
تعمل الحكومة الإسرائيلية على تنفيذ حملة واسعة لتحسين صورتها المتراجعة في الولايات المتحدة، مستعينة بمستشارين مقربين من الرئيس دونالد ترمب، وشبكات إعلامية محافظة، ومؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب ملايين الرسائل النصية التي يديرها الذكاء الاصطناعي، وفق صحيفة "وول ستريت جورنال".
وقالت الصحيفة إن إسرائيل تضخ عشرات الملايين من الدولارات في محاولة للتصدي للتراجع المتزايد في شعبيتها لدى الأميركيين، بعد أن أظهر استطلاع أجراه مركز "بيو" في مارس الماضي، الذي أشار إلى أن نحو 60% من البالغين الأميركيين ينظرون إليها بصورة سلبية، في ظل مواقفهم من تعامل تل أبيب في حربي غزة وإيران.
وبحسب "وول ستريت جورنال"، تلقى ملايين الأميركيين خلال الأشهر الأخيرة، رسائل نصية من مرسلين يستخدمون أسماء مثل "إيما" أو "سارة" أو "جون"، ويقدمون أنفسهم على أنهم تابعون لمجموعة تحمل اسم "أصدقاء من أجل السلام".
وتطلب الرسائل من المتلقين التعبير عن آرائهم في إسرائيل والعلاقات الأميركية الإسرائيلية، أو في تأثير محادثات السلام الأميركية مع إيران على الأمن العالمي، قبل أن تدخل معهم في حوارات تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
وأوضحت "وول ستريت جورنال"، أن هذه الرسائل هي جزء من عقد تتجاوز قيمته 45 مليون دولار، وقعته الحكومة الإسرائيلية مع براد بارسكيل، المستشار السابق لحملتي ترمب الانتخابيتين في عامي 2016 و2020، وأحد حلفاء الرئيس الأميركي منذ فترة طويلة.
وكانت إسرائيل قد خصصت في موازنة عام 2026 أكثر من 700 مليون دولار لتوسيع جهودها الرامية إلى ما وصفه وزير الخارجية جدعون ساعر بـ"تشكيل الوعي"، وتحسين صورة البلاد على الصعيد العالمي.
ولم تستجب وزارة الخارجية الإسرائيلية لطلبات الصحيفة لإجراء مقابلة، فيما يرى مؤيدو الحملة أنها ضرورية لمواجهة حملات التأثير التي تقودها إيران والتيار المؤيد للفلسطينيين.
انتقادات من داخل إدارة ترمب
وأثارت الحملة انتقادات داخل الإدارة الأميركية، بعدما اتهم نائب الرئيس جي دي فانس، خلال الأسبوع الماضي، مسؤولين إسرائيليين بمحاولة التأثير في الرأي العام الأميركي وإضعاف جهود واشنطن لإنهاء الصراع مع إيران.
وقال فانس، خلال مقابلة مع مقدم البرامج جو روجان، إن بعض المسؤولين الإسرائيليين يحاولون "التلاعب بالرأي العام الأميركي وتغييره" بهدف إطالة أمد الحرب إلى أجل غير مسمى.
لكن بارسكيل نفى أن تكون الحملة تهدف إلى تقويض المفاوضات الأميركية، معتبراً أن "المعلومات المضللة، من أي جانب، تمثل تهديداً وجودياً لإسرائيل".
ووفق الصحيفة، تعاقدت إسرائيل خلال العام الماضي مع ما لا يقل عن ست شركات للمشاركة في جهود التأثير داخل الولايات المتحدة، كما سجل نحو 36 شخصاً جديداً، معظمهم من المتخصصين في التسويق، أنفسهم لدى السلطات الأميركية بوصفهم وكلاء أجانب يعملون لحساب إسرائيل.
وقال نيك كليفلاند ستاوت، الباحث في جماعات الضغط الأجنبية بمعهد "كوينسي" لفن الحكم الرشيد، إن إسرائيل تتجه إلى إنفاق مبالغ على أنشطة التأثير المعلنة لدى الحكومة الفيدرالية خلال العام الجاري تتجاوز ما تنفقه أي دولة أخرى.
الإعلام المحافظ
وركزت "وول ستريت جورنال" على علاقة بارسكيل بشبكة "سالم ميديا"، التي يشغل فيها منصب كبير مسؤولي الاستراتيجية، وهي مجموعة إعلامية تستضيف عدداً من أبرز المذيعين ومقدمي البرامج المحافظين، من بينهم هيو هيويت وسكوت جينينجز ولارا ترمب.
وأظهرت الوثائق أن العقد الأولي الذي أبرمه بارسكيل للعمل لحساب إسرائيل، تضمن إدماج الرسائل السردية في منصات شبكة "سالم ميديا" وقنوات التوزيع المرتبطة بها.
وأثارت هذه العلاقة انتقادات ستيف بانون، كبير المستشارين الاستراتيجيين السابق لترمب، الذي تساءل عن كيفية إدارة ثاني أكبر شبكة إذاعية محافظة في الولايات المتحدة بواسطة شخص مسجل بصفته وكيلاً أجنبياً.
في المقابل، قالت "سالم ميديل" وبارسكيل، إن الأموال الإسرائيلية لم تُستخدم لدفع مقدمي البرامج إلى تبني مواقف محددة بشأن إسرائيل، وإنما أُنفقت على إعلانات تجاوزت قيمتها 500 ألف دولار داخل الشبكة.
وأكد الرئيس التنفيذي للمجموعة، ديفيد سانتريلا، أن مقدمي البرامج في الشبكة، "بنوا مسيرتهم المهنية على التعبير عما يؤمنون به، وليس قراءة نصوص يكتبها آخرون"، مشيراً إلى أن عدداً كبيراً منهم من المؤيدين لإسرائيل منذ فترة طويلة.
استهداف الإنجيليين وطلاب الجامعات
وبحسب الصحيفة، لا تقتصر الحملة الإسرائيلية على بارسكيل، إذ قدمت مجموعة تحمل اسم "شو فيث باي ووركس" وثائق تتضمن خططاً لتوجيه رسائل مؤيدة لإسرائيل إلى رواد الكنائس الإنجيلية الكبرى وطلاب الجامعات المسيحية.
وقدرت المجموعة قدرتها على الوصول إلى نحو أربعة ملايين شخص في جنوب غربي الولايات المتحدة من خلال حملة تعتمد على تقنية تحديد النطاق الجغرافي للمستخدمين.
وقالت المجموعة، التي تأسست في يوليو من العام الماضي، إن النشاط كان يستهدف إنشاء "روابط إيجابية مع دولة إسرائيل"، مع ربط السكان الفلسطينيين بالفصائل المتطرفة، وقدرت تكلفة المشروع بأكثر من ثلاثة ملايين دولار.
وتضمنت الوثائق أسماء شخصيات مؤثرة اعتبرتها المجموعة مناسبة للترويج للحملة، من بينها الممثل كريس برات، ونجم كرة السلة ستيفن كاري.
لكن ممثلاً عن برات قال إنه لم يتلقَّ أي اتصال بشأن المشاركة في الحملة، فيما لم يرد ممثل كاري على طلب التعليق.
وقال مؤسس المجموعة، تشاد شنيتجر، إن المشروع اتخذ لاحقاً اتجاهاً مختلفاً، وإن الجزء الأكبر من الموازنة خُصص لإنشاء متحف متنقل يتضمن مواد مصورة أُنتجت خصيصاً للحملة.
إدارة المؤثرين
وأشار تقرير "وول ستريت جورنال"، إلى أن جانباً آخر من الجهود الإسرائيلية يستهدف اليسار الأميركي، في ظل الانقسامات العميقة التي أحدثتها حرب غزة داخل الحزب الديمقراطي، والجدل المتصاعد بشأن مستقبل دعم إسرائيل داخل الحزب.
ويدير يواف ديفيس، مؤسس حساب "يهود نيويورك" على إنستجرام، الذي يتابعه نحو 193 ألف شخص، شركة تسويق متعاقدة مع إسرائيل.
وشملت الأعمال المنصوص عليها في العقد المشاركة في اجتماعات مع "فريق لإدارة المؤثرين"، وإدارة "مواهب متعاقد معها"، بحسب الوثائق التي اطلعت عليها الصحيفة.
وينشر ديفيس بصورة متكررة آراء تتعلق بإسرائيل والحرب، لكنه لا يوضح ما إذا كانت الحكومة الإسرائيلية قد دفعت مقابل منشوراته أو رحلاته، كما لم يستجب لطلبات الصحيفة للتعليق.
وقالت الصحيفة إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سعى بدوره إلى التقرب من المؤثرين المحافظين، والتقى عدداً منهم خلال زيارتين حديثتين على الأقل للولايات المتحدة.
وكان نتنياهو قد ربط، في مقابلة مع برنامج "60 دقيقة" خلال مايو الماضي، بين تراجع التأييد الأميركي لإسرائيل والنمو المتسارع لمنصات التواصل الاجتماعي.
كما أظهرت الوثائق أن إسرائيل ووكلاء مسجلين يعملون لحسابها، دفعوا أموالاً لشركات يملكها مؤثرون آخرون، دون أن تحدد المستندات ما إذا كانت هذه المدفوعات مقابل منشورات بعينها.
ومن بين هؤلاء المؤثرين الإنجيليين، ستيفاني وكاليب راوس، اللذان تمتلك شركتهما عقداً حصلت بموجبه على 4500 دولار من متعاقد يعمل لحساب إسرائيل، مقابل ما وُصف بأنه "ترويج تسويقي استراتيجي".
التأثير في إجابات روبوتات المحادثة
وتتضمن حملة بارسكيل، وفق "وول ستريت جورنال"، إنشاء مواقع إلكترونية ومنشورات وروابط تتضمن محتوى مؤيداً لإسرائيل، صُمم جزء منه لتحسين النتائج والمعلومات التي تعرضها روبوتات المحادثة القائمة على الذكاء الاصطناعي، مثل "كلود" وChatGPT، عند الإجابة عن أسئلة تتعلق بإسرائيل.
وأشارت الصحيفة، إلى أن روبوتات الذكاء الاصطناعي استخدمت أحياناً مواقع أنشأها فريق بارسكيل باعتبارها مصادر مرجعية بشأن التحالف الأميركي-الإسرائيلي.
وقال بارسكيل إن أحد أهداف الحملة يتمثل في التعرف إلى أبرز المخاوف والاعتراضات التي يحملها الأميركيون تجاه إسرائيل، والعمل على مواجهتها، ثم نقل نتائج هذه المحادثات إلى الحكومة الإسرائيلية.
ويمتلك بارسكيل أيضاً حصة في شركة تدعى "إنفلونسابُل"، تدفع أموالاً لمؤثري منصات التواصل مقابل نشر محتوى، لكنه قال إنه لم يوظف أي مؤثرين للعمل لحساب إسرائيل.
رسائل يعتقد المتلقون أنها بشرية
وتدير شركة "سبارك فاير" عملية الرسائل النصية المرسلة باسم "أصدقاء من أجل السلام"، وتقول الشركة إن رسائلها المدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة على إجراء محادثات أكثر إنتاجية مقارنة بحملات الرسائل التقليدية. وحصلت الشركة على 6.5 مليون دولار حتى منتصف مايو مقابل تنفيذ هذا العمل، وفقاً للتقرير.
وقال متحدث باسمها إن أعضاء بشريين في فريق العمل يشاركون في مختلف مراحل المحادثة ويتفاعلون مباشرة مع متلقي الرسائل.
لكن الصحيفة قالت إن مجموعة "أصدقاء من أجل السلام" لا تبدو مسجلة باعتبارها منظمة غير ربحية أو شركة ذات مسؤولية محدودة.
وعندما سُئل بارسكيل عما إذا كانت المجموعة منظمة حقيقية، رد متسائلاً عن المقصود بتعريف "المنظمة الحقيقية".
وروت الفنانة بيث سوردوت، أنها تلقت في يونيو الماضي، إحدى هذه الرسائل التي تسألها عن رأيها في إسرائيل، ولاحظت أن المحادثة كانت تدور في حلقات متكررة، إذ كانت إجاباتها تُعاد صياغتها قبل إرسالها إليها مجدداً.
وقالت سوردوت، وهي يهودية، إنها أخبرت الطرف الآخر بأنها لا تعتقد أنه شخص حقيقي، لكنه حاول إقناعها بأنه إنسان.
وأضافت أنها لم تتمكن من العثور على موقع إلكتروني للمجموعة، ما أثار شكوكها، مؤكدة أنها لا ترغب في إجراء محادثة مع الذكاء الاصطناعي، حتى عندما تتعلق القضية بموضوع تؤمن به.
تغيير الرأي العام
وخلصت "وول ستريت جورنال" إلى أن اتساع هذه الجهود يكشف حجم التحدي الذي تواجهه إسرائيل في محاولة استعادة دعم الرأي العام الأميركي.
وبحسب أشخاص استمعوا إلى تصريحات ترمب خلال فعاليات خاصة لجمع التبرعات، تحدث الرئيس الأميركي نفسه عن تراجع التأييد الشعبي لإسرائيل.
أما ستيف بانون، فاعتبر أن الحملة تحاول تسويق صورة يصعب إقناع الأميركيين بها، قائلاً إن القائمين عليها "يحاولون بيع شيء غير قابل للبيع".













