
ترافق انتخاب قيادة جديدة لحركة "فتح"، الحزب الحاكم للسلطة الفلسطينية، مع توقعات متفائلة، لكن التحديات التي تواجهها هذه القيادة تبدو أكبر بكثير من تلك التوقعات.
وينطبق الأمر ذاته إلى حد بعيد، على حركة "حماس" التي تجري انتخابات لاختيار رئيس جديد لمكتبها السياسي يتنافس عليه مرشحان مركزيان هما، رئيس المكتب السابق خالد مشعل، وعضو مجلس قيادة الحركة خليل الحية.
وجاءت انتخابات حركة "فتح" بعد 10 سنوات على آخر انتخابات شهدتها الحركة (متأخرة 5 سنوات عن موعدها المقرر)، لكنها تعد إشارة مهمة على نية الرئيس محمود عباس المضي قدماً في تعهداته بأن يكون عام 2026 "عام الديمقراطية الفلسطينية"، إذ تقام فيه الانتخابات على مختلف المستويات، بدءاً بالمجالس المحلية التي جرت في أبريل الماضي، مروراً بحركة "فتح" في مايو، وصولاً إلى الانتخابات العامة التشريعية المقررة في نوفمبر المقبل، يليها إجراء انتخابات الرئاسة.
وحظيت انتخابات "فتح" باهتمام محلي وإقليمي ودولي واسع، نظراً لكونها الحركة التي تقود السلطة الفلسطينية، وتشكل حكوماتها وتحدد سياساتها، لكن كثير من الخبراء والمراقبين يقولون إن "السلطة تواجه تحديات كبيرة وخطيرة لا تتحكم في معظمها".
وقال الوزير الفلسطيني السابق نبيل عمرو، الذي شغل مواقع متقدمة في حركة "فتح"، في تصريحات لـ "الشرق"، إن "المطالب والتوقعات من حركة فتح تتحكم بها أطراف أخرى وليست مرهونة بقرار الحركة".
وأضاف: "التغيير الذي حدث في حركة فتح هو خروج أشخاص ودخول آخرين جدد محلهم، دون قدرة على الوفاء بالمطالب الشعبية، بدءاً من الحالة الاقتصادية المتدهورة، مروراً بانسداد الأفق السياسي، وصولاً إلى العجز عن إنجاز الوحدة الوطنية".
واتبعت الحكومة الإسرائيلية، منذ تشكيلها قبل حوالي 4 سنوات، سياسة جديدة غير مسبوقة تقوم على تجفيف المصادر المالية للسلطة، والمصادر الحيوية للاقتصاد الفلسطيني، من خلال منع العمال من العمل في إسرائيل، واحتجاز الإيرادات الجمركية التي تشكل ثلثي موازنة الحكومة الفلسطينية، وأقامت أكثر من ألف حاجز عسكرية وعائق وبوابة قطعت فيها أوصال الضفة الغربية، وأعاقت حركة الأفراد والسلع.
وترافق ذلك مع توسع استيطاني متسارع غير مسبوق، كماً ونوعاً، طال مختلف أنحاء الضفة الغربية، وجرى نشره على نحو يحول دون إقامة كيان فلسطيني مترابط جغرافياً في أي حل سياسي مستقبلي.
تحديات "حماس"
وانتهت الجولة الأولى من انتخابات حركة "حماس"، التي استغرقت عدة أشهر، بنتيجة غير حاسمة، ما استدعى إجراء جولة ثانية يتوقع أن تستغرق شهراً إضافياً على الأقل. وقال مسؤولون في الحركة لـ"الشرق"، إن أي من المرشحين لم يحصل على النصف زائد واحد، ما استدعى إجراء جولة ثانية من التصويت.
لكن التوقعات تشير إلى أن المسار الحالي لـ"حماس"، لن يتغير بنجاح أي من المرشحين، إذ تواجه الحركة تحديات كبيرة يتوقف مصيرها على مواقف أطراف أخرى مثل إسرائيل، والإدارة الأميركية و"مجلس السلام"، وهي الجهات التي تطالبها بنزع سلاحها دون أي ضمانات جدية بحماية أعضاءها ودورها السياسي.
ويقول الخبراء المختصون في حركة "حماس"، إن هناك تباينات سياسية بين المرشحين خالد مشعل وخليل الحية، ذلك أن الأول يبدو أقل ميلاً للعمل العسكري وأكثر بعداً عن المعسكر الإيراني بخلاف الثاني.
لكن، حتى لو نجح مشعل، فإن قرار "نزع سلاح الحركة" في غزة، ليس في يده، وإنما في يد قيادة الجهاز العسكري التي لم يمنحها الجانب الإسرائيلي خيارات أخرى باستمرار عمليات الاغتيال والقصف والاجتياح التي حصدت منذ التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، أكثر من 890 شخصاً في القطاع.
وقال نبيل عمرو: "لقد وصل مشروعا فتح وحماس إلى النهاية في وقت واحد، فتح لم تحقق الهدف بالمفاوضات، وحماس لم تحققه بالكفاح المسلح، وكلاهما يعيش أزمته الكبيرة، ومعهما الشعب الفلسطيني".
ويرى عمرو أن "الخيار الوحيد المتاح أمام الحركتين للخروج من هذه الأزمة الوطنية، هو الذهاب إلى انتخابات عامة يختار فيها الشعب الفلسطيني قيادة جديدة، وبرلماناً يختار بدوره حكومة تتولى مسؤوليات المواطنين وتخضع لمسائله ممثليهم".
انتخابات تشريعية عامة
وتعكف لجنة من المجلس الوطني الفلسطيني، على التحضير لانتخابات عامة للمجلس الوطني (برلمان منظمة التحرير الفلسطينية في الوطن والشتات) تشمل انتخاب 200 نائباً في الضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة، يشكلون معاً مجلساً تشريعياً للسلطة، و 150 نائباً يمثلون الشتات في المجلس الوطني.
وقال مسؤولون فلسطينيون لـ "الشرق"، إن الاستعدادات تجري بشكل جديد لإجراء هذه الانتخابات "ما لم تظهر عوائق خارجة عن الإرادة".
بدوره، قال عضو في اللجنة التحضيرية: "بعد أن تمكنا من إجراء انتخابات لقيادة حركة فتح في غزة، رغم الأوضاع السائدة هناك، يمكننا إجراء انتخابات عامة في القطاع بطريقة مشابهة".
وحول الانتخابات الرئاسية، أضاف: "الانتخابات التشريعية والرئاسية مترابطة، لكنها ليست متزامنة، في المرحلة الأولى سنجري الانتخابات التشريعية، وحال نجاحنا في ذلك يمكننا أن نجري انتخابات رئاسية في وقت لاحق، ربما العام المقبل".
لكن كثير من المراقبين يستبعدون توفر ظروف ذاتية وموضوعية مناسبة لإجراء انتخابات عامة قبل نهاية العام الجاري، بسبب اعتبارات تتعلق بالحركتين (حماس وفتح)، الممسكتان بالنظام السياسي، واللتان تتحكم مصالحهما إلى حد كبير بقراراتهما الوطنية، إضافة إلى بقاء وتعمق الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة، حيث بات يسيطر على 60% من مساحته، وتعمق الاستيطان في الضفة الغربية، حيث بات المستوطنون يسيطرون فعلياً على حوالي 40% من مساحتها.










