ليبيا على صفيح الغضب.. احتجاجات تتسع وسقف الشعارات يتمدد | الشرق للأخبار
خاص

ليبيا على صفيح الغضب.. رقعة الاحتجاجات تتسع وسقف الشعارات يتمدد

time reading iconدقائق القراءة - 18
عناصر أمنية خارج مقر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في العاصمة الليبية طرابلس. 4 يونيو 2026 - Reuters
عناصر أمنية خارج مقر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في العاصمة الليبية طرابلس. 4 يونيو 2026 - Reuters

تدخل الاحتجاجات في العاصمة الليبية طرابلس مرحلة جديدة، مع إغلاق متظاهرين مؤسسات تابعة لقطاع الطاقة، إلى جانب إقفال خطوط الغاز المغذية لمحطات إنتاج الكهرباء من مجمع مليتة النفطي، ما يهدد بانهيار شبكة الكهرباء.

وانهيار شبكة الكهرباء يعني دخول كامل ليبيا، بمناطقها كافة (الغرب والشرق والجنوب)، في حالة إظلام تام، بما يحمله ذلك من مخاطر على مختلف الأصعدة، وفق ما يراه محللون.

وتأتي الاحتجاجات في ظل انقطاعات متكررة للكهرباء في طرابلس ومناطق أخرى، تصل إلى 10 ساعات يومياً وتتجاوزها أحياناً، بالتزامن مع موجة الحر وارتفاع معدلات استهلاك الكهرباء.

وعادت الشركة العامة للكهرباء إلى تطبيق سياسة تخفيف الأحمال، لكن الأزمة تتزامن هذه المرة مع تزايد الاعتراضات على الأوضاع المعيشية وارتفاع الأسعار وعدم استقرار العملة المحلية، إضافة إلى استمرار الانقسام السياسي، ما يؤشر إلى مخاطر توسع رقعة الغضب، مع ما يحمله ذلك من تداعيات في بلد يعاني اضطرابات مستمرة.

وفي ظل حالة الغضب المتواصلة، أغلق محتجون بالركام والأتربة، فجر الثلاثاء، مقري شركتي مليتة للنفط والغاز والزويتينة للنفط في طرابلس، كما أغلقوا مقر وزارة النفط والغاز، وفق ما أفاد به مصدر من العاصمة الليبية لـ"الشرق".

لكن التطور الأكثر خطورة، وفق المصدر (الذي فضل عدم نشر هويته لحساسية الوضع)، حدث لاحقاً، حين أقدم المتظاهرون على إغلاق خطوط الغاز في مجمع مليتة النفطي بالعاصمة.

ونظراً لجسامة ما حدث، أصدرت الشركة العامة للكهرباء، بياناً عاجلاً حذرت فيه من أن إيقاف خطوط الغاز المغذية لمحطات إنتاج الكهرباء يهدد بخروج عدد من وحدات التوليد عن الخدمة، ويرفع احتمالات حدوث إظلام تام Blackout، على مستوى الشبكة الكهربائية.

وقالت الشركة في بيان: "بعد قيام مجموعات بالدخول إلى مجمع مليتة وإقفال خطوط الغاز المغذية لمحطات إنتاج الكهرباء، فإن ذلك يهدد بخروج عدد من وحدات الإنتاج عن الخدمة، ويزيد من احتمالية حدوث حالة إظلام تام على مستوى الشبكة الكهربائية".

وانطلاقاً من "مسؤوليتها الوطنية، وباعتبارها الجهة المعنية بتوفير الخدمة الكهربائية للمواطنين وكافة القطاعات العامة والخاصة"، أخلت الشركة مسؤوليتها "أمام الشعب الليبي والجهات الرسمية من التداعيات التي قد تنجم عن استمرار توقف إمدادات الغاز اللازمة لتشغيل وحدات الإنتاج".

وأكدت الشركة أن "الوضع حرج للغاية"، وأن استمرار انخفاض ضغط الغاز قد يؤدي إلى خروج وحدات التوليد تباعاً، وصولاً إلى انهيار الشبكة الكهربائية والدخول في حالة إظلام تام، ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة لإعادة تدفق الغاز واستئناف تغذية محطات توليد الكهرباء.

ورغم أن مقرها يقع في طرابلس، تزود الشركة العامة للكهرباء كامل ليبيا بالطاقة، بما في ذلك مناطق الشرق والجنوب الخاضعة لحكومة مختلفة.

ولاحقاً، أعلنت الشركة استئناف العمل في المجمع وعودة إمدادات الغاز إلى محطات التوليد، مشيرة إلى "عودة تدريجية" للأوضاع التشغيلية الطبيعية.

وأوضحت الشركة، في بيان جديد، أن الشبكة كانت على أعتاب مرحلة من التحسن التدريجي، نتيجة الجهود الفنية والتشغيلية المتواصلة التي بذلتها فرقها خلال الأسابيع الماضية لمعالجة تداعيات الأزمة والحفاظ على استقرار المنظومة الكهربائية، إلا أن الحدث المفاجئ الذي وقع الثلاثاء، أدى إلى تعطيل هذا التحسن بشكل مؤقت.

وأكدت أن "المؤشرات التشغيلية الحالية تبعث على التفاؤل"، وأن "الأزمة بشكل عام تسير في طريقها إلى الانفراج التدريجي، مع استمرار عودة وحدات التوليد إلى الخدمة وتحسن أداء الشبكة الكهربائية".

وجددت الشركة دعوتها إلى ضرورة تحييد المؤسسات والمنشآت الحيوية عن أي تجاذبات أو ممارسات قد تؤثر على الخدمات الأساسية، حفاظاً على مصالح المواطنين وضماناً لاستمرار المرافق العامة في أداء مهامها.

تحرك حكومي "بعد صمت"

ويرى المحلل السياسي الليبي خليفة معتوق، أن التطورات الأخيرة تدفع المشهد المحلي نحو مزيد من التعقيد، معرباً عن اعتقاده بأن الأحداث الراهنة قد تقود إلى "سيناريوهات مخيفة".

وفي حديثه لـ"الشرق"، دعا معتوق، المنحدر من غرب ليبيا، إلى تحرك حكومي عاجل، معتبراً أن اقتحام مجمع مليتة في طرابلس وإغلاق خطوط الغاز المغذية لمحطات إنتاج الكهرباء يمثلان تصعيداً خطيراً في إطار الاحتجاجات المستمرة ضد انقطاعات الكهرباء.

ووفق معتوق، فإن "الصمت الحكومي، (الذي ساد لفترة قبل أن تكسره الحكومة)، كان مفهوماً في البداية لإتاحة المجال أمام المحتجين للتعبير عن مطالبهم، لكن عندما تتحول الاحتجاجات إلى المساس بالمؤسسات الحيوية، يصبح التدخل الحاسم ضرورة لحماية المواطنين".

لكن بعد صمت استمر يومين، أعلنت حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا، الثلاثاء، تأمين المجمع الذي اقتحمه المحتجون، واستئناف ضخ الغاز إلى محطات توليد الكهرباء.

ووفق تقارير إعلامية موثوقة، أوضحت الحكومة أن استئناف ضخ الغاز جاء عقب تكليف قوات من وزارة الدفاع ورئاسة الأركان العامة بتأمين المجمع، بهدف ضمان سلامة العاملين واستعادة إمدادات الغاز اللازمة لتشغيل محطات الكهرباء، تمهيداً لإعادة التيار الكهربائي تدريجياً واستقرار الشبكة العامة.

من جانبه، أصدر رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة تعليمات إلى وزارة الدفاع ورئاسة الأركان العامة بالتحرك الفوري لـ"بسط السيطرة الكاملة" على مجمع مليتة وتأمينه، وإعادة فتح خطوط الغاز المغذية لمحطات إنتاج الكهرباء، وفق المصدر نفسه.

وتطرق معتوق إلى الشعارات السياسية التي رفعها المحتجون، ومن بينها إسقاط الحكومة وجميع المؤسسات التنفيذية والتشريعية، معتبراً أن ذلك لا يبدو مفاجئاً في بيئة سياسية متقلبة ومضطربة تشهدها ليبيا بشكل عام.

وأضاف معتوق، أن المحتجين ينتمون إلى فئات مختلفة، فهناك مواطنون محبطون خرجوا إلى الشوارع بسبب الانقطاعات المتكررة للكهرباء في ظل ارتفاع درجات الحرارة، وهدفهم التنديد بأزمة تردي الخدمات بشكل عام.

واستدرك معتوق قائلاً: "لكن هناك من يندس بين المتظاهرين ويحاول استغلال غضبهم لتحقيق مآرب سياسية، أو حتى شخصية، وهذا ما نلاحظه اليوم، إذ تحاول بعض الأطراف تحويل هذا الغضب إلى ساحة لتصفية الحسابات مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة".

تحركات شعبية "غير سياسية"

في رؤية مختلفة، قلل رئيس حزب "صوت الشعب" الليبي، فتحي الشبلي، من أهمية التحركات الاحتجاجية، معتبراً أن المظاهرات "النابعة من ردة فعل لا يمكن التعويل عليها في إحداث نتيجة، مثل إسقاط الحكومة".

وفي تصريحاته لـ"الشرق"، قال الشبلي، إن "ما يحدث اليوم في طرابلس هو ردة فعل على انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، وعلى المعاناة التي يعيشها المواطنون".

وأضاف الشبلي، أن ما يمنح هذه الاحتجاجات طابعاً خاصاً هو أنها "ليست شاملة، إذ لم تمتد إلى جميع مدن ومناطق غرب ليبيا، وإنما تتركز في مناطق محدودة، مثل سوق الجمعة شرقي طرابلس، وتاجوراء الواقعة على بعد 21 كيلومتراً من وسط العاصمة، وجنزور غربي طرابلس، وتتمثل في إغلاق الطرق، وإشعال الإطارات، ووضع أكوام من الرمال أمام بعض الوزارات".

وأضاف الشبلي أنه، وباعتبار أن هذه التحركات "غير مؤطرة وغير منظمة"، ولم تتحول إلى حالة غضب شعبي شاملة، فإنه يعتقد أنها "لن تتوسع بالشكل الذي يدفع الحكومة إلى الاستقالة أو إلى الاستجابة للمطالب المطروحة".

بدوره يرى المحلل السياسي الليبي محمد امطيريد، أنه "مع اتساع رقعة الاحتجاجات وارتفاع سقف الشعارات، بدأ المشهد يكتسب أبعاداً سياسية، لأن أي احتجاجات واسعة في العاصمة أو المدن الرئيسية تحمل بطبيعتها رسائل تتجاوز الجانب الخدمي، وتضع أداء السلطة التنفيذية موضع تقييم ومساءلة".

وفي حديثه لـ"الشرق"، يقول امطيريد إن "الاحتجاجات التي تشهدها مدن غرب ليبيا جاءت في الأساس نتيجة تراكم الأزمات المعيشية، وعلى رأسها الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي وتراجع مستوى الخدمات العامة".

وأشار إلى أن ذلك "ولّد حالة من الاحتقان الشعبي بعد سنوات من الوعود دون حلول ملموسة"، مؤكداً أن هذا الأمر يجعل "الدافع الأول لهذه التحركات مطلبياً وخدمياً، ومرتبطاً بالحياة اليومية للمواطن".

ورداً على ما يذهب إليه البعض من أن الاحتجاجات تهدف بشكل مباشر إلى إسقاط حكومة طرابلس، قال امطيريد إن هذا الطرح "يبقى في إطار التقديرات السياسية، ولا توجد حتى الآن مؤشرات تؤكد أن جميع الحراكات الشعبية تتحرك وفق هدف سياسي موحد، فالمتظاهرون ليسوا كتلة واحدة، وتوجد بينهم مطالب واتجاهات مختلفة".

وجه آخر للغضب

يربط منسق "فريق الحوار والمصالحة السياسية" في ليبيا، زياد علي سلطان، الاحتجاجات بملف التسوية السياسية، متحدثاً عما وصفه بـ"سبب خفي" وراء موجة الغضب الشعبي في غرب البلاد.

وقال سلطان، في حديثه لـ"الشرق"، إن "صراعات تلوح في الأفق خلال هذه الفترة على خلفية المبادرة الأميركية، التي تواجه معارضة واسعة في المنطقة الغربية، مقابل تأييد وترحيب في الشرق، وقد يكون ذلك أحد الأسباب الخفية وراء أزمة الكهرباء".

وأشار إلى ما وصفه بـ"المفارقة"، موضحاً أن "ليبيا دولة منتجة للنفط والغاز، ولا تواجه أي مشكلة في توفير كميات الغاز اللازمة لتشغيل محطات الكهرباء"، معتبراً أن ذلك يرجح وجود "خيوط خفية" وراء ما يحدث، تتمثل في الضغط لعرقلة تمرير المبادرة الأميركية.

وأضاف أن "أزمة الكهرباء، التي نلاحظ امتدادها، وإن كان بشكل محدود، إلى دول مجاورة مثل تونس ومصر، قد تكون مرتبطة بهذه الضغوط".

ووفقاً لرؤيته، فإن "الأمر يتجاوز كونه موضوعاً فنياً يخص الشركة العامة للكهرباء، بل يمثل وسيلة من وسائل الضغط، ويرتبط بشكل أو بآخر بالمبادرة الأميركية، التي تحظى بقبول واسع لدى أحد طرفي الصراع، فيما تواجه معارضة جزئية من الطرف الآخر"، في إشارة ضمنية إلى معسكري الشرق والغرب.

وتقود المبادرة الأميركية لتسوية الأزمة الليبية إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عبر مستشاره لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط، مسعد بولس، وتراهن على خطوات اقتصادية وأمنية تدريجية، ترى أنها تمهد لإنهاء الانقسام وتوحيد مؤسسات الدولة، بدلاً من البدء بحسم الخلافات الدستورية والانتخابية.

وتقوم الخطة، وفق تصريحات سابقة أدلى بها بولس، على توحيد الحكومة والمؤسسات السيادية، وضمان استقرار قطاع النفط، وتشجيع الاستثمارات الأميركية، بالتوازي مع بناء قنوات تعاون بين القيادات العسكرية والأمنية في الشرق والغرب.

كيف تتعامل حكومة طرابلس؟

وفي ضوء التحرك الحكومي، وبينما تترقب الأوساط الليبية رد فعل المحتجين وخطواتهم المحتملة، خاصة في ظل الدعوات إلى مواصلة الاحتجاجات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قدم رئيس حزب "صوت الشعب" الليبي، فتحي الشبلي، تقييمه لأداء الحكومة في التعامل مع الأزمة.

وقال الشبلي، إن "حكومة الوحدة الوطنية تتعامل مع ما يحدث بقدر كبير من الهدوء، بعدما علمتها التجارب السابقة ذلك.. ولسنا بعيدين عما حدث عندما خرجت احتجاجات مناهضة للتطبيع مع إسرائيل، إذ شهد ميدان الشهداء آنذاك أعداداً كبيرة من المحتجين استمرت لأيام، قبل أن تتراجع تدريجياً حتى تلاشت".

وبناءاً على ما سبق، يرى الشبلي أن "ما يحدث الآن لن يفضي إلى تغييرات في المشهد السياسي، وأن وتيرة الاحتجاجات ستتراجع مع مرور الوقت، وقد تستمر يوماً أو يومين أو ثلاثة، ثم تنتهي كما انتهت احتجاجات سابقة".

وأضاف أن الحكومة في طرابلس تتعامل مع الاحتجاجات بمبدأ: "دعهم يغلقون الطرق، دعهم يحرقون، لا تتصدوا لهم"، معتبراً أن حدة المظاهرات ستخف. لأنها، "كما قلنا، غير مؤطرة أو منظمة، ولا تمتلك قيادة قادرة على الدفع نحو رفع سقف المطالب بما يؤدي، على سبيل المثال، إلى إسقاط الحكومة أو إجبارها على تقديم تنازلات".

من جهته، يعود سلطان قائلاً، (في إطار استعراضه لتطورات المشهد الميداني)، إنه كان موجوداً في طرابلس الليلة الماضية، مضيفاً: "كانت الكهرباء مقطوعة، لكننا لم نرَ احتجاجات كبرى، إذ كانت حركة السير طبيعية، والناس على الشواطئ، والمقاهي مفتوحة، وهذا يؤكد أن ما يصدر عن ردة فعل وحدها لا يؤدي إلى نتيجة".

لكن الهدوء الذي رصده سلطان لم يستمر طويلاً، إذ تحرك المحتجون بعد ساعات قليلة وأغلقوا خطوط الغاز في مجمع مليتة النفطي، قبل أن تنتشر مقاطع فيديو رصدتها "الشرق"، تُظهر محتجين داخل غرفة التحكم بالمجمع، الذي يضم خطوط الغاز المغذية لمحطات إنتاج الكهرباء في مختلف أنحاء ليبيا.

سيناريوهات متباينة

ولا يستبعد المحلل السياسي الليبي محمد امطيريد "محاولة بعض القوى السياسية استثمار حالة الغضب الشعبي للضغط على الحكومة أو تحقيق مكاسب سياسية خاصة، في ظل استمرار الانقسام والصراع على السلطة، وهو أمر شهدته ليبيا في أكثر من محطة خلال السنوات الماضية".

وحذر امطيريد من أنه "في حال استمرت الأزمة الخدمية من دون معالجات حقيقية، فقد تتطور الاحتجاجات من مطالب مرتبطة بتحسين الخدمات إلى مطالب سياسية أوسع، تتعلق بإعادة تشكيل السلطة وتسريع العملية السياسية، إذ إن استمرار تراجع مستوى المعيشة في ظل غياب الحلول يزيد احتمالات اتساع رقعة الاحتجاجات، ويجعلها أكثر تأثيراً في المشهد السياسي الليبي بشكل عام".

بدوره، يتبنى المحلل السياسي خليفة معتوق، المخاوف ذاتها، ويرى أن ما يحدث اليوم قد يدفع نحو سيناريوهات قاتمة.

وقال معتوق، "لا أحد يستهين بأي احتجاجات تندلع في طرابلس أو أي منطقة من غرب ليبيا، لأنه بغض النظر عن المطالب التي يرفعها المتظاهرون الذين خرجوا إلى الشارع، سيظل هناك من يندس بينهم لاستغلال حراكهم العفوي وتحويله لخدمة أهداف سياسية معينة".

وعلى سبيل المثال، لا يستبعد معتوق أن يكون "تحرك محتجين من سوق الجمعة في طرابلس منظماً، بمعنى أنه يستثمر غضب المواطنين من الانقطاعات الطويلة للكهرباء للانتقام من الدبيبة، على خلفية التوتر الذي ساد بينه وبين جهاز الردع عقب محاولاته تفكيكه في مايو 2025، قبل أن يتوصل الجانبان إلى اتفاق".

ويتبع هذا الجهاز المجلس الرئاسي الليبي، كما توسع نطاق نفوذه بعد اشتباكات خاضها عام 2022 ضد كتيبة "ثوار طرابلس"، ليمتد من معقله الرئيسي في بلدية سوق الجمعة وطريق الشط إلى مناطق "طرابلس المركز والفرناج وعين زارة".

وعلاوة على هذا الجهاز، يشير معتوق إلى "وجود تشكيلات مسلحة أخرى متناحرة مع الحكومة، تجد في أي احتجاجات فرصة للاندساس واستغلال المطالب الشعبية، بما يحولها من حراك عفوي إلى أداة بيد أطراف تتصارع على النفوذ والسلطة".

وإجمالاً، يرى معتوق أن "معظم المحتجين ينتمون إلى حراك في منطقة لديها حسابات سياسية مع الدبيبة وحكومته، والدليل على ذلك أن المتجمعين صباح الاثنين أمام مقر شركة ليبيانا للاتصالات والتقنية في بلدية سوق الجمعة رفعوا لافتات مناهضة لسياسات حكومة الدبيبة".

وأضاف معتوق، أن "هؤلاء المتظاهرين أنفسهم لا يخفون عداءهم ومناهضتهم لسياسات الدبيبة منذ اشتباكات مايو 2025، وقد أكدوا في بيان لهم أن هدفهم هو شل الحكومة بالكامل".

وفي خلاصة تقييمه للمشهد، قال معتوق، إن "ما يحدث في طرابلس هو احتجاجات تضم عدداً من المواطنين الغاضبين بسبب انقطاع الكهرباء، لكن هناك أيضاً عدداً كبيراً ممن دخلوا على خط الغضب بهدف استثماره لتحقيق مآرب أخرى، وهو ما يفسر عدم تدخل الحكومة أو إصدارها أي تعقيب بشأن ما يجري".

ورداً على ما بدا أنه تلميح إلى انخراط حراك "سوق الجمعة" في تسييس مطالب المحتجين، اكتفى الناطق باسم الحراك، أبو بكر مروان، بالقول إن "الحراك يستهدف تحسين الأوضاع المعيشية للمواطن الليبي لا غير".

وأوضح مروان، في تصريحات لـ"الشرق"، أن "الأمر بيد الشارع، فهو من يرفع الشعارات التي يريد تحقيقها، ونحن لا نريد أن تكون قيادة الاحتجاجات لمنطقة معينة، بل أن تكون جميع المناطق منخرطة فيها، فالمواطن الليبي هو صاحب الحراك".

واعتبر أن "حراك سوق الجمعة هو جزء من حراك الشعب"، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن الشعب الليبي بسيط ومطالبه بسيطة، وتتلخص في الحصول على الخدمات ومقومات الحياة الكريمة.

على الخط الفاصل بين الاقتصاد، بوجهه المرتبط باهتمامات المواطن الليبي من حيث توفير الخدمات الأساسية، وبين السياسة، يقدم وزير الدولة السابق للشؤون الاقتصادية في ليبيا، سلامة غويل، رؤيته للمشهد الراهن.

وفي حديثه لـ"الشرق"، قال غويل إن الاحتجاج السلمي "حق مشروع تكفله المبادئ الدستورية والمواثيق الدولية، وهو وسيلة حضارية للتعبير عن معاناة المواطنين، لا سيما عندما يتعلق الأمر بتردي الخدمات الأساسية، مثل انقطاع التيار الكهربائي وتراجع مستوى الخدمات العامة، وما يترتب على ذلك من أعباء يومية على المواطنين".

وفي الوقت نفسه، استدرك غويل قائلاً إن "معالجة هذه الأوضاع يجب أن تتم في إطار الحفاظ على الاستقرار، واحترام الشرعية الدولية، وتجنب أي فراغ في السلطة قد يفاقم الأزمة ويزيد من معاناة الليبيين".

وأضاف أن المطلوب اليوم هو أن "تستمع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى الصوت الحقيقي للمواطن الليبي، وأن تدعم مساراً سياسياً جاداً يحقق التغيير عبر الوسائل السلمية، ووفق المرجعيات والشرعية الدولية، بما يضمن انتقالاً منظماً، وتوحيد المؤسسات، وصولاً إلى انتخابات حرة ونزيهة تمنح الشعب الليبي وحده حق اختيار من يحكمه".

وشدد غويل على أن "حماية حق المواطنين في التعبير السلمي، والحفاظ على مؤسسات الدولة، والعمل على إنهاء المرحلة الانتقالية عبر توافق وطني يحظى بدعم الشرعية الدولية، هو الطريق الأكثر أماناً لتحقيق الاستقرار وبناء دولة القانون والمؤسسات".

تصنيفات

قصص قد تهمك