الكريبتو والذكاء الاصطناعي.. لاعبون جدد في انتخابات أميركا | الشرق للأخبار
خاص

من الكريبتو إلى الذكاء الاصطناعي.. "المال المظلم" يعيد هندسة الانتخابات الأميركية

جماعات سياسية مرتبطة بشركات العملات المشفرة والتكنولوجيا تمول حملات المرشحين في السباقات التمهيدية

time reading iconدقائق القراءة - 19
حاكم ولاية بنسلفانيا جوش شابيرو خلال تجمع انتخابي ليلة الانتخابات التمهيدية بوارمينستر في بنسلفانيا. 19 مايو 2026 - Reuters
حاكم ولاية بنسلفانيا جوش شابيرو خلال تجمع انتخابي ليلة الانتخابات التمهيدية بوارمينستر في بنسلفانيا. 19 مايو 2026 - Reuters

في الأيام الأخيرة التي سبقت التصويت في أحد أبرز سباقات الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لمجلس الشيوخ في ولاية إلينوي لعام 2026، ظهر إعلان تلفزيوني لا يبدو، للوهلة الأولى، مختلفاً عن إعلانات السياسة الأميركية المعتادة.

صوت حاد، صور سريعة، واتهام مباشر لجوليانا ستراتن، نائبة حاكم الولاية والمرشحة الديمقراطية للمقعد، بأنها "لا تصارح الناس بحقيقتها". وفي إعلان آخر، وُضعت ستراتن تحت ظل عبارة أثقل على ذاكرة ناخبي إلينوي: "ماكينة ماديجان"، في إشارة إلى الشبكة السياسية الواسعة التي ارتبطت باسم مايكل ماديجان، رئيس مجلس نواب الولاية السابق، والذي تحول إلى أحد أبرز رموز الفساد السياسي في إلينوي.

لم تتضمن الإعلانات أي حديث مباشر عن العملات المشفرة، ولم تظهر فيها كلمات مثل "الكريبتو" أو "البلوك تشين" أو "تنظيم الأصول الرقمية". بدا المشهد وكأنه معركة محلية تقليدية تدور حول النزاهة والفساد والثقة بالمرشحين.

لكن خلف هذه الرسائل المألوفة، كانت هناك قصة أخرى. فقد جاءت الإعلانات ضمن حملة أنفقت خلالها لجنة "فيرشيك" Fairshake المؤيدة للعملات المشفرة، إلى جانب حلفائها، ملايين الدولارات ضد ستراتن قبيل تصويت 17 مارس.

اختبار نفوذ

مثّل إعلان "فيرشيك" الانتخابي، واحدة من أوضح إشارات دورة 2026 إلى أن الانتخابات التمهيدية الأميركية لم تعد مجرد محطة مبكرة لاختبار قوة المرشحين داخل أحزابهم، بل تحولت إلى مختبر مكثف لنمط جديد من النفوذ السياسي؛ مالٌ يدخل السباق من وراء الستار، ويحرص على أن يسبق خطابه اسمه.

فالإنفاق الخارجي في هذه الدورة لم يكتف بتحطيم أرقام مبكرة، بل كشف أيضاً عن صعود لاعبين جدد من قطاعَي العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي، دخلا السباقات التمهيدية بعقلية لا تشبه تمويل الحملات التقليدي بقدر ما تشبه هندسة معركة سياسية كاملة.

وكانت صحيفة "واشنطن بوست" رصدت إنفاقاً خارجياً تجاوز 225 مليون دولار في وقت مبكر من الدورة، بينها أكثر من 57 مليون دولار في سباقات إلينوي وحدها، فيما قدّرت وكالة "أسوشيتد برس" إجمالي أموال المجموعات الخارجية في ستة سباقات مفتوحة بالولاية عند نحو 70 مليون دولار.

الجديد لا يكمن فقط في ضخامة الأموال، بل أيضاً في الطريقة التي تعمل بها. فالإعلانات لا تخبر الناخب صراحةً بأن المعركة تدور حول تنظيم العملات المشفرة، أو قواعد الذكاء الاصطناعي، أو تمويل إسرائيل، بل تعيد تغليف هذه المصالح بلغة أكثر قرباَ من الحس الانتخابي الذي يمسّ الحياة اليومية للأميركيين: الفساد، والكفاءة، والوظائف، والقدرة على القيادة. وهكذا، لا يرى الناخب القضية كما هي، بل كما أُعيدت صياغتها له.

هذا ما دفع تقارير أميركية عدة، إلى الحديث عن نمط جديد من الإنفاق الانتخابي؛ نمط لا يظهر فيه المال دائماً بوجهه الحقيقي، بل يتحرك عبر لجان تحمل أسماء محايدة أو محلية أو تقدمية، فيما تبقى المصالح التي تقف خلفها بعيدة عن واجهة المشهد.

وتؤكد بيانات لجنة الانتخابات الفيدرالية، أن هذه الجهات لم تعد لاعباً هامشياً في اللعبة السياسية. ففي قائمة أكبر لجان الإنفاق المستقل من حيث الإيرادات خلال عام 2025، تصدرت لجنة "فيرشيك" الداعمة لقطاع العملات المشفرة القائمة بإيرادات بلغت نحو 132.8 مليون دولار، فيما جاءت لجنة "مشروع الديمقراطية المتحدة" المرتبطة بـ"أيباك" في المركز الثالث بنحو 76.1 مليون دولار، وحلت لجنة "قيادة المستقبل" المدعومة من دوائر الذكاء الاصطناعي في المركز السادس بإيرادات قاربت 50.3 مليون دولار.

كما برزت لجان أخرى، مثل "صندوق الحرية الرقمية" في معسكر الكريبتو، وThink Big وAmerican Mission في معسكر الذكاء الاصطناعي. وتُظهر البيانات الأحدث أن "فيرشيك" رفعت حصيلتها إلى نحو 134.6 مليون دولار حتى نهاية مارس، فيما بلغت حصيلة "مشروع الديمقراطية المتحدة" نحو 89.2 مليون دولار، وسجلت "قيادة المستقبل" نحو 75.5 مليون دولار خلال الفترة نفسها.

كيف تُدار لعبة التخفي؟

لا يمكن فهم هذه الظاهرة، دون العودة إلى البيئة القانونية والسياسية التي نمت فيها. فمنذ حكم المحكمة العليا الأميركية في قضية Citizens United عام 2010، أصبح الإنفاق السياسي الخارجي أكثر تحرراً، ما أتاح للشركات والنقابات والجماعات السياسية إنفاق أموال غير محدودة في الانتخابات، طالما أن هذا الإنفاق لا يتم بالتنسيق المباشر مع حملات المرشحين. ومع اتساع هذه المساحة، تمدد أيضاً ما يُعرف في السياسة الأميركية بـ"المال المظلم"، أي الأموال التي تدخل العملية الانتخابية عبر منظمات أو شبكات لا يعرف الناخب، في الوقت المناسب، من يقف وراءها فعلياً.

اقرأ أيضاً

ترمب بين مأزقين.. حرب إيران والانتخابات النصفية

تضع الحرب مع إيران وانتخابات الكونجرس المقبلة، إدارة دونالد ترمب أمام اختبار سياسي صعب.

وقدّر مركز برينان للعدالة، أن حجم هذا النوع من الأموال تجاوز 1.9 مليار دولار في انتخابات 2024 الفيدرالية، فيما وصفه المركز بأنه أكثر الدورات الانتخابية سرية منذ حكم 2010. كما ترى منظمة Campaign Legal Center، وهي منظمة قانونية غير حزبية تُعنى بتمويل الحملات والشفافية الانتخابية، أن المرحلة التي أعقبت هذا الحكم جعلت من الأسهل على أصحاب المصالح الأثرياء ضخ أموال هائلة في الانتخابات، دون مستوى كافٍ من الشفافية حول الممولين الحقيقيين.

آلية التخفي

يُعرف خبراء تمويل الانتخابات، الركيزة القانونية لهذه الاستراتيجية باسم pop-up super PACs، أي اللجان التي تُنشأ قبل الانتخابات بفترة قصيرة، ثم تتوقف سريعاً عن جمع التبرعات والإنفاق، بحيث لا تظهر هويات مموليها إلا بعد انتهاء التصويت.

ويشرح مركز Campaign Legal Center، أن هذه اللجان تُصمم خصيصاً للالتفاف على مواعيد الإفصاح، بحيث يشاهد الناخب سيل الإعلانات الانتخابية، من دون أن يعرف الجهة الحقيقية التي موّلتها إلا بعد الإدلاء بصوته.

وتساعد قواعد الإفصاح الفيدرالية جزئياً على هذا التمويه. فعندما تنفق لجنة سياسية مبالغ كبيرة على إعلان انتخابي قبل التصويت، تكون ملزمة بتقديم ما يُعرف بـ"تقرير الـ48 ساعة" إلى لجنة الانتخابات الفيدرالية؛ وهو إخطار سريع يكشف أن جهة معينة أنفقت مبلغاً محدداً على إعلان يدعم مرشحاً، أو يهاجم آخر. لكن هذا التقرير لا يمنح الناخب الصورة الكاملة دائماً، إذ يوضح اسم اللجنة التي دفعت ثمن الإعلان، وحجم الإنفاق، وتوقيت الإعلان، والمرشح المستهدف، من دون أن يكشف بالضرورة، في اللحظة نفسها، جميع الجهات التي موّلت هذه اللجنة أو الشبكة الأوسع التي تقف خلفها.

أما التفاصيل الأوسع المتعلقة بمصادر الأموال، وأحجام التبرعات، وأسماء الممولين، فتظهر لاحقاً في تقارير دورية قد تُنشر بعد انتهاء التصويت. وبهذا، قد يشاهد الناخب إعلاناً بملايين الدولارات خلال الأيام الحاسمة من الحملة الانتخابية، دون أن يعرف فعلياً من يقف وراء تمويله إلا بعد إغلاق صناديق الاقتراع.

وهناك طبقة ثانية من التمويه لا تعتمد فقط على توقيت الإفصاح، بل أيضاً على تفكيك الشبكات نفسها. فبدلاً من أن يظهر القطاع أو الممول الكبير باسمه المباشر، تُوزَّع الرسائل على أذرع متعددة: لجنة تخاطب الديمقراطيين، وأخرى تستهدف الجمهوريين، أو منظمة غير ربحية ذات نشاط سياسي تستطيع التحرك سياسياً من دون أن تُلزم بالكشف عن مموليها بالطريقة نفسها المفروضة على لجان الحملات الانتخابية.

وتزداد الصورة تعقيداً مع دخول المنظمات غير الربحية ذات النشاط السياسي، وهي كيانات يُسمح لها بالمشاركة في العمل السياسي بدرجات متفاوتة، لكنها لا تُجبر دائماً على الكشف الكامل عن مموليها كما هو الحال مع لجان الحملات. وفي حالة مجموعة Public First Action، ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن المنظمة مسجلة ضمن هذا النوع من الكيانات، وبالتالي ليست ملزمة بالكشف عن مانحيها، كما أنها رفعت هدفها التمويلي من نحو 50 مليون دولار إلى 75 مليون دولار.

"الكريبتو".. إنفاق انتخابي مجهول

في حالة العملات المشفرة، لا يقوم التمويه دائماً على تشكيل لجان "فجائية" قبل التصويت، بقدر ما يقوم على إخفاء موضوع المعركة نفسه. فالقطاع لا يذهب إلى الناخب حاملاً لافتة "الكريبتو"، ولا يطلب منه صراحة انتخاب مرشحين أكثر تساهلاً مع العملات الرقمية، بل يعيد تقديم معركته بلغة انتخابية مألوفة وأكثر قبولاً، تركز على الفساد والمصالح الخاصة، والمال المظلم، ومن يملك القدرة على حماية الوظائف والاقتصاد.

وهذا ما رصدته صحيفة "واشنطن بوست" في سباقات إلينوي، حين أشارت إلى أن لجنة "فيرشيك" Fairshake، وهي واحدة من أكبر لجان الإنفاق المؤيدة لقطاع العملات المشفرة، أطلقت إعلانات لم تذكر العملات المشفرة أو تقنية "البلوك تشين" Blockchain، رغم أن اللجنة تدافع علناً عن منح هذا القطاع إطاراً تنظيمياً وقانونياً أوضح. وبدلاً من القول إن المعركة تدور حول قواعد تنظيم الكريبتو في واشنطن، ركزت الإعلانات على مهاجمة مرشحين بوصفهم فاسدين، أو تابعين لمصالح خاصة، أو مستفيدين من أموال غامضة.

ولا تنفصل هذه اللغة عن طريقة بناء شبكة "فيرشيك" نفسها. فالشبكة لا تتحرك عبر لجنة واحدة تخاطب الجميع بالرسالة ذاتها، بل عبر أذرع منفصلة لكل جمهور حزبي. فهناك لجنة "حماية التقدم" Protect Progress، وهي الذراع الموجهة إلى الديمقراطيين، ولجنة "الدفاع عن الوظائف الأميركية" Defend American Jobs، وهي الذراع الموجهة إلى الجمهوريين.

وتُظهر بيانات لجنة الانتخابات الفيدرالية FEC أن لجنة "حماية التقدم" تلقت 4 ملايين دولار عبر تحويلات من لجان مرتبطة بالشبكة، فيما تلقت لجنة "الدفاع عن الوظائف الأميركية" نحو 9 ملايين دولار في تحويلات مماثلة. كما ذكر موقع "أكسيوس" أن شبكة "فيرشيك" وحلفاءها جمعت أكثر من 193 مليون دولار استعداداً لانتخابات منتصف الولاية في نوفمبر المقبل. وبذلك، لا يتعلق الأمر بلجنة تمول إعلانات متفرقة، بل بمنظومة سياسية متكاملة تعرف كيف تغيّر خطابها بحسب الحزب والجمهور، فيما يبقى الهدف واحداً: دعم مرشحين أكثر قبولاً لدى قطاع الكريبتو، وأكثر استعداداً لتخفيف القيود التنظيمية عليه.

ولم يعد نفوذ العملات المشفرة محصوراً في "فيرشيك" وحدها. فقد برزت أيضاً لجنة "صندوق الحرية الرقمية" Digital Freedom Fund، التي تُظهر بيانات لجنة الانتخابات الفيدرالية FEC، أنها جمعت نحو 22.4 مليون دولار حتى نهاية مارس 2026. وذكرت مجلة "بوليتيكو" أن الأخوين وينكلفوس، مؤسسي منصة "جيميني" Gemini للعملات المشفرة، تعهدا بضخ 21 مليون دولار في هذه اللجنة لدعم مرشحين جمهوريين محافظين ومؤيدين لتخفيف القيود على القطاع.

وفي المسار نفسه، ظهرت لجنة أخرى هي "لجنة الزمالة السياسية" The Fellowship PAC، التي تُظهر بيانات لجنة الانتخابات الفيدرالية أنها جمعت نحو 11 مليون دولار.

وذكرت صحيفة "فاينانشيال تايمز" أن شركة "كانتور فيتزجيرالد" المالية، تبرعت وحدها بـ10 ملايين دولار لهذه اللجنة في يناير، فيما قدمت شركة Anchor Labs، مليون دولار إضافي.

وتكتسب هذه اللجنة أهمية خاصة؛ بسبب ارتباط هذا التمويل بدوائر العملات المستقرة، إذ أشارت "فاينانشيال تايمز"، إلى أن "كانتور فيتزجيرالد" ترتبط بشراكة مع شركة "تيذر" Tether، إحدى أبرز شركات العملات المشفرة في العالم.

لكن هذا الحضور المالي لا يعكس بالضرورة قبولاً شعبياً واسعاً. فقد أظهرت مؤسسة "جالوب" في عام 2025 أن ملكية العملات المشفرة لا تزال محدودة عند 14% فقط من الأميركيين، فيما وجد مركز "بيو" أن 63% من الأميركيين لديهم ثقة ضئيلة أو معدومة في سلامة وموثوقية استخدامها.

الذكاء الاصطناعي يدخل السياسة بأذرع متعددة

إذا كان قطاع العملات المشفرة قد سبق إلى بناء نفوذ انتخابي واسع، فإن قطاع الذكاء الاصطناعي دخل دورة 2026 بسرعة لافتة. فبحسب صحيفة "واشنطن بوست"، ساهمت المعسكرات المرتبطة بشركتي OpenAI و"أنثروبيك"، بحلول مارس الماضي، بأكثر من 185 مليون دولار في سباقات انتخابية مختلفة.

كما أشارت الصحيفة، إلى أن 19 مرشحاً من أصل 20 تلقوا دعماً من أموال مرتبطة بقطاع الذكاء الاصطناعي في السباقات المبكرة بولايتَي تكساس ونورث كارولاينا، لم يتعرضوا لهزيمة مباشرة، في مؤشر مبكر إلى أن المال القادم من هذا القطاع لا يختبر حضوره السياسي فحسب، بل يحقق نتائج ملموسة أيضاً.

وعلى مستوى لجان الإنفاق، تُظهر بيانات لجنة الانتخابات الفيدرالية أن لجنة "قيادة المستقبل" Leading the Future، وهي أبرز واجهة سياسية مدعومة من دوائر الذكاء الاصطناعي، رفعت حصيلتها إلى نحو 75.5 مليون دولار حتى نهاية مارس. وذكر موقع "أكسيوس" أن الشبكة الأوسع المحيطة بها، تجاوزت 125 مليون دولار، بدعم من أسماء وازنة في وادي السيليكون، بينها جريج بروكمان من OpenAI، والمستثمرون مارك أندريسن وبن هورويتز، وجو لونسديل، ورون كونواي، إضافة إلى شركة "بيربليكسيتي" Perplexity.

وبحسب موقع Business Insider، لا يدخل الذكاء الاصطناعي عالم الانتخابات ككتلة واحدة، بل عبر شبكات متنافسة تسعى كل منها إلى التأثير في شكل القواعد التنظيمية المقبلة للصناعة. ففي جانب، تبرز شبكة "قيادة المستقبل" المدعومة من أسماء وازنة في وادي السيليكون، وإلى جانبها ذراعان انتخابيتان: "فكّر بشكل كبير" Think Big الموجهة إلى الديمقراطيين، و"المهمة الأميركية" American Mission الموجهة إلى الجمهوريين، في محاولة لبناء نفوذ سياسي عابر للحزبين يميل إلى بيئة تنظيمية أكثر مرونة.

وفي الجانب الآخر، تتحرك شبكة "المصلحة العامة أولاً" Public First، المدعومة من "أنثروبيك"، بخطاب يركز على سلامة الذكاء الاصطناعي وضرورة فرض ضوابط أوضح على الصناعة. كما دخلت شركة "ميتا" بدورها إلى ساحة الإنفاق السياسي، عبر لجنتين موّلتهما بعشرات الملايين من الدولارات.

وبرزت طبقة أخرى من نفوذ شبكات الذكاء الاصطناعي في الانتخابات، إذ لا تعمل منظمة "التحرك من أجل المصلحة العامة أولاً" Public First Action كواجهة واحدة، بل ضمن شبكة أوسع من الأذرع السياسية ذات العناوين العامة.

وبحسب "أكسيوس"، فإن المنظمة، وهي كيان غير ربحي مدعوم من "أنثروبيك" ويركز على سلامة الذكاء الاصطناعي والرقابة عليه، جمعت ما يقرب من 50 مليون دولار، وتسعى إلى رفع حصيلتها إلى 75 مليون دولار. وترتبط بها ثلاث لجان سياسية: لجنة "الوظائف والديمقراطية" Jobs and Democracy PAC الموجهة لدعم الديمقراطيين، ولجنة "الدفاع عن قيمنا" Defending Our Values PAC الموجهة إلى الجمهوريين، إضافة إلى لجنة "المصلحة العامة أولاً" Public First PAC، ذات الطابع الحزبي المختلط.

وتحول هذا البناء التنظيمي إلى إنفاق انتخابي مباشر في سباقات مبكرة. ففي ولاية نورث كارولاينا، كشفت وسائل إعلام أميركية، أن لجنة "الوظائف والديمقراطية" ضخت نحو 1.6 مليون دولار لدعم النائبة الديمقراطية فاليري فوشي في مواجهة منافستها التقدمية ندى علام، وهي حملة ساعدت فوشي على السيطرة على الرسائل الختامية في السباق. وكانت علام قد حاولت تحويل التمويل المرتبط بالذكاء الاصطناعي إلى قضية انتخابية ضد فوشي، خصوصاً مع تصاعد الجدل حول تنظيم القطاع ومراكز البيانات.

ومع اتساع هذا الإنفاق، بدأت تظهر أسئلة أكثر حساسية حول الشفافية. ففي مطلع مايو الجاري، قدمت منظمة "مركز القانون الانتخابي" Campaign Legal Center شكوى إلى لجنة الانتخابات الفيدرالية ضد لجنتَي "المهمة الأميركية" و"فكّر بشكل كبير".

وتتهم الشكوى اللجنتين باستخدام شركات واجهة لإخفاء تفاصيل إنفاقهما على خدمات وسلع مرتبطة بالحملات الانتخابية. وحتى لو بقيت هذه الاتهامات بانتظار الحسم القانوني، فإنها تكشف أن الذكاء الاصطناعي لا يكتفي باستنساخ حجم الإنفاق السياسي الذي عرفته قطاعات أخرى، بل يقترب أيضاً من أدواتها الأكثر غموضاً: المال الوفير، والأسماء المحايدة، والرسائل التي تخفي المعركة الأصلية خلف لغة أكثر جاذبية للناخب.

"أيباك".. اللاعب القديم

إذا كان قطاعا العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي يمثلان الوجوه الجديدة في سوق الإنفاق الانتخابي الأميركي، فإن "أيباك" AIPAC، جماعة الضغط المؤيدة لإسرائيل، تبدو اللاعب الأقدم الذي سبقهم إلى اختبار هذه الأدوات.

ففي ولاية إلينوي، رصدت "واشنطن بوست" كيف مررت الذراع السياسية للجماعة أكثر من 5 ملايين دولار إلى ثلاث لجان جديدة حملت أسماء محلية ومحايدة ظاهرياً، "الشراكة التقدمية في شيكاجو" Chicago Progressive Partnership، و"شيكاجو المتاحة الآن" Affordable Chicago Now، و"انتخبوا نساء شيكاجو" Elect Chicago Women. 

وبالنسبة للناخب العادي، لم تكن هذه الأسماء توحي بارتباطها بجماعة ضغط مؤيدة لإسرائيل، بل بدت أقرب إلى لجان محلية تُعنى بشؤون المدينة وتمثيل النساء والناخبين. والأهم أن إعلاناتها لم تقل إن المعركة تدور حول إسرائيل أو حرب غزة أو التمويل العسكري الأميركي، بل هاجمت المرشح دانيال بيس وآخرين من زوايا أقرب إلى السياسة اليومية: الإدارة، والمانحون، والقدرة على القيادة، وقضايا محلية أخرى.

وتكشف سجلات لجنة الانتخابات الفيدرالية، كيف بُنيت هذه الشبكة مالياً. فاللجان الثلاث سُجلت في يناير وفبراير 2026، أي قبل فترة قصيرة من التصويت. وأظهرت السجلات أن Affordable Chicago Now جمعت نحو 4.47 مليون دولار، بينها 1.32 مليون دولار من لجنة سياسية أخرى، فيما أظهر تقريرها المالي المفصل، أن هذه المساهمة جاءت من "مشروع الديمقراطية المتحدة" United Democracy Project، الذراع الانتخابية المرتبطة بـ"أيباك".

أما Elect Chicago Women فجمعت أكثر من 11.19 مليون دولار، بينها 4.01 مليون دولار من لجان أخرى، ثم حولت بدورها مليون دولار إلى لجنة أخرى. وسجلت Chicago Progressive Partnership إيرادات تجاوزت مليوني دولار، بينها مليون دولار جاء أيضاً من لجنة أخرى. وبمعنى أوضح، لم يتحرك المال في خط مستقيم من الجهة الأصلية إلى الإعلان، بل عبر طبقات من اللجان الجديدة، بحيث يرى الناخب الواجهة المحلية، بينما يصبح تتبع مركز التمويل والقرار أكثر صعوبة.

ولا ينفصل هذا الإخفاء عن مشكلة أعمق تواجه صورة إسرائيل، ومعها صورة "أيباك"، داخل الولايات المتحدة، وخصوصاً بين الديمقراطيين. فآخر استطلاع على المستوى الوطني في الولايات المتحدة لـ"جالوب" أظهر أن نحو ثلثي الديمقراطيين باتوا يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين، مقابل أقل من خُمسهم تقريباً يتعاطفون أكثر مع الإسرائيليين.

كما وثقت "رويترز" اتجاهاً متزايداً بين مرشحين ديمقراطيين لتحويل معارضة "أيباك" نفسها إلى قضية انتخابية، فيما ذهبت "واشنطن بوست" في مايو الجاري، إلى أن "العلامة السياسية" لـ"أيباك" أصبحت شديدة الحساسية داخل بعض السباقات، إلى حد أن مجرد الاشتباه بعلاقة غير مباشرة معها قد يضر بالمرشح.

تصنيفات

قصص قد تهمك