وغاو، وهو ما يعزز فرضية أن الهجوم لم يكن مجرد عملية ضغط ميداني، بل كان يهدف إلى إحداث تغيير ملموس في ميزان السيطرة على الأرض.

والدلالة الأهم لهذه العمليات تكمن، بحسب الخبير، في كونها تعكس انتقالاً واضحاً من نمط حرب الاستنزاف التي تعتمد على ضربات متفرقة وطويلة الأمد، إلى نمط أكثر خطورة يتمثل في حرب الاختراق الاستراتيجي، حيث تسعى الجماعات المسلحة إلى تحقيق صدمات قوية ومركزة، تؤدي إلى إرباك بنية الدولة وإضعاف قدرتها على التحكم في المجال الوطني.

هل باماكو مهددة؟

وعما إذا كانت العاصمة باماكو مهددة أم لا؟ يوضح ميزاب أن استفهاماً مماثلاً يقتضي إجابة دقيقة بعيدة عن التهويل أو التقليل، إذ يمكن القول إن العاصمة تواجه تهديداً حقيقياً، لكن هذا التهديد لا يرقى في المرحلة الراهنة إلى مستوى السقوط الفوري، بل يعكس تحوّلاً في طبيعة المخاطر التي باتت تطال مركز الدولة.

فمن جهة، تعرضت باماكو لاختراق ناري واضح، وهو تطور يحمل دلالة رمزية وأمنية عميقة، لأنه يمس بهيبة الدولة ويكسر الصورة التقليدية للعاصمة باعتبارها منطقة آمنة ومحصنة، ويبعث برسائل قوية حول قدرة الجماعات المسلحة على الوصول إلى قلب المجال السيادي، وفق قوله.

لكن في المقابل، يستدرك، لا تزال العاصمة تحت السيطرة الفعلية لمؤسسات الدولة، كما أن وجود دعم عسكري خارجي يوفر لها هامشاً إضافياً من الصمود ويحد من إمكانية انهيار سريع أو مفاجئ، وهو ما يجعل الحديث عن سقوط وشيك غير دقيق في هذه المرحلة.

وعليه، يخلص ميزاب إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في فقدان باماكو على المدى القريب، بل في المسار الأعمق والأكثر خطورة، والمتمثل في التآكل التدريجي لقدرة الدولة على بسط سيطرتها خارج العاصمة، حيث يتوسع نفوذ الجماعات المسلحة في الأطراف، بما يؤدي مع الوقت إلى إضعاف المركز عبر محيطه، وهو سيناريو أثبتت تجارب عديدة أنه أكثر تهديداً من الهجوم المباشر على العواصم.

وفي تقييم المحلل السياسي المالي، بابا كوني، خلال حديثه لـ"الشرق"، فإن الهجوم "يعتبر الأخطر على الإطلاق منذ اندلاع الأزمة السياسية والأمنية بمالي في 2012، فإذا كان الانفصاليون والإرهابيون استطاعوا في ذلك العام السيطرة على مناطق شمالية، فإن سيطرتهم ظلت ضمن مجال جغرافي محدد، خلافاً لما يحدث حالياً".

فما شهدته مالي السبت الماضي، يعكس، وفق كوني، يعد تحولاً عميقا في استراتيجية الانفصاليين والإرهابيين، لأن الوصول لمواقع حيوية للسلطة يبعث بأكثر من رسالة ويشي بأن الاستعدادات كانت كبيرة وكذلك التجهيزات والمعدات المستخدمة، مستخلصاً أن هذه الهجمات غير مسبوقة والوصول إلى معقل المجلس العسكري، عبر استهداف مدينة كاتي فيه الكثير من التحدي ويكشف القدرات اللوجستية للمجموعات المسلحة.

من جانبه، ركز حمدي جوارا المختص في قضايا الساحل وإفريقيا في تقييمه، على حجم الهجوم الذي أودى بحياة وزير الدفاع، معتبراً أن هذا لوحده يعتبر "كارثة لأن الرجل كان أكثر مهندسي النظام هدوءا وأكثر روية وأعمقهم استراتيجياً، فقد تمكن من بناء جيش ليصبح الأقوى في المنطقة بعد نيجيريا حسب تصنيف موقع جلوبال فايرباور".

أما عن المخاطر، فيقول جوارا، "بلا شك نحن في حرب عصابات وليست مواجهات مباشرة كحرب الدول، وهذا النوع قد يحدث فارقاً في بعض الأماكن والجيوب، لكن إذا كان هناك إرادة قوية فإن الهزيمة ستطالهم"، في إشارة للحركتين الإرهابية والانفصالية. وأعرب جوارا عن اعتقاده بأن "باماكو حالياً مستقرة وكذلك كاتي".

ولم يخرج إسماعيل زنجو برزي، مدير مختبر البحث حول العالم العربي والإسلامي بجامعة باماكو، من جهته، عن إجماع سابقيه في هذا الإطار، مؤكداً أن "الهجوم والدمار كبيران، فقد تم استهداف ثكنات ومباني وأسفر ذلك عن مقتل وزير الدفاع، ويُضاف إلى ذلك ما تعرض له السكان من خوف حيال هذه الأحداث".

سيناريوهات الأزمة

السيناريوهات المتوقعة في وضع مالي، لا يمكن قراءتها كخيارات منفصلة، بقدر ما تعكس مسارات محتملة تتحدد وفق توازنات القوة على الأرض وتفاعل الفاعلين المحليين والدوليين.

هكذا يرى ميزاب ملامح المشهد المستقبلي بالبلد المضطرب، ويضع في مقدمها سيناريو استمرار التصعيد، والذي يقوم على فرضية بقاء الوضع على حاله من حيث غياب تسوية سياسية شاملة، ما يعني دخول الصراع في مرحلة هجمات متكررة ذات وتيرة أعلى، مع توسع تدريجي في رقعة سيطرة الجماعات المسلحة من جهة والحركات الأزوادية من جهة أخرى، واقتراب نسبي من محيط العاصمة، ليس بهدف السيطرة المباشرة، بل لإدامة الضغط واستنزاف الدولة.

في المقابل، يطرح سيناريو التقسيم الواقعي للبلاد نفسه، كأحد أخطر المآلات، بحسب الخبير الذي يرجح أن تتشكل خريطة نفوذ غير معلنة تقوم على توزيع جغرافي للقوة، يتمثل في شمال يخضع لنفوذ الحركات الأزوادية، ووسط تهيمن عليه الجماعات المسلحة، وجنوب تسيطر عليه مؤسسات الدولة، وهو وضع لا يُعلن رسمياً لكنه يفرض نفسه كأمر واقع، ويؤسس لتفكك تدريجي للدولة.

كما يظل سيناريو إعادة الضبط الدولي قائماً، خاصة في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية في منطقة الساحل، حيث قد نشهد تدخلاً غير مباشر من قوى خارجية، سواء عبر الدعم العسكري أو الاستخباراتي، مع إعادة ترتيب التحالفات القائمة، والدفع نحو مسار سياسي تحت ضغط دولي يسعى إلى احتواء الانفلات ومنع انهيار الدولة.

غير أن السيناريو الأكثر استدامة، وإن كان الأكثر تعقيداً من حيث التنفيذ، يتمثل، وفق ميزاب، في العودة إلى المسار السياسي، من خلال إحياء اتفاق الجزائر كإطار مرجعي للتسوية، والعمل على إدماج الحركات الأزوادية ضمن مؤسسات الدولة، مقابل عزل الجماعات الإرهابية وتجريدها من أي غطاء محلي أو سياسي، وهو مسار يتطلب إرادة سياسية حقيقية وضمانات إقليمية ودولية لتحقيقه.

لكن جوارا لا يمضي بعيداً في استشرافه للسيناريوهات، ويختصر بالقول إن "المعركة من أجل الوجود ستستمر وسيتم تقديم مشهد جديد لامتصاص صدمة اغتيال الوزير، وأعتقد أن التصدي للإرهابيين في أطراف باماكو ومحاولة دخولها وفشلهم في ذلك دليل على هذا الامتصاص".

وشدد، خلال حديثه لـ"الشرق"، على أن "الشعب سيواصل إمساكه بالدولة والوطن"، مؤكداً في الوقت نفسه عدم وجود أي "انشقاقات ولا تذمر ولا حتى ضجر في أي قطاع من قطاعات الدولة، وهذا في حد ذاته انتصار أولي للنظام".

وما يؤكد عليه إسماعيل زنجو برزي، من جانبه في هذه الجزئية، إذ يرى أن "شعب مالي جبار وقد بنى إمبراطوريات وأقام مدناً وأسس دولاً، وهذا يجعله قادراً على استرجاع نفسه وإيجاد حل لهذا الإشكال، وهذا الخوف الذي تعرض له الشعب في باماكو وعلى مستوى البلاد عموماً سيزول لأن هذا الشعب مستعد لاسترجاع كيدال في أي لحظة، وهناك بوادر أن قوات مجموعة الساحل الثلاث بدأت بمهمة استرجاع المدينة وهذا ما سيتحقق قريباً".

ويشير الخبير المالي، خلال حديثه لـ"الشرق"، إلى قوة مشتركة أعلن تحالف دول الساحل الذي يضم مالي وبوركينا فاسو والنيجر، إطلاقها في ديسمبر 2025، بهدف تعزيز الأمن والاستقرار في البلدان التي انسحبت من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، ومن مجموعة دول الساحل الخمس.

قوة وضعف

في تحليله لنقاط القوة والضعف لدى كل من السلطات والحركتين اللتين شنتا الهجوم، يقول ميزاب إن تحديد مثل الأمر يفرض التمييز بدقة بين مستويين مختلفين من الفاعلين، وهما مؤسسات الدولة في باماكو من جهة، والجماعات المسلحة من جهة أخرى، مع ضرورة الفصل داخل هذه الأخيرة بين الجماعات الإرهابية ذات الطابع العابر للحدود؛ والحركات الأزوادية التي تطرح نفسها كفاعل محلي ذو مطالب سياسية.

وبالنسبة للسلطات في باماكو، يرى أنها تحتفظ بعناصر قوة نسبية وشرعية داخلية هشة، إضافة إلى الدعم العسكري الخارجي الذي يعزز قدرتها على الصمود في مواجهة التهديدات، والذي أضحى محدوداً أو هامشياً لأنه يدرك أن مالي تحولت إلى مستنقع.

غير أن هذه القوة النسبية تقابلها نقاط ضعف بنيوية، وفق رؤية الخبير الذي يوضح أنها تتمثل أساساً في هشاشة الانتشار الميداني خارج المجال المركزي، وفقدان السيطرة الفعلية على أجزاء واسعة من الشمال، إلى جانب تآكل الثقة مع بعض المكونات المحلية، وهو عامل حاسم في بيئة مثل الساحل، فضلاً عن اعتماد كبير على الدعم الخارجي، ما يطرح إشكالية الاستدامة والسيادة في القرار الأمني.

أما في ما يتعلق بالجماعات المسلحة، فميز ميزاب بين الجماعات المسلحة والحركات الأزوادية، معتبراً أن الخلط بينهما يؤدي إلى تشويش في التقدير.

فالجماعات المسلحة "تمتلك نقاط قوة واضحة، من بينها مرونة تكتيكية عالية تسمح لها بالتكيف مع الضغوط العسكرية، ومعرفة دقيقة بالجغرافيا ومسالك التحرك، إضافة إلى قدرتها على بناء تحالفات مرحلية وفق منطق المصلحة، وانتشارها العابر للحدود الذي يمنحها عمقاً استراتيجياً في منطقة الساحل".

غير أن هذه الجماعات، يقول الخبير، خلال حديثه لـ"الشرق"، "تعاني في المقابل من تناقضات أيديولوجية داخلية، وغياب مشروع سياسي قابل للحياة، إلى جانب قابلية عالية للانقسام، ما يحد من قدرتها على التحول إلى فاعل مستقر".

في المقابل، تختلف الحركات الأزوادية من حيث الطبيعة، إذ تستند إلى عمق اجتماعي محلي وتطرح مطالب ذات بعد سياسي وجغرافي، وهو ما يمنحها قابلية للاندماج ضمن مسارات التسوية إذا توفرت الشروط المناسبة، غير أنها بدورها تواجه تحديات تتعلق بتعدد المرجعيات الداخلية وتباين الأجندات، وهو ما قد يضعف من تماسكها التفاوضي، على حد قول ميزاب.

لكن جوارا يتحفظ من ناحيته على الخوض في نقاط القوة والضعف لكل جانب، مكتفياً بالإشارة إلى "وجود تقصير في بعض الجوانب الأمنية ربما بسبب وطأة الأحداث، فمثلاً إصابة وزير المخابرات كانت بسبب دخوله الحرب، وكان من المفترض أن لا يخوض بمواجهة مباشرة".

ويتحدث الخبير عن الجنرال موديبو كوني، وهو رئيس مخابرات الدولة (أمن الدولة) وأحد أقوى رجال المجلس العسكري، حيث أفادت مصادر بينها صحيفتا "لو موند" و"لوفيجارو" الفرنسيتان، بأنه تعرض لإصابة خطيرة خلال الهجوم الذي استهدف المقرات القيادية في كاتي.

ويقلل جوارا، خلال حديثه لـ"الشرق"، من قوة من يصفهم بـ"العدو"، معتبراً أنهم "بضعة مئات لا يمكنهم السيطرة على كل العاصمة أو كاتي، والناس لن تقبلهم ولن تخضع لهم وأعتقد أنهم يعرفون ذلك"، مشدداً على أن "الشعب مُصر على عدم تقبل أن يحكمه من يحملون فكر الخوارج والتطرف الديني".

والطرح نفسه يؤكده الدكتور إسماعيل زنجو برزي بالقول، إن "الشعب المالي كله وراء قوات الجيش، والشعب يمثل الأساس لهذه القوة، ويسعى لمساندتها، وهذا ما جرى السبت حين تحول جميع سكان باماكو إلى عسكريين جابوا أحياء العاصمة وواجهوا المرتزقة وهذا أمر موثق عبر وسائل التواصل الاجتماعي".

أما قوة الجماعات المتطرفة، فيرى أنها "تكمن في تعاملها مع بعض دول الجوار والتي من المفترض أن تكون شقيقة لمالي منذ قرون، بل كانت مالي سنداً لها قبل عقود".

فرنسا.. "دبلوماسية الصمت"

مع تجدد الأزمة في مالي، توجهت الأنظار إلى فرنسا لأنه "في حال أردنا معرفة الطرف المعني بشكل أكبر بنتيجة الأحداث الجارية، فهي باريس بلا منازع"، كما يرى المحلل السياسي بابا كوني.

ويوضح الخبير السياسي المالي في حديثه لـ"الشرق": "طبعا لا يخفى على أحد سبب ذلك، ففرنسا التي سحبت آخر جنودها من مالي في أغسطس 2022، لا تزال تبحث عن عودة من بوابة سقوط المجلس العسكري الحاكم حالياً، لكن طبعا ليس على أيدي إرهابيين مناهضين للغرب ويريدون تطبيق الشريعة الإسلامية حال سيطرتهم على الحكم".

وانسحبت من المشهد السياسي في مالي، على خلفية توتر علاقاتها مع المجلس العسكري الحاكم، في خروج أنهى مهمة جيشها بالبلد الإفريقي بعد تواجد دام تسعة أعوام في إطار قوة "برخان" العسكرية.

وبشأن هذه القطيعة، يتابع كوني، "يتضح اليوم أنها لا تخدم المجلس العسكري الحاكم، وذلك استناداً لمقارنة بسيطة بين أحداث مشابهة شهدتها البلاد في 2012 حين سيطر متشددون وانفصاليون على مدن رئيسية في الشمال بينها غاو وكيدال وتمبكتو".

ويشير الخبير إلى طلب رئيس مالي من فرنسا آنذاك، التدخل لمنع المسلحين من السيطرة على العاصمة باماكو، وهذا الطلب استجاب له الرئيس السابق فرانسوا هولاند بشكل سريع، حيث عجّل بإرسال بعثة عسكرية تحت اسم "سرفال"، ونجحت هذه العملية في كبح تقدم المسلحين نحو العاصمة، ثم استعادت المدن الشمالية الواحدة تلو الأخرى. وفي عام 2014، تحولت "سرفال" إلى قوة "برخان" التي بقيت عاملة في مالي لمحاربة الجماعات المسلحة.

لم تعقب فرنسا على الهجمات  الأخيرة في مالي، في موقف بدا منطقياً ومفهوما بحكم العلاقات المتوترة بين الجانبين.

وساد صمت دبلوماسي محسوب، قصر الإليزيه في باريس، قبل أن يصدر تعليق مقتضب للغاية عن وزارة الخارجية الفرنسية تضمن "قلقاً وتضامناً مع الماليين"، وبدا من الواضح أن الخطاب موجه بالكامل للشعب المالي في إشارة دبلوماسية تترجم القطيعة السائدة على المستوى الرسمي.

ومن الواضح، بحسب كوني، أن فرنسا تنتظر تغييراً على مستوى القيادة في مالي، بما قد يمنحها بوابة للعودة، لكن الإشكال يكمن في الطرف الذي من المحتمل أن يحدث هذا التغيير.

واستنادا للمعطيات المتوفرة، يقول المحلل السياسي المالي لـ"الشرق"،  إن التحالف الحاصل بين "جماعة أنصار الاسلام والمسلمين" و"جبهة تحرير أزواد" من شروطه أن تلتزم الأخيرة ببنود أبرزها مناهضة الوجود الأجنبي، وهذا ما يتجلى من خلال وضع داعمي المجلس العسكري من الروس بنفس قائمة أهداف الفصيلين.

واستدرك: "لكن يتبقى أن نعرف ما إن كانت هناك تفاهمات سرية ما على سبيل المثال بين الانفصاليين وفرنسا، من قبيل اتفاق محتمل على التحالف مع القاعدة لتحقيق هدف الإطاحة بالمجلس العسكري، ومن ثمة الدفع نحو انهيار هذا التقارب بعد تحقيق المطلوب، تماما كما حدث في عام 2012".

وفي النهاية، يخلص كوني إلي أنه "لا يزال لفرنسا تأثير ما في مالي، بحكم الصلة التاريخية باعتبارها المستعمر التقليدي لهذا البلد وللعديد من دول المنطقة".

تداعيات إقليمية

في ظل التطورات والأحداث المتشابكة، يظل السؤال الأهم: كيف يمكن لكل ما حدث أن يؤثر داخلياً وإقليمياً وحتى دولياً؟

في رده على السؤال، يقول الخبير الأمني علي الزرمديني، في حديثه لـ"الشرق"، إن "التداعيات لا تقتصر على مالي بل هي أكبر من ذلك بكثير وستمتد إلى كامل المنطقة الإفريقية من شمالها إلى جنوبها مروراً بشرقها خصوصاً أن لها امتداداً جغرافياً يصل إلى غرب إفريقيا وجنوب ليبيا وإلى تشاد وبحيرة تشاد ويصل أيضاً إلى شرق إفريقيا من خلال الالتحام بحركة الشباب في الصومال".

وبالتالي، يخلص إلى أن "التداعيات خطيرة ولا تقتصر على المنطقة بل ستصل إلى شمال إفريقيا ومنها إلى أوروبا وسنشاهد قريباً موجات هجرة نحو الشمال، وهذا في حد ذاته إشكال خطير إلى جانب التداعيات الداخلية، لأنه إذا سقطت مالي فستحدث تحولات كبرى في كامل المنطقة".

والمخاوف ذاتها يبديها ميزاب، الذي أشار إلى التداعيات المحلية أيضاً بالقول إن ما يحدث في مالي يفتح الباب أمام سيناريو تفكك الدولة بشكل تدريجي، حيث تبدو البلاد أقرب إلى حالة تقسيم واقعي غير معلن، يتشكل عبر توازنات القوة على الأرض، وهو ما ينعكس مباشرة على البيئة الإقليمية من خلال تحول نوعي في التهديدات، يتمثل في اتساع المجال الحدودي المفتوح، وتزايد حركة السلاح والمقاتلين عبر الفضاء الساحلي، بما يعزز من ديناميكيات عدم الاستقرار.

كما أن هذه التطورات تساهم، على حد رأيه، في إعادة تشكيل خارطة الساحل الإفريقي، عبر تآكل التوازنات التقليدية وصعود فاعلين غير دوليين كقوة مؤثرة في معادلات الأمن، وهو ما يفرض تحديات جديدة على دول الجوار، وفي مقدمتها الجزائر التي تواجه ضغطاً مزدوجاً: أمنياً عبر حدودها الجنوبية، وسياسياً عبر مسؤولية الدفع نحو مسارات تسوية، خاصة في ظل المرجعية التي يمثلها اتفاق الجزائر كإطار للحل السياسي.

تصنيفات

قصص قد تهمك