
أعادت وكالة "أسوشيتد برس" بناء تفاصيل الضربة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب الإيرانية خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، في هجوم وصفته بأنه الأكثر دموية خلال الحرب.
وأودت الضربة بحياة أكثر من 100 طفل، بينما لا تزال الإدارة الأميركية تمتنع عن تحمل المسؤولية أو نشر نتائج تحقيق البنتاجون بشأن الواقعة بعد مرور أكثر من 120 يوماً، بحسب أسوشيتد برس.
ونقلت الوكالة عن مسؤول أميركي مطلع، طلب عدم الكشف عن هويته، أن الجيش الأميركي امتلك منذ وقت مبكر أدلة تؤكد إصابة موقع المدرسة، إلا أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم تعترف رسمياً بالمسؤولية، كما لم تعلن نتائج التحقيق الذي يجريه البنتاجون.
واعتمدت الوكالة في إعادة بناء الهجوم على مصادر مفتوحة، ومقاطع فيديو، وتقارير لمنظمات حقوقية، ومقابلات مع باحثين وسكان داخل إيران وخارجها، كاشفة تفاصيل لم تُنشر سابقاً عن قصف مدرسة "شجرة طيبة" في مدينة ميناب، جنوب شرقي إيران.
قاعدة قديمة للحرس الثوري
ووقعت الضربة صباح 28 فبراير، وهو يوم دراسي تزامن مع شهر رمضان، بينما كان مئات التلاميذ داخل المدرسة الواقعة على بعد نحو 25 كيلومتراً من مضيق هرمز.
وبحسب التحقيق، فإن المدرسة كانت واحدة من أكثر من 30 مدرسة تحمل الاسم نفسه، أُنشئت لخدمة أبناء عائلات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني ومؤسسات الدولة، لكنها كانت تضم أيضاً أطفالاً من سكان مدينة ميناب، وبينهم أبناء الأقلية البلوشية السنية.
وأظهرت صور الأقمار الاصطناعية أن المدرسة كانت تقع داخل مجمع مسوّر، وكانت في الأصل جزءاً من قاعدة تابعة للحرس الثوري قبل تحويلها إلى مدرسة قبل أكثر من عقد.
ومع بدء الغارات على طهران قرابة الساعة 9:40 صباحاً، قررت إدارة المدرسة إعادة التلاميذ إلى منازلهم، وبدأت الاتصال بأولياء الأمور للحضور واصطحاب أطفالهم، قبل أن تعلن وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية في الساعة 10:15 صباحاً إغلاق المدارس في أنحاء البلاد.
بعد دقائق من بدء مغادرة بعض التلاميذ، استهدفت عدة ذخائر المجمع، وأصابت خمسة مبانٍ على الأقل، وفق تحليل أجرته الوكالة لصور الأقمار الاصطناعية، ما أدى إلى انهيار المدرسة بالكامل.
وروت شهادات حصلت عليها الوكالة أن فرق الإنقاذ انتشلت من تحت الأنقاض حقائب مدرسية ورسومات أطفال وأقلام تلوين وأوراقاً دراسية، بينما عُثر على أشلاء متناثرة جعلت التعرف إلى كثير من الضحايا أمراً بالغ الصعوبة.
وبحسب سكان محليين، قدّر أطباء المستشفى بنهاية اليوم وجود ما لا يقل عن 108 جثث، قبل أن ترتفع الحصيلة التي أعلنتها وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية تدريجياً إلى 168 ضحية.
غياب الإحصاء النهائي
وأكدت الوكالة أن العدد النهائي للضحايا لا يزال غير محسوم بسبب غياب تحقيق مستقل وعدم نشر قائمة رسمية بأسماء الضحايا.
وخلصت منظمة Airwars، بعد أشهر من التحقيق، إلى تحديد هويات 157 ضحية، بينهم 123 طفلاً لا تتجاوز أعمارهم 13 عاماً، و34 بالغاً، من بينهم 26 من العاملين في المدرسة، إحداهن كانت حاملاً، إضافة إلى خمسة أولياء أمور فقد كل منهم طفلاً واحداً على الأقل.
كما قدّرت المنظمة عدد الجرحى بما يتراوح بين 95 و111 مصاباً.
وأشارت الوكالة إلى أن السلطات الإيرانية نظمت مراسم دفن جماعية للضحايا، وأطلقت عليهم صفة "الشهداء"، كما استخدمت الحادثة في حملات إعلامية ودعائية، بينما حدّت القيود الأمنية وانقطاع الإنترنت من قدرة الصحافيين والمنظمات المستقلة على توثيق الوقائع ميدانياً.
وفي المقابل، نفى الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأسبوع الماضي اطلاعه على تقرير البنتاجون، وقال إنه لم ير ما يدفعه للاعتقاد بأن الولايات المتحدة نفذت الضربة، مضيفاً أن "الصواريخ كانت تتطاير في كل مكان"، وأنه لا يعتقد أن الولايات المتحدة مسؤولة عنها.
ولم ترد البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة على طلب للتعليق، بحسب الوكالة.
ثغرات في اختيار الأهداف
ونقلت الوكالة عن مسؤول أميركي أن الجيش كان يعلم منذ البداية بتنفيذ ضربات في محيط الموقع، لكنه احتاج إلى وقت للتحقق من صحة الادعاءات الإيرانية بشأن استهداف مدرسة.
وأضاف أن أحد محللي الاستخبارات كان قد صنّف المبنى كمدرسة قبل نحو 7 سنوات، إلا أن هذه المعلومة لم تُعمم بصورة كافية بين الجهات العسكرية والاستخباراتية، ما أدى إلى عدم إدراج الموقع ضمن قائمة الأهداف المحظور استهدافها.
وقال مسؤول سابق في البنتاجون إن الحادثة جاءت في ظل تغييرات أجرتها إدارة ترمب لتقليص الفرق المعنية بالحد من الأضرار التي تلحق بالمدنيين، إضافة إلى تركيز وزير الدفاع بيت هيجسيث على تعزيز "الفتك" في العمليات العسكرية.
وأوضح ويس براينت، الذي عمل في مركز التميز لحماية المدنيين التابع للبنتاجون، أن أعمال تحديث قوائم المواقع المحظور استهدافها، مثل المدارس والمستشفيات ودور العبادة، توقفت بعد تقليص المركز، مشيراً إلى أن تلك القوائم كانت معروفة داخل الوزارة بأنها قديمة وغير محدثة.
نتائج التحقيق لم تُنشر
وأفادت الوكالة بأن جانباً كبيراً من التحقيق العسكري الأميركي قد أُنجز، إلا أن القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) لا تزال تراجع نتائجه، ولم يُحدد موعد لنشر التقرير النهائي.
وقال وزير الحرب بيت هيجسيث الأسبوع الماضي إن التقرير سيُنشر "في الوقت المناسب".
وفي المقابل، طالب أعضاء في الكونجرس بمزيد من الشفافية، إذ قال السيناتور الجمهوري مايك راوندز إن الكونجرس لم يحصل حتى الآن على معلومات كافية بشأن القصف، وإنه يتوقع صدور تقرير كامل، مؤكداً أن القضية "لم تُطوَ بعد".








