خطة أوروبية لتعزيز السيادة التكنولوجية بمواجهة واشنطن وبكين | الشرق للأخبار

خطة أوروبية لتعزيز "السيادة التكنولوجية" في مواجهة الولايات المتحدة والصين

الاستراتيجية تشمل مجالات صناعة الرقائق والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية

time reading iconدقائق القراءة - 9
أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقر البنك المركزي الأوروبي ECB في فرانكفورت. 19 مارس 2026 - Reuters
أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقر البنك المركزي الأوروبي ECB في فرانكفورت. 19 مارس 2026 - Reuters

كشف الاتحاد الأوروبي عن خطة واسعة النطاق لتوسيع سلاسل الإمداد التكنولوجية المحلية، في مسعى لتعزيز استقلاله عن الولايات المتحدة وآسيا في مجالات الرقائق وأشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، وفق "بلومبرغ".

وأعلنت المفوضية الأوروبية، الأربعاء، حزمة من الإجراءات الرامية إلى تعزيز ما يُعرف بـ"السيادة التكنولوجية" وتشجيع استخدام المنتجات المحلية بدلاً من البدائل الأجنبية.

وقد تكون للمقترحات تداعيات واسعة النطاق، بدءاً من حجم الدعم المقدم لمصانع إنتاج الرقائق الإلكترونية، وصولاً إلى تحديد ما إذا كانت شركات مثل مايكروسوفت و"أمازون" ستتمكن من تقديم خدمات الحوسبة السحابية للتعامل مع البيانات الحكومية الحساسة.

نهج أوروبي حمائي

ويحمل تبني الاتحاد الأوروبي نهجاً أكثر حمائية في مجال التكنولوجيا، مخاطر زيادة التوتر مع الولايات المتحدة والصين. وكانت واشنطن قد انتقدت بالفعل لوائح تعتبرها "تمييزية" بحق شركات التكنولوجيا الأميركية، مثل قانون الخدمات الرقمية الأوروبي، ولوّحت باتخاذ إجراءات مضادة.

كما أسهمت عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، وما تبعها من تدهور في العلاقات عبر الأطلسي، في تعميق المخاوف القائمة منذ فترة طويلة بشأن الاعتماد المفرط على شركات التكنولوجيا الأميركية.

ودفعت المخاوف من احتمال تقييد واشنطن الوصول إلى خدمات سحابية وبرمجيات أساسية بعض المدن الدنماركية إلى التحول من منتجات "مايكروسوفت" إلى بدائل مفتوحة المصدر. كما صنفت الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي مراكز البيانات ومعدات الشبكات الصينية على أنها تمثل "تهديداً أمنياً".

وقالت هينا فيركونن، نائبة رئيس المفوضية الأوروبية التنفيذية لشؤون السيادة التكنولوجية، في وقت سابق من هذا العام: "أدرك الجميع مدى أهمية ألا نعتمد على دولة واحدة أو شركة واحدة عندما يتعلق الأمر بالتقنيات الحيوية"، مضيفة أن "علاقات الاعتماد يمكن استخدامها كسلاح ضدنا".

قانون CADA

ويتمثل محور الخطة الرئيسي في "قانون تطوير الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي" CADA، الذي يهدف إلى تشجيع بناء مراكز بيانات أوروبية وزيادة الطاقة الاستيعابية لمراكز البيانات في أوروبا إلى ثلاثة أمثالها خلال السنوات الخمس إلى السبع المقبلة.

ويهيمن حالياً على قطاع الحوسبة السحابية الأوروبي، الذي يشكل البنية الرقمية الداعمة للأنشطة عبر الإنترنت وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، عدد من الشركات الأميركية.

ووفقاً لدراسة أُعدت بتكليف من البرلمان الأوروبي، تستحوذ خدمات "أمازون ويب سيرفيسز" و"مايكروسوفت أزور" و"جوجل كلاود" على أكثر من 70% من سوق الاتحاد الأوروبي.

وبموجب قانون "قانون تطوير الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي"، ستُلزم الحكومات بتخزين البيانات الحيوية لدى مزودي خدمات سحابية مملوكين للاتحاد الأوروبي، وإجراء "تقييم إلزامي لمخاطر السيادة" لمزودي الخدمات السحابية الذين تتعامل معهم.

ويهدف ذلك إلى حماية المعلومات من التشريعات الخارجية، مثل قانون "كلاود" في الولايات المتحدة، الذي يتيح لجهات إنفاذ القانون الأميركية طلب بيانات من خوادم شركات التكنولوجيا الأميركية، حتى وإن كانت تلك البيانات مخزنة خارج الولايات المتحدة.

وسيتطلب ذلك تصنيف كل مزود خدمة ضمن نظام تصنيف للسيادة يتكون من أربع درجات، استناداً إلى مدى خضوع خدماته السحابية وسلسلة التوريد ومعالجة البيانات والبنية التحتية المادية لسيطرة الاتحاد الأوروبي.

قواعد أوروبية أكثر تشدداً

وبدأت بعض الشركات الأميركية الاستعداد لقواعد أوروبية أكثر تشدداً تتعلق بالسيادة الرقمية من خلال عقد شراكات مع شركات حوسبة سحابية مملوكة للاتحاد الأوروبي. فقد تعاونت جوجل مع مجموعة "تاليس" الفرنسية المتخصصة في الإلكترونيات لإطلاق مشروع الحوسبة السحابية S3NS.

واختارت المفوضية الأوروبية مؤخراً S3NS ضمن أربع شركات لتقديم الخدمات السحابية لمؤسسات الاتحاد الأوروبي. كما أطلقت مايكروسوفت و"أمازون" حلول "السحابة السيادية" في أوروبا.

وتتضمن حزمة المفوضية أيضاً إعادة صياغة "قانون الرقائق"، الذي دخل حيز التنفيذ عام 2023 استجابة لنقص أشباه الموصلات خلال جائحة فيروس كورونا، وكان يهدف إلى زيادة حصة أوروبا من الإنتاج العالمي.

غير أن هيئة التدقيق التابعة للاتحاد الأوروبي قالت، العام الماضي، إن الاتحاد من غير المرجح أن يحقق هدفه المتمثل في مضاعفة حصته السوقية بحلول عام 2030.

قانون الرقائق 2.0

وتوصي النسخة المعدلة، المعروفة باسم "قانون الرقائق 2.0"، بالسماح للمفوضية بالاستثمار المباشر في مشاريع ضخمة عابرة للحدود، بما يوفر للشركات مساراً أبسط للحصول على التمويل العام مقارنة بالتقدم للحصول على إعانات وطنية. كما تهدف إلى تعزيز الطلب المحلي لدعم الجدوى الاقتصادية لبناء مصانع جديدة لأشباه الموصلات.

ومن المقرر أن تُمول هذه الاستثمارات من خلال برامج المنح الحالية حتى عام 2028، بينما سيتعين اعتماد التمويل المستقبلي ضمن الميزانية الأوروبية المقبلة التي لا تزال قيد التفاوض.

وتقدّر المفوضية الأوروبية، أن القطاع يحتاج إلى استثمارات عامة وخاصة مشتركة بقيمة 120 مليار يورو (139 مليار دولار) بحلول عام 2035 لإحياء صناعة أشباه الموصلات الأوروبية.

كما تتضمن حزمة السيادة التقنية، حسبما نقلت "بلومبرغ"، استراتيجية أوروبية لتشجيع اعتماد البرمجيات مفتوحة المصدر المطورة داخل الاتحاد الأوروبي، و"خارطة طريق" لضمان دمج مراكز البيانات الجديدة ومصانع الذكاء الاصطناعي بصورة مستدامة في شبكات الكهرباء الأوروبية.

وتملك أوروبا عدداً محدوداً من الشركات التقنية المحلية الرائدة عالمياً في مجالاتها. وتُعد شركة ASML الهولندية المنتج الوحيد في العالم لآلات الطباعة الضوئية المتطورة اللازمة لتصنيع أشباه الموصلات المتقدمة، بما في ذلك المسرعات التي تنتجها "إنفيديا"، والتي تشكل العمود الفقري لتدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي في مراكز البيانات.

لكن الحضور الأوروبي في سلاسل توريد البرمجيات والمعدات التقنية لا يزال، بصورة عامة، أقل بكثير من نظيريه الأميركي والآسيوي.

وأقرت فيركونن، خلال إحاطة صحافية، بأن بناء بدائل للتقنيات الأجنبية سيكون مهمة طويلة ومعقدة. وقالت: "80% من تقنياتنا تأتي من خارج أوروبا، وبالتالي لن نتمكن من بناء قدراتنا في هذه القطاعات بين عشية وضحاها"، مضيفة أن النتائج الملموسة لن تظهر قبل عام 2030 على أقرب تقدير.

ويحرص الاتحاد الأوروبي على التأكيد أن الحزمة الجديدة لا ينبغي تفسيرها على أنها "توجه حمائي". ويشير المستند الذي يعرض الاستراتيجية إلى أن السيادة التكنولوجية "لا تعني العزلة أو الحمائية أو الانفصال التكنولوجي".

تقليص الفجوة

غير أن اللوائح التي تستبعد الجهات الأجنبية قد تؤدي إلى نقص في بعض التقنيات الحيوية داخل أوروبا إذا لم تتمكن البدائل المحلية من توفير القدرات والنطاق ذاتهما، كما قد تثير إجراءات انتقامية من الولايات المتحدة والصين.

وقال ليوناردو كواتروشي، الخبير في السياسات الرقمية والأستاذ المشارك بجامعة العلوم السياسية في باريس لـ"بلومبرغ": "لا يمتلك الاتحاد الأوروبي الحجم أو الإمكانات اللازمة للسيطرة على منظومة الذكاء الاصطناعي الكاملة كما هو الحال في الولايات المتحدة والصين".

وأضاف: "إذا فرضت حزمة السيادة التقنية معايير شديدة التقييد، فإن الشركات الكبرى ستتجه إلى أسواق أخرى، وسيتضرر الشركاء التجاريون، ولن يستفيد الأوروبيون من أفضل الأدوات المتاحة".

وقد يقوض بطء وتيرة التغيير في الاتحاد الأوروبي فعالية الجهود الرامية إلى تقليص الفجوة مع المنافسين. وكان من المتوقع في الأصل طرح المقترحات الرئيسية الخاصة بالسيادة التقنية في مارس الماضي، لكنها تأجلت عدة مرات بسبب اعتراضات حكومات الدول الأعضاء وانتقادات مجلس الرقابة التابع للمفوضية نفسها.

وحتى بعد نشر مشاريع القوانين، ستظل بحاجة إلى المرور بعدة جولات من المفاوضات بين حكومات الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي قبل إقرارها نهائياً، وهي عملية قد تستغرق عدة أشهر.

تصنيفات

قصص قد تهمك