
تنعقد قمة مجموعة الدول السبع في فرنسا هذا العام وسط أجواء دولية شديدة التوتر، مع استمرار الحربين في إيران وأوكرانيا وتزايد المخاوف بشأن تداعياتهما على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة، فيما تسعى باريس إلى تجنب أي مواجهة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، رغم الخلافات المتراكمة بينه وبين نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن ملفات دولية عديدة.
ومن المنتظر أن يلتئم شمل زعماء دول مجموعة السبع، وهي بريطانيا وكندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والولايات المتحدة إلى جانب الاتحاد الأوروبي الثلاثاء، في بلدة إيفيان-ليبان الفرنسية، في أول "خلوة" من نوعها منذ أن بدأت الولايات المتحدة الحرب على إيران.
واتسمت العلاقة الدبلوماسية المضطربة بين الرئيس الفرنسي ونظيره الأميركي بطابع تنافسي منذ ما يقرب من عقد، حين شهد عرضاً عسكرياً في يوم الباستيل مصافحة شهيرة وقوية بينهما عكست صراعاً على النفوذ خلف أجواء الود الظاهري. ومنذ ذلك الحين تكررت الخلافات بينهما حول ملفات عدة، أبرزها إيران، والحرب الروسية الأوكرانية، والتجارة.
ورغم التوترات، حرصت باريس على صياغة جدول أعمال القمة بطريقة لا تستفز ترمب، أملاً في تجنب تكرار انسحابه المبكر من قمة سابقة. كما سيجتمع الزعيمان على مأدبة عشاء في قصر فرساي عقب انتهاء أعمال القمة.
وترى الدول الأوروبية أن ترمب أضعف العلاقات عبر الأطلسي من خلال فرض رسوم جمركية على الاتحاد الأوروبي، وتهديده بضم جرينلاند، وسياساته التي أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة بعد مهاجمة إيران.
في المقابل، يتهم ترمب الأوروبيين بالاعتماد على الولايات المتحدة في الدفاع وعدم تحمل مسؤولياتهم الأمنية.
توافقات رغم الخلافات؟
يؤكد مسؤولون فرنسيون أن القمة قادرة على تحقيق توافقات رغم الخلافات، إلا أن محللين يحذرون من أن اتساع الفجوة بين أوروبا وواشنطن يزيد احتمالات الصدامات السياسية خلال الاجتماعات، وفق "فاينانشيال تايمز".
ويعتبر ماكرون نفسه من أكثر القادة الأوروبيين قدرة على التعامل مع ترمب، مستنداً إلى سنوات من التواصل المباشر بينهما عبر الاتصالات والرسائل الخاصة.
ورغم تبادل الانتقادات والسخرية أحياناً، فإن مسؤولين أوروبيين يقولون إن العلاقة بينهما تقوم على قدر من الاحترام المتبادل، مقارنة بعلاقات ترمب المتقلبة مع قادة غربيين آخرين.
ولم يتردد ماكرون في معارضة ترمب علناً في ملفات مثل تمويل أوكرانيا والحرب على إيران، فيما واصل الرئيس الأميركي توجيه انتقادات وسخرية شخصية لنظيره الفرنسي. ومع ذلك، يعتقد ماكرون أن إبقاء قنوات الحوار مفتوحة يمنحه فرصة للتأثير في قرارات ترمب أو احتواء تداعياتها.
وتأتي القمة في وقت تتواصل فيه الجهود للتوصل إلى اتفاق مع إيران، بينما تسعى دول مجموعة السبع إلى إقرار خطة دولية لإزالة الألغام وتأمين الملاحة في مضيق هرمز، وهو أحد أبرز أهداف فرنسا وبريطانيا خلال الاجتماع. إلا أن مراقبين يشككون في إمكانية تحقيق اختراقات كبيرة في ظل الانقسامات العميقة الحالية بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين.
فرصة لاستمالة ترمب
وسعى العديد من قادة العالم إلى استمالة ترمب، لكن النتائج كانت متفاوتة، فقد قدمت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني نفسها بوصفها الشخصية القادرة على التأثير في ترمب، مستفيدة من المواقف الإيطالية الداعمة بقوة لحلف شمال الأطلسي "الناتو" والتقارب الفكري بينها وبين حركة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً".
كما وصف الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته ترمب بأنه "الأب"، محذراً الأوروبيين من المبالغة في التفكير بالابتعاد عن الولايات المتحدة في وقت تعمل فيه القارة على تعزيز قدراتها العسكرية وإعادة التسلح.
في المقابل، برز رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز باعتباره أبرز المنتقدين لترمب، من خلال مواقفه الرافضة للدعم الأميركي لإسرائيل ومقاومته الضغوط الرامية إلى زيادة الإنفاق العسكري.
ويتوجه ترمب إلى قمة مجموعة السبع في وقت لا تزال فيه الجهود الرامية إلى التوصل لاتفاق مع إيران معلقة بين النجاح والفشل، فيما أكد مسؤولون أن اتفاقاً قد يتم توقيعه خلال الأيام القليلة المقبلة.
ومن المتوقع أن تعرض دول مجموعة السبع خطة أعدتها جيوش أكثر من 12 دولة لتنفيذ مهمة لإزالة الألغام بهدف المساعدة على إعادة فتح المضيق أمام حركة الملاحة.
وقال مسؤولون فرنسيون إن الحصول على دعم للمبادرة التي تقودها فرنسا وبريطانيا يعد هدفاً رئيسياً للقمة.
ملفات القمة
وبحسب مسؤول، سيناقش قادة مجموعة السبع قضايا النمو والتنمية الاقتصادية، وتعزيز مرونة سلاسل إمداد المعادن الحيوية، ومكافحة الهجرة غير الشرعية وتهريب المخدرات، إضافة إلى الذكاء الاصطناعي وأمن الطاقة.
وأشار إلى أن ترمب سيعمل على الدفع باتجاه شراكات استثمارية تحقق منافع متبادلة للدول المستثمرة والدول المستفيدة، كما سيدعم توسيع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعزيز النمو الاقتصادي من خلال تبسيط الأنظمة التنظيمية.
ومن المقرر أن يختتم الرئيس الأميركي زيارته لفرنسا بعشاء في قصر فرساي مع الرئيس الفرنسي قبل مغادرته البلاد.
ما مجموعة السبع وما أبرز محطاتها؟
يمتد تاريخ المجموعة لقرابة 5 عقود، إذ تشكلت سبعينيات القرن الماضي، ومرت بتطورات وتغيرات عدة في قائمة أعضائها وضيوفها، فضلاً عن جدول الأعمال المزدحم، والذي انشغل في بعض الأحيان بقضايا اقتصادية وأخرى صحية، بما يتوافق ويتباين الأولويات العالمية على مدار السنوات.
تضم مجموعة السبع بين أعضائها بعضاً من أبرز ديمقراطيات واقتصادات العالم المُتقدمة، ويقول الموقع الإلكتروني للقمة إن الرابط بين الدول الأعضاء هو قيمها المشتركة، كمجتمعات ديمقراطية منفتحة متطلعة.
وفي حين يلتزم قادة الدول الأعضاء بلقاء سنوي في قمة تُعقد منذ سبعينيات القرن الماضي، لبحث أولويات المجموعة، يعقد وزراء الدول اجتماعات أخرى على مدار العام للتنسيق.
وعلى الرغم من أن موقع القمة يصف اجتماعاتها كالمحفل الوحيد الذي تتلاقى من خلاله اقتصادات العالم المتقدمة ومجتمعاته الأكثر انفتاحاً وتأثيراً للمناقشة؛ فإن مجموعة السبع لا يمكنها إصدار أو صياغة قوانين على سبيل المثال، إذ إن أعضاءها ينتمون لدول مختلفة بأنظمة ديمقراطية مختلفة، لكن على الرغم من ذلك فإن لقراراتها المتفق عليها أثراً عالمياً، وفقاً لهيئة الإذاعية البريطانية BBC.
تشكلت المجموعة رسمياً في عام 1975، إلا أنها سُميت آنذاك بـ"مجموعة الست"، وضمت الولايات المتحدة وفرنسا واليابان والمملكة المتحدة وإيطاليا وألمانيا الغربية فقط.
وفي العام التالي انضمت كندا للمجموعة لتُصبح بذلك مجموعة السبع، وتحولت لاحقاً إلى "مجموعة الثماني" بالتحديد في عام 1998 عندما انضمت روسيا في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي.
لم يستمر انضمام روسيا للمجموعة طويلاً، ففي عام 2014 طُردت من المجموعة في أعقاب أزمة ضمها للقرم، الأمر الذي اعتبره قادة الدول الأعضاء انتهاكاً لسيادة أوكرانيا وسلامتها الإقليمية.










