
ركز الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مارك روته استراتيجيته للتعامل مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، على أمر رئيسي واحد فيما يتعلق بالتكتل، وهو دفع الحلفاء الأوروبيين لزيادة الإنفاق الدفاعي وشراء أسلحة أميركية، في ظل تصاعد التوترات بين واشنطن والحلف قبيل قمة القادة المرتقبة في أنقرة، وفق مجلة "بوليتيكو".
وأكد روته في رسالته إلى ترمب خلال العام الماضي، ضرورة قيام الحلفاء الأوروبيين بزيادة إنفاقهم العسكري بشكل واضح، بينما ذهب هذا العام إلى ما هو أبعد من ذلك، عبر التعهد بأن الحلفاء الأوروبيين سيضخون استثمارات أكبر في شركات الدفاع الأميركية، بما يعزز البُعد الاقتصادي داخل العلاقة عبر الأطلسي.
زيارة تمهّد لقمة أنقرة
وجاءت زيارة روته إلى واشنطن، الأسبوع الماضي، في إطار التحضير لقمة قادة الناتو المرتقبة في أنقرة، والتي يُتوقع أن تحاول احتواء التوترات القائمة بين الولايات المتحدة والحلف، إلى جانب السعي لتفادي أي خطوات أميركية محتملة تتعلق بسحب قواتها من القارة الأوروبية.
واتسم اللقاء بين ترمب وروته بطابع هادئ إلى حد كبير، وخلا من التوترات العلنية، وقدم خلاله روته عرضاً موسعاً حول زيادة إنفاق دول الناتو، في إشارة إلى محاولة إبراز التقدم في ملف التمويل الدفاعي داخل الحلف.
ونقلت "بوليتيكو" عن روته قوله خلال كلمة ألقاها في معهد أبحاث "المجلس الأطلسي": "لا تحشوا من بعض النقاشات وأحياناً بعض التوترات داخل الحلف، أنا لا أخاف منها أبداً، لأن من هذه التوترات تنشأ أمور جيدة، أحياناً نتشاجر قليلاً، هذا طبيعي، فنحن دول ديمقراطية".
وأضافت المجلة أن نبرة الاسترضاء التي تبناها روته تعكس مدى قلق الحلفاء الأوروبيين من احتمالية تراجع أو فقدان الدعم الأميركي.
ترمب وعلاقة متوترة مع الحلف
وهدد ترمب أكثر من مرة بالانسحاب من الحلف، وكان آخر تهديد من هذا النوع في أبريل الماضي، كما طالب الدول الأعضاء مراراً بعدم الاعتماد على الولايات المتحدة في شؤون الدفاع.
وكان وزير الحرب الأميركي بيت هيجسيث قد أعلن هذا الشهر عن مراجعة شاملة لانتشار القوات الأميركية في أوروبا، في خطوة تعكس إعادة تقييم للوجود العسكري الأميركي في القارة، كما سبق أن أعلن البنتاجون سحب بعض المعدات العسكرية من المنطقة، إلى جانب تقليص عدد القوات في كل من رومانيا وألمانيا.
وأشارت "بوليتيكو" إلى أن روته أعاد هذا الأسبوع تبني استراتيجية مألوفة للحفاظ على هدوء العلاقات مع الولايات المتحدة، إذ بالغ في الإشادة بترمب، وركز على المهمة التقليدية المتمثلة في تعزيز صناعة الدفاع وزيادة الإنفاق على الأسلحة الأميركية.
ودعا الأمين العام للناتو إلى ما وصفه بـ"ثورة صناعية عبر الأطلسي" قبيل قمة القادة المقبلة، في إشارة إلى تعهدات متوقعة بإنفاق دفاعي إضافي بمليارات الدولارات. ومن المنتظر أن يتفق الحلفاء على عقود تسليح جديدة وزيادة إنتاج الأسلحة خلال القمة، وفق ما أفاد به خمسة دبلوماسيين داخل الحلف.
ونقلت "بوليتيكو" عن مسؤول أوروبي قوله: "الحديث عن الأعمال والصفقات هو الأسلوب الذي يتبعه جميع القادة مع ترمب، صحيح أنه قد يزعج البعض، لكنه فعّال بشكل عام".
تبريرات من البيت الأبيض
وفي المقابل، دافع البيت الأبيض عن تصرفات ترمب تجاه الناتو، إذ قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض أوليفيا ويلز إن "الولايات المتحدة قدمت أكثر من أي دولة أخرى داخل الناتو، والرئيس ترمب أعرب عن خيبة أمله من الحلف وهو متمسك بموقفه".
وأضافت: "على دول الناتو أن تتحمل مسؤولية أكبر في الدفاع عن نفسها، وكان ينبغي أن تقف إلى جانب الولايات المتحدة خلال حرب إيران".
واتسم أسلوب روته في التعامل مع ترمب بقدر واضح من الإطراء السياسي، وفيما لم يعد يستخدم وصف "Daddy" أو "الأب" الذي استخدمه في قمة سابقة، إلا أنه استمر في وصف الرئيس الأميركي بأنه "زعيم العالم الحر"، كما أشار إلى الزيادة في الإنفاق الدفاعي داخل الحلف باسم "تريليون ترمب".
كما شدد الأمين العام للناتو على أن ترمب "محق في انتقاد بعض دول الحلف التي لم تدعم الولايات المتحدة في حرب إيران"، مع الإشارة إلى أن 5 آلاف رحلة عسكرية أميركية انطلقت من قواعد أوروبية خلال الأسابيع الأولى من الحرب، في محاولة لإبراز مساهمة الحلفاء الأوروبيين.
ورأت "بوليتيكو"، أن استمرار هذه الأجواء الإيجابية ليس مضموناً، مشيرة إلى أن المسؤولين الأوروبيين ليسوا مستعدين لتلقي انتقادات حادة من زعيم الناتو بشأن ملف إيران، إلا أن بعضهم أبدى تفهماً لمحاولات روته إبقاء الولايات المتحدة منخرطة في شؤون الحلف.
ونقلت "بوليتيكو" عن دبلوماسي أوروبي آخر قوله: "روته في موقف صعب، ويمكننا تقبّل بعض عبارات الإطراء إذا كان ذلك ما سيدفع ترمب لحضور قمة أنقرة".
الناتو لا يمكنه الاستغناء عن أميركا
وينبع جانب من سعي روته لكسب ود ترمب، من إدراكه لحقيقة أن الحلف لا يمكنه الاستغناء عن الوجود الأميركي، حتى في ظل محاولاته لتأسيس "ركيزة أوروبية" تهدف إلى تعويض بعض القدرات العسكرية الأميركية في القارة، وهو ما يعني ضرورة الحفاظ على دعم ترمب وتأييده.
وقال جيدريماس جيجلينسكاس، وهو عضو سابق في البرلمان الليتواني ومسؤول سابق في الناتو، إنه "من الطبيعي والبديهي أن يفعل روته ما يفعله. إن إرثه كأمين عام يعتمد على قدرته على إبقاء الولايات المتحدة حليفاً محورياً. فحلف الناتو من دون الولايات المتحدة ليس هو الكيان الذي انضمت إليه الدول الأعضاء ووقعت على ميثاقه".
ولهذا السبب، سارع روته هذا الأسبوع إلى نسب الفضل لترمب في الزيادة الكبيرة التي شهدها إنفاق الحلف، إذ أشار الأمين العام إلى أن الدول الأعضاء في الناتو، باستثناء الولايات المتحدة والبالغ عددها 31 دولة، أنفقت 1.2 تريليون دولار إضافية على الدفاع خلال الفترة ما بين عامي 2016 و2026، مسجلةً ارتفاعاً بنسبة 20% في العام الماضي وحده.
غير أن نهج روته لا يحظى بإجماع داخل أوروبا، إذ وبّخ وزير الدفاع الإيطالي جويدو كروسيتو الأمين العام للناتو هذا الأسبوع بسبب تصريحاته التي قال فيها إن إيطاليا سمحت بإقلاع مئات الطائرات الأميركية من أراضيها لدعم الحرب على إيران، بينما تؤكد الحكومة الإيطالية أنها سمحت فقط برحلات ذات طابع فني ولوجيستي.
ورغم ذلك، يرى عدد من المسؤولين الأوروبيين الحاليين والسابقين أن جهود الأمين العام للناتو تحمل أهمية كبيرة. وقال بيتر روف، مدير مركز أوروبا وأوراسيا في معهد هدسون والمسؤول السابق في إدارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش: "إنه يملك أذن ترمب، وهذا هو المهم".












