بريطانيا.. خطط السيادة الرقمية تنذر بصدام مع واشنطن | الشرق للأخبار

بريطانيا.. خطط "السيادة الرقمية" تهدد صفقات "بالانتير" وتنذر بصدام مع واشنطن

صورة تعبيرية لشعار شركة "بالانتير" Palantir الأميركية. 16 فبراير 2025 - Reuters
صورة تعبيرية لشعار شركة "بالانتير" Palantir الأميركية. 16 فبراير 2025 - Reuters

تعهدت حكومة رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنام بشراء تقنيات الذكاء الاصطناعي البريطانية، وذلك في محاولة لتعزيز "السيادة الرقمية" للبلاد، والتقليل من الاعتماد على عمالقة التكنولوجيا الأميركية، إلا أن سلسلة من القرارات المرتقبة ستضع هذا الوعد على المحك وقد تؤجج التوترات عبر الأطلسي، حسبما أوردت  مجلة "بوليتيكو".

وأعلنت حكومة بيرنام، خططاً لتبسيط تعريف معايير "القيمة الاجتماعية" في قرارات الشراء، للتركيز على خلق فرص العمل مع زيادة وزن العقود الأكبر، وذلك بهدف تعزيز الفوائد التي تعود على المجتمعات المحلية وتقليل الإجراءات البيروقراطية المعقدة التي تُفضل الموردين الأكبر والأكثر خبرة، فيما قال وزير الذكاء الاصطناعي، كانيشكا نارايان، إن هذه التغييرات تهدف إلى "ضمان حصول الشركات البريطانية الناشئة على فرص المشاركة" في العقود الحكومية.

وتُعدّ شركة Palantir "بالانتير" الأميركية العملاقة للتكنولوجيا، والتي تُثير جدلاً واسعاً، محوراً للعديد من هذه القرارات، إذ من المقرر أن تُقرر الحكومة البريطانية بحلول نهاية العام الجاري، ما إذا كانت ستُجدد عقد "بالانتير" البالغ 330 مليون جنيه إسترليني، لتزويد هيئة الخدمات الصحية الوطنية NHS بمنصة بيانات موحدة.

كما ستُمنح الحكومة أولى العقود بموجب السجل الصحي الموحد SPR، وهو سجل رقمي جديد سيجمع بيانات المرضى الصحية المتفرقة، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت "بالانتير" ستُقدم عرضاً للحصول على عقد السجل الصحي الموحد، لكن بعض المشرعين البريطانيين، حثوا الحكومة بالفعل على استبعادها كمورد محتمل في أعقاب إطلاق منصة البيانات الموحدة.

اقرأ أيضاً

أوروبا والذكاء الاصطناعي.. قاعدة علمية قوية أمام تحدي المنافسة العالمية

تمتلك أوروبا قاعدة علمية قوية في الذكاء الاصطناعي، لكنها تواجه تحديات في تحويل الابتكار إلى شركات ومنتجات ومنافسة عالمية. ماذا تقول دراسة أوروبا 2031؟

في غضون ذلك، تعمل وزارة الداخلية البريطانية على وضع خطة طموحة لدمج قواعد بيانات الشرطة بكلفة سنوية متوقعة تبلغ 250 مليون جنيه إسترليني، وتتنافس شركة "بالانتير" على تنفيذها.

وتأتي هذه القرارات في أعقاب ضغوط سياسية مكثفة من أعضاء البرلمان والناشطين وبعض قطاعات التكنولوجيا البريطانية، لحث الحكومة على تقليل اعتمادها على عمالقة التكنولوجيا الأميركية ودعم البدائل البريطانية.

وقد تركزت هذه الضغوط بشكل خاص حول شركة "بالانتير"، نظراً لعملها المكثف مع إدارة الرئيس دونالد ترمب والتصريحات المثيرة للجدل التي أدلى بها مؤسساها.

وبينما لم يُدلِ بيرنام برأيه في شركة "بالانتير" منذ توليه رئاسة الوزراء، فقد وعد بـ"استخدام سلطة الحكومة لدعم الشركات البريطانية"، مواصلاً بذلك إصلاحات المشتريات التي أُدخلت في عهد سلفه كير ستارمر.

ولا يقتصر القلق بشأن عقود الشركة مع القطاع العام على السياسيين البريطانيين فحسب، بل تبحث حكومات في جميع أنحاء أوروبا عن بدائل لهذه الشركة الأميركية التي تبلغ قيمتها 300 مليار دولار.

ضغوط على الحكومة البريطانية

وفي انتظار رد الفعل، صعّد النواب ضغوطهم على الحكومة لتقليل اعتمادها على شركة "بالانتير".

وكتبت لجنة العلوم والابتكار والتكنولوجيا بالبرلمان البريطاني في يونيو الماضي: "من بين عدد قليل من مزودي التكنولوجيا الذين يعتمد عليهم القطاع العام في المملكة المتحدة، تُثير بالانتير قلقنا الأكبر"، واصفةً دورها في العديد من العقود الرئيسية بأنه "نقطة ضعف غير مقبولة".

وحثّت الحكومة على إنهاء عقد شركة "بالانتير" لتطوير البرمجيات، والاقتصار قدر الإمكان على التعامل مع موردين بريطانيين.

كما أيّدت لجنة الصحة والرعاية الاجتماعية، إنهاء عقد "بالانتير" لتطوير البرمجيات في يوليو الماضي، مشيرةً إلى انعدام الثقة وعدم وضوح الأدلة على فوائده، مع التأكيد على إمكانية توفير بدائل محلية لخدمات مماثلة.

وقالت هيئة UKAI التجارية، إن شركات الذكاء الاصطناعي البريطانية "قادرة على توفير تشخيص أسرع في هيئة الخدمات الصحية الوطنية، وتخفيف العبء الإداري على العاملين في الخطوط الأمامية، وتقديم خدمات محلية أكثر استجابة".

اقرأ أيضاً

رئيس وزراء بريطانيا الجديد.. معضلات اقتصادية أمام بيرنام

يرث رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنام اقتصاداً مثقلاً بالديون وارتفاعاً في التضخم، في وقت تتزايد فيه الضغوط لخفض فواتير الطاقة وتحسين مستوى المعيشة.

لكن في رسالة وجّهتها إلى حكومة بيرنام الشهر الماضي، قالت: "لا تزال عمليات الشراء في القطاع العام بطيئة، وتُفضّل الشركات الأجنبية الكبيرة القائمة، حتى في الحالات التي تستطيع فيها الشركات البريطانية المبتكرة تقديم خدمات أكثر أماناً وجودةً وأقل كلفةً".

وجادل جاك بيرشكي، مؤسس شركة Great Wave AI الناشئة في بريطانيا، بأن الشركات البريطانية قادرة على توفير العديد من الميزات نفسها التي تقدمها شركة Palantir، لكن موظفي الخدمة المدنية، يفتقرون إلى "الثقة" اللازمة لإشراك شركات أقل رسوخاً في العقود الكبرى.

وقال ماكس بوكان، مؤسس شركة Valarian، المزودة لمنصات الذكاء الاصطناعي، إن تركيز الحكومة على "دعم القدرات البريطانية من خلال المشتريات أمر مشجع". وأضاف: "في عالم أكثر تقلباً، يُعدّ الفشل في بناء قدرات سيادية في مجال الذكاء الاصطناعي مخاطرة لا يمكننا تحملها ببساطة".

وبدأت شركات الذكاء الاصطناعي البريطانية بالفعل في الفوز بعقود، وإن لم تكن بعدُ من أكثر الصفقات حساسية أو على نطاق منافسيها الأميركيين.

تأجيج التوترات عبر الأطلسي

لكن المتشككين يحذرون من أن بريطانيا تُخاطر بتأجيج التوترات عبر الأطلسي وعزل نفسها عن أفضل التقنيات، بل إن المؤيدين أنفسهم يقولون إن الوعود لن تُجدي نفعاً ما لم تُترجم إلى صفقات ملموسة للشركات المحلية.

ومنذ عام 2018، ذهب أكثر من نصف إنفاق الدولة على الذكاء الاصطناعي إلى شركات أميركية، بينها "بالانتير" و"مايكروسوفت" وIBM.

في يونيو الماضي، تعهدت وزيرة الخزانة آنذاك، راشيل ريفز، بتغيير هذا الوضع، وأصدرت تعليمات للوزارات باستخدام "استثناءات الأمن القومي" لتجاوز قواعد الشراء في العقود المتعلقة بأربعة مجالات، من بينها الذكاء الاصطناعي، وذلك "لتعزيز قدرتنا على الصمود وضمان عدم تعرض المملكة المتحدة لصدمات في سلاسل التوريد".

ووفقاً للوثائق التوجيهية، ينبغي على المسؤولين النظر في الاستثناءات عند استخدام الذكاء الاصطناعي في "الخدمات الوطنية الأساسية" أو لمعالجة المعلومات الحساسة.

وتسمح هذه التوجيهات للمسؤولين بالخروج عن معايير "القيمة مقابل المال" الصارمة، والنظر في عوامل مثل دور القدرات المحلية.

وقال بول درايسون، عضو مجلس اللوردات عن حزب العمال ووزير سابق يرأس شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، إن هذه التوجيهات "مرحب بها للغاية وتأخرت كثيراً"، مشيراً إلى أن دولاً أخرى تستخدم الشراء لصالح المصلحة الوطنية منذ سنوات. وأضاف: "طالما لم يتحول هذا إلى عائدات، فلن يُحدث فرقاw بالنسبة للشركات الناشئة".

بدوره، يُصرّ جون هيلي، خليفة ريفز في وزارة الخزانة البريطانية، على أن هذه الحملة الأخيرة لن تفشل كما فشلت تعهدات المشتريات الحكومية السابقة.

وقال هيلي هذا الشهر: "سترون في هذه الحملة عزماً لم تشهدوه من قبل من أي حكومة بريطانية"، متعهداً بضمان أن "تشتري الوزارات المنتجات البريطانية ليس فقط عند الإمكان، بل عن قصد".

وجادل مات كليفورد، المستشار الحكومي السابق لشؤون الذكاء الاصطناعي، هذا الشهر بأن شركة "بالانتير" لا تُشكل تهديداً للسيادة البريطانية لأن برمجياتها تُدار محلياً. 

وقد حذر لويس موسلي، الرئيس التنفيذي لشركة "بالانتير" في بريطانيا، من أن قطع العلاقات مع الشركات الأميركية سيؤدي إلى فقدان المملكة المتحدة إمكانية الوصول إلى أحدث التقنيات.

لكن لورا جيلبرت، المديرة التنفيذية في معهد "توني بلير" ومؤسسة حاضنة الذكاء الاصطناعي الحكومية، قالت إنه "على المملكة المتحدة استخدام البيانات العامة لبناء قدراتها المحلية، بدلاً من الاعتماد على برامج احتكارية تابعة لجهات أخرى".

وأوضحت جيلبرت، أن منصة تطوير البرمجيات المالية FDP، هي بالضبط نوع الخدمة التي ينبغي على المملكة المتحدة تطويرها داخلياً أو بالتعاون مع موردين محليين.

ولتحقيق هذه الرؤية، يقول ممثلو الشركات الناشئة إن هناك حاجة أولاً إلى تغييرات جوهرية في كيفية شراء الحكومة للتكنولوجيا وتطويرها بالتعاون مع الشركات الناشئة.

تصنيفات

قصص قد تهمك