
تعد زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الصين المقررة خلال الأسبوع الجاري، أول زيارة لرئيس أميركي في منصبه إلى الصين منذ نحو عقد، إذ كانت آخر زيارة مماثلة قد جرت أيضاً خلال الولاية الأولى لترمب في عام 2017.
القمة المرتقبة، التي جرى الانتهاء من جدول أعمالها مع التركيز على التنافس التجاري، وقضية تايوان، وآلية التواصل بين القيادتين، إضافة إلى ملفات ساخنة مثل حرب إيران، يُتوقع أن تعيد رسم ملامح العلاقات الصينية الأميركية.
الردع التجاري
تحولت العلاقات الاقتصادية، التي شكلت إحدى ركائز العلاقات بين الصين والولايات المتحدة، إلى ساحة تنافس استراتيجي، يسعى فيها الطرفان إلى إعادة صياغة قواعد التعامل وإرساء توازن جديد لـ"الردع التجاري".
وفي هذا السياق، قال دا وي، مدير مركز الأمن والاستراتيجية الدولية في جامعة تسينجهوا، لـ"الشرق"، إن التنافس التجاري الحالي بين الصين والولايات المتحدة، المتمحور حول المعادن النادرة وأشباه الموصلات، أوجد معادلاً اقتصادياً لمفهوم "الدمار المتبادل المؤكد" في الردع النووي، وهو ما وصفه بـ"الاضطراب المتبادل المؤكد".
وأوضح أن "توازن الردع هذا يحافظ على حالة هشة لكنها مستمرة من الاعتماد الاقتصادي المتبادل"، مشيراً إلى أن أياً من الطرفين لا يستطيع تحمل كلفة فك الارتباط الكامل.
وقبيل وصول ترمب، سيقود نائب رئيس الوزراء الصيني، هي ليفينج، وفداً إلى كوريا الجنوبية يومي 12 و13 مايو لإجراء مشاورات اقتصادية وتجارية مع فريق أميركي يقوده وزير الخزانة، سكوت بيسنت، تمهيداً للمحادثات الرئاسية.
وخلال اتصال مرئي في 30 أبريل الماضي، أعرب هي عن "قلق بالغ" إزاء القيود الأميركية المفروضة مؤخراً على الشركات الصينية، في مؤشر على نبرة صينية حازمة قبل المفاوضات المقبلة.
ومن المتوقع أن تهيمن ثلاثة ملفات اقتصادية رئيسية على جدول الأعمال. أولها، سعي الولايات المتحدة إلى إطار تجاري أكثر تنظيماً عبر إنشاء "مجلس تجارة"، وهو مقترح طُرح خلال المحادثات الاقتصادية والتجارية الصينية الأميركية في باريس، بهدف تنظيم تدفقات التجارة الثنائية وتحديد السلع ذات الأولوية في التصدير والاستيراد، والانتقال من الرسوم الجمركية المتفرقة إلى نهج مؤسساتي أكثر استقراراً لمعالجة الاختلالات التجارية.
أما الملف الثاني، فيتمثل في سعي واشنطن إلى ضمان استمرار الوصول إلى الموارد الحيوية، خصوصاً المعادن النادرة، إلى جانب إبرام صفقات تجارية واسعة. وفي المقابل، تضع بكين حماية شركاتها من القيود التنظيمية والاستثمارية الأميركية المتصاعدة، خاصة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي، على رأس أولوياتها.
واتخذت الصين بالفعل خطوات عملية لمواجهة الضغوط الاقتصادية الأميركية. ففي 2 مايو، فعلت وزارة التجارة الصينية للمرة الأولى "قانون الحظر" الخاص بها، مانعة الاعتراف أو تنفيذ أو الامتثال للعقوبات الأميركية المفروضة على خمس شركات صينية بموجب الأمرين التنفيذيين 13902 و13846.
وانتقدت الوزارة العقوبات الأميركية باعتبارها "استخداماً غير مبرر وغير ملائم للقوانين العابرة للحدود"، مشيرة إلى أن قواعد عام 2021 الخاصة بمواجهة التطبيق غير المبرر للتشريعات الأجنبية صُممت لحماية الشركات الصينية من هذا النوع من التدخل، في أول رد مؤسساتي منظم من بكين لإزالة أثر العقوبات الأميركية العابرة للحدود.
التنافس الجيوسياسي
وقال سون تشنجهاو، الباحث في مركز الأمن والاستراتيجية الدولية، إن نظرة الصين إلى الولايات المتحدة شهدت تحولاً. وأضاف خلال حديثه لـ"الشرق": "بالنسبة للصين، لا تتمثل القضية الأساسية فيما إذا كانت الولايات المتحدة في حالة تراجع، بل في إدراك أنها لا تزال تسعى إلى تشكيل التاريخ، لكنها لم تعد راغبة في دفع ثمن القواعد القديمة".
وأضاف: "حتى إذا طرأت تغييرات جديدة بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية، ينبغي للصين أن تدرك أن الولايات المتحدة نفسها شهدت تحولات بنيوية".
ويرى سون أن التنافس الصيني الأميركي تجاوز الإطار الجغرافي التقليدي المتمركز في شرق آسيا، وبدأ يتمدد تدريجياً إلى مناطق مثل الشرق الأوسط وجنوب شرقي آسيا وأميركا اللاتينية.
وأوضح أن هذا التنافس يتجلى بصورة متزايدة في شكل "تنافس جيوسياسي واقتصادي" يتمحور حول البنية التحتية والطاقة وسلاسل الإمداد ونماذج التنمية، بدلاً من أن يكون مجرد مواجهة عسكرية أو أيديولوجية.
وفي مناطق مثل أميركا اللاتينية، تبدو التفاعلات الصينية الأميركية، أقرب إلى مواجهات متداخلة، حيث يسعى الطرفان إلى بناء تأثير طويل الأمد حول موانئ ومصادر طاقة ومعادن وبنى تحتية رقمية، بينما تحاول الدول المحلية أيضاً توسيع هامش مناورتها الاستراتيجية.
وأضاف سون أن التنافس بين الصين والولايات المتحدة يتسم بطابع طويل الأمد وهيكلي، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه يتجه نحو مواجهة شاملة.
وقال: "المسار الأكثر واقعية يتمثل في البحث عن التعايش وسط التنافس، وخفض المخاطر النظامية عبر تعزيز إدارة الأزمات والسيطرة عليها، والحفاظ على قدر محدود من التعاون وتجنب فك الارتباط الكامل".
تايوان أكبر الخلافات
ورغم تصدر القضايا الاقتصادية جدول الأعمال، شددت بكين مراراً على أن قضية تايوان تظل أخطر نقطة خلاف في العلاقات الصينية الأميركية، ووصفتها بأنها مصلحة جوهرية و"الخط الأحمر الأول الذي لا يجوز تجاوزه".
ودعا مسؤولون صينيون كبار، الولايات المتحدة صراحة، إلى الالتزام بمبدأ "الصين الواحدة" والتعامل مع قضية تايوان بحذر، وهي رسالة تكررت خلال الاجتماعات مع الوفود الأميركية قبيل زيارة ترمب.
وخلال آخر اتصال هاتفي بين وزير الخارجية الصيني وانج يي، ونظيره الأميركي ماركو روبيو، في 30 أبريل الماضي، قالت بكين إن الصين والولايات المتحدة ينبغي أن تستعدا لـ"محادثات هامة رفيعة المستوى"، محذرة في الوقت نفسه من أن قضية تايوان تمثل "أكبر نقطة خطر" في العلاقات الثنائية.
كما نقل رئيس الوزراء لي تشيانج، ورئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب تشاو ليجي، ووزير الخارجية وانج يي الرسالة نفسها إلى السيناتور الأميركي ستيف داينز، حليف ترمب، والوفد المرافق له خلال زيارتهم الأخيرة إلى الصين.
وأكد المسؤولون الثلاثة، أن قضية تايوان تمس المصالح الجوهرية للصين، وتشكل "الخط الأحمر الأول والأهم" الذي لا ينبغي تجاوزه في العلاقات الصينية الأميركية.
وقال لي تشيانج، إن الصين تأمل أن يتعامل الكونجرس الأميركي مع القضايا المرتبطة بالصين "بحذر"، وأن يضطلع بدور إيجابي في دعم التنمية المستقرة والصحية والمستدامة للعلاقات بين البلدين.
ومن المتوقع أن ينقل داينز إلى ترمب ملاحظاته المباشرة بشأن المخاوف الصينية الجوهرية، وفي مقدمتها قضية تايوان.
وفي هذا الشأن، قال جيا تشينجوو، عضو اللجنة الدائمة للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، لـ"الشرق"، إن أهمية قضية تايوان "لا يمكن المبالغة فيها". وأضاف: "حتى وإن كانت الولايات المتحدة تدرك ذلك منذ فترة طويلة، فإن الصين يجب أن تستمر في التذكير والتشديد على الأمر".
وتابع: "حديث ترمب عن الحفاظ على علاقات مستقرة وصحية مع الصين خلال ولايته يعني بلا شك أنه لا يريد أن تؤدي قضية تايوان إلى تقويض الاستقرار الثنائي، وهذا يتطلب التعامل مع الملف بشكل مناسب".
آلية مستقرة للتواصل بين القيادتين
مع مشاركة الولايات المتحدة والصين في قمتي منتدى "أبيك" ومجموعة العشرين هذا العام، إضافة إلى زيارة ترمب المرتقبة إلى الصين، من المتوقع أن يعقد الزعيمان ثلاث قمم على الأقل خلال العام الجاري.
وفي ظل استمرار التوترات، يتفق خبراء من الجانبين على أن إنشاء آلية مستقرة للتواصل بين القيادتين الصينية والأميركية، أمر بالغ الأهمية لتجنب سوء التقدير والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار في العلاقات الثنائية.
وقال دا وي، من جامعة تسينجهوا، إن رغبة قيادتي البلدين، سواء كانت الإدارة الأميركية جمهورية أو ديمقراطية، في استقرار العلاقات "ليست أمراً عارضاً".
وأضاف: "هناك منطق هيكلي عميق وراء ذلك، فكلا البلدين لديهما حاجة بنيوية للاستقرار، ما يعكس واقعاً جديداً من المرونة في العلاقات الثنائية".
ووفق البيان الصادر عن السيناتور داينز، أعرب أعضاء الوفد الأميركي عن أملهم في أن تكون القمة بين ترمب وشي "مؤثرة وناجحة". وأضاف داينز أن الوفد ناقش مع الجانب الصيني ملفات التعاون بشأن الفنتانيل وإيران ومضيق هرمز وأمن سلاسل الإمداد.
وناقش الوفد أيضاً أهمية العلاقة بين الصين وشركة "بوينج"، إضافة إلى صفقة شراء الطائرات المقترحة التي لا تزال قيد الدراسة.
من جانبه، شدد دياو دامينج، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة الشعب الصينية والمقرب من وزارة الخارجية الصينية، على الأهمية الرمزية والعملية للمحادثات رفيعة المستوى.
وقال لـ"الشرق": "إذا أمكن تحقيق زيارات متبادلة رفيعة المستوى، فإن ذلك سيسهم بفاعلية في تنفيذ التوافقات التي توصل إليها الجانبان، كما سيعزز بشكل كبير الثقة الدولية في استقرار العلاقات الصينية الأميركية".
وأضاف: "من منظور تاريخ العلاقات الدبلوماسية بين الصين والولايات المتحدة، فإن الحفاظ على استمرارية المحادثات رفيعة المستوى يحمل دلالة رمزية بحد ذاته".
وأوضح جيا تشينجوو، عضو اللجنة الدائمة للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، خلال حديثه لـ"الشرق"، أن إدارة الخلافات عبر قنوات التواصل والمنصات المؤسسية والحوار رفيع المستوى وحتى اللقاءات الرئاسية، تبقى أمراً حيوياً وسط التقلبات التي تشهدها العلاقات الصينية الأميركية.
وقال: "تمر العلاقات الصينية الأميركية حالياً بمرحلة صعبة، لكن يبدو أن الجانبين توصلا إلى قناعة بضرورة البحث عن حد أدنى من الاستقرار لتجنب الانزلاق إلى هاوية المواجهة". وأضاف: "تحقيق هذا الاستقرار يتطلب بحد ذاته قدراً معيناً من التعاون".
بدورها، قالت سوزان ثورنتون، الباحثة في مركز بول تساي الصيني بكلية الحقوق في جامعة ييل والدبلوماسية الأميركية السابقة التي تمتلك خبرة تمتد لنحو ثلاثة عقود في أوراسيا وشرق آسيا، إن "الرسائل العلنية الصادرة عن القادة الكبار تمتلك تأثيراً سياسياً كبيراً".
وأضافت خلال حديثها لـ"الشرق": "السرد البصري يتمتع بقوة سياسية فريدة. ففي نظام صنع القرار المعقد في الولايات المتحدة، تحتاج الوكالات المختلفة إلى توجيه استراتيجي واضح. وصورة الرئيسين وهما يقفان جنباً إلى جنب تمثل إشارة قوية لجميع موظفي الحكومة بأن الحفاظ على هذه العلاقة يمثل أولوية لدى القيادتين".
وأشارت إلى أن تصريحات الرئيسين خلال اللقاء، يمكن أن تساعد أيضاً الرأي العام الأميركي، الذي يتعامل أحياناً مع السياسة الخارجية بصورة مبسطة أو حادة، على فهم الجوانب الإيجابية والتعاونية في العلاقات الثنائية.
ومع استعداد ترمب للوصول إلى بكين، تبدو الرهانات أعلى من أي وقت مضى، إذ لا تمثل الزيارة مجرد فرصة لمعالجة الخلافات الحالية، بل محاولة لوضع أسس علاقة صينية أميركية جديدة، توازن بين التنافس والتعاون، وتجنب مخاطر المواجهة.











