
أظهرت نتائج استطلاع، أجرته "بوليتيكو" ومؤسسة "Public First"، أن نصف الأميركيين، بمن فيهم نحو ربع ناخبي الرئيس دونالد ترمب في 2024، لا يزالون يرون أن حملته للترحيل الجماعي للمهاجرين "مفرطة في التشدد والعدوانية".
وذكرت "بوليتيكو" أن إدارة ترمب تُحاول تهدئة حملة الترحيل الجماعي، في وقت يواجه فيه الجمهوريون صعوبات لاحتواء الضرر الذي ألحقته سياسات الرئيس الأميركي بشأن الهجرة على موقف الناخبين من الحزب.
ومع تبقي أقل من 90 يوماً على انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، سعت إدارة ترمب إلى إبعاد مسؤولي وكالة الهجرة والجمارك عن العناوين، من خلال الحد من المداهمات الاستعراضية واسعة النطاق في المدن التي يحكمها الديمقراطيون، وتقليص المواجهات العلنية مع السكان والمتظاهرين.
لكن الاستطلاع الذي أُجري بين 8 و12 أغسطس الحالي عبر الإنترنت، وشارك فيه 2004 من الأميركيين البالغين، يبيّن أن نصف المشاركين على الأقل لا يزالون يرون أن حملة الرئيس للترحيل الجماعي "مفرطة في التشدد".
وهذه النسبة، وفقاً لـ"بوليتيكو"، تكاد تكون من دون تغيير مقارنة بنتائج استطلاعات يناير وأبريل، وذلك وسط تصاعد الغضب السياسي بعد مصرع مواطنين أميركيين اثنين في مينيابوليس على أيدي عناصر فيدراليين.
وأشارت النتائج إلى أن الناخبين، الذي صوتوا لترمب في 2024 من دون أن يُعرّفوا أنفسهم بأنهم من أنصار حركة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً" (MAGA)، أكثر ميلاً بمرتين من أنصار الحركة إلى وصف حملة الترحيل الجماعي بأنها "مفرطة في التشدد"، بنسبة 31% مقابل 15%.
ويُبرز استمرار هذا الموقف السلبي لدى الناخبين نقطة ضعف للجمهوريين قبل انتخابات نوفمبر، في وقت يحاول الحزب فيه تحديد رسالته ونهجه السياسي تجاه قضية كان يهيمن عليها سابقاً.
قضية الهجرة والانتخابات
وكانت الهجرة قضية انتخابية مضمونة المكاسب بالنسبة للجمهوريين، إذ نجح الحزب في حشد الناخبين حول أمن الحدود والسلامة العامة، أما الآن، فلا يواجه صعوبة في إقناع الناخبين المترددين فحسب، بل أيضاً في الحفاظ على تماسك ائتلافه الانتخابي، الذي بدأ ينقسم بشأن عمليات الترحيل.
وقال الخبير الاستراتيجي الجمهوري المقيم في أريزونا باريت مارسون: "كان الناخبون يريدون فعلاً تأمين الحدود، لكنهم لم يرغبوا في مشاهدة الجدة تُقتاد بعيداً لأنها عاشت هنا 40 عاماً من دون وثائق قانونية".
ووجد الاستطلاع أن نسبة ملحوظة من الأميركيين تعتقد أن الإدارة غيّرت طريقة تنفيذ عمليات الترحيل عقب حوادث إطلاق النار المميتة، لكن ذلك لم يكن كافياً لتغيير الموقف من استراتيجية الإدارة بشأن الترحيل.
وقال 56% من الأميركيين إن تغييراً، ولو محدوداً، طرأ على طريقة تنفيذ إدارة ترمب حملة الترحيل.
لكن النسبة الأكبر من هؤلاء، والبالغة 44%، قالت إن هذه التغييرات لم تؤثر في مستوى ثقتها بالإدارة بشأن الهجرة.
ورأى 30% أن التغييرات جعلتهم أقل استعداداً للثقة بالإدارة في هذا الملف.
ومن بين 71% من ناخبي ترمب الذين لاحظوا تغييراً، ولو محدوداً، في نهج الإدارة، قال نحو نصفهم، بنسبة 48%، إن هذه التغييرات لم تُحدث "أي فرق" في مستوى ثقتهم بالإدارة بشأن الهجرة.
واعتبر 19% أنها جعلتهم أقل ميلاً إلى الثقة بها، مقابل 29% قالوا إنها زادت ثقتهم بها.
وقال ويت أيرز، وهو خبير استطلاعات جمهوري في واشنطن، إن هدف الإدارة المتمثل في زيادة أعداد المعتقلين والمرحلين لا يزال قائماً، حتى مع اتباع نهج أقل ظهوراً في وسائل الإعلام.
وأضاف أن ذلك يتعارض مع ما يؤيده كثير من الناخبين بصورة عامة، وهو استهداف المهاجرين الموجودين في البلاد بصورة غير قانونية ممن ارتكبوا جرائم.
ولفت أيرز إلى أن عدم تغير مواقف الناخبين "ليس مفاجئاً على الإطلاق"، حيث رأى أن من الأسهل بكثير الذهاب إلى مطار والعثور على شخص تجاوز مدة تأشيرته، وتقدم بطلب لتمديدها، ثم تكبيله ووضعه في مركز احتجاز.. هذه هي الطريقة السهلة لرفع الأرقام، وهي أيضاً وسيلة ممتازة لإثارة عداء الرأي العام بالكامل".
بدوره، قال خبير استراتيجي جمهوري آخر، طلب عدم الكشف عن هويته للتحدث بصراحة عن المشهد السياسي، إن ترمب "خاض الانتخابات على أساس تأمين الحدود، وهو ينفذ ما وعد به".
وأضاف: "لكن مشاهد الفوضى تطغى، للأسف، على مشاهد النجاحات، ولا شك في أن التغطية الإعلامية المكثفة والمتواصلة للفوضى المصاحبة لتحركات وكالة الهجرة والجمارك تجعل الناخبين يشعرون بالنفور والقلق".
تحرك جمهوري لاحتواء التداعيات السياسية
من جانبه، أشار البيت الأبيض إلى استطلاع أُجري في الربيع وأظهر أن 80% من الأميركيين يؤيدون ترحيل المهاجرين غير النظاميين الذين ارتكبوا جرائم.
كما استشهد ببيان لوزارة الأمن الداخلي سلّط الضوء على اعتقال مهاجرين اتُّهموا بـ"الاعتداء الجنسي على طفل، والاعتداء الجنسي بالقوة، وحيازة المخدرات".
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض لورين بيس: "أعاد الأميركيون الرئيس ترمب إلى البيت الأبيض بتفويض واضح لترحيل المهاجرين غير الشرعيين المجرمين، وفي كل يوم، تُنفذ إدارة ترمب وعده للشعب الأميركي بإبعاد القتلة والمتحرشين بالأطفال والمغتصبين وأعضاء العصابات عن المجتمعات الأميركية".
وأضافت: "الأميركيون ممتنون للرئيس لإبعاده هؤلاء المجرمين عن أحيائهم ولجعله الولايات المتحدة آمنة من جديد".
وبدأ تفوق الحزب الجمهوري في قضية الهجرة بوصفها قضية انتخابية يتآكل بعد فترة قصيرة من عودة الرئيس إلى البيت الأبيض. وسرعان ما أفرزت حملات إنفاذ القانون المكثفة مشاهد واسعة الانتشار لاعتقالات داخل المحاكم والمطارات وفي شوارع الأحياء السكنية.
وتصاعدت ردود الفعل المعارضة على مدى أشهر، وبلغت ذروتها هذا العام عقب مصرع أليكس بريتي ورينيه جود في ولاية مينيسوتا.
وتحرك البيت الأبيض سريعاً لاحتواء التداعيات السياسية، فهُمّش قائد حرس الحدود آنذاك جريج بوفينو، وأُرسل مسؤول ملف الحدود توم هومان لتهدئة التوترات.
ومنذ ذلك الحين، سعت الإدارة إلى تجنب الجدل بشأن الهجرة قبل انتخابات التجديد النصفي، وركزت على اعتقال المتهمين بارتكاب جرائم، كما غيّرت قيادة وزارة الأمن الداخلي.
ومنذ أن تولى ماركواين مولين قيادة الوزارة في مارس، تراجع عن سياسات مثيرة للجدل، من بينها خطة لتحويل مستودعات ضخمة إلى مراكز احتجاز.
ومع ذلك، يشعر بعض الجمهوريين بقلق خاص من أن النهج المتشدد بشأن الهجرة يضر بالحزب لدى كتل انتخابية رئيسية، مثل الشباب والجمهوريين المعتدلين والناخبين من أصول لاتينية.
وحصل الرئيس على 46% من أصوات الناخبين اللاتينيين في انتخابات 2024، وهي أعلى نسبة يحققها أي مرشح رئاسي جمهوري في التاريخ الحديث، لكن قلق هؤلاء الناخبين من سياسة ترمب بشأن الترحيل يتزايد.
الديمقراطيون يستغلون قضية الهجرة
في المقابل، يسلط الديمقراطيون الضوء خلال حملاتهم على الأساليب المتشددة لإدارة ترمب، مراهنين على أن عدد الناخبين النافرين من الوجود المتزايد لوكالة الهجرة والجمارك والعناصر الفيدراليين الآخرين في مجتمعاتهم يفوق عدد الممتنين لذلك.
واستغلت نائبة حاكم مينيسوتا بيجي فلاناجان، التي فازت الأسبوع الماضي بترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ، خطاب النصر لمهاجمة منافستها مرشحة الحزب الجمهوري ميشيل تافويا.
وقالت: "قدمت ميشيل تافويا دعمها الكامل لترمب عندما كانت وكالة الهجرة والجمارك تُرهب جيراننا".
أما الجمهوريون، فينقسمون بشأن المسار الذي ينبغي اتباعه، إذ يخوض المتشددون في ملف الهجرة مواجهة مع المعتدلين القلقين، الذين يطالبون بتركيز عمليات الترحيل على مرتكبي الجرائم.
ولم يقتصر الأمر على أن ناخبي ترمب غير المنتمين إلى حركة "MAGA" أكثر ميلاً من أنصارها إلى اعتبار حملة الترحيل الجماعي مفرطة في التشدد، بل كشف استطلاع "بوليتيكو" أيضاً عن انقسام حاد في دعم كل طرف لأهداف سياسات الرئيس بشأن الهجرة وطريقة تنفيذها.
وقال نحو ثلثي ناخبي ترمب المنتمين إلى الحركة، بنسبة 64%، إنهم يؤيدون أهداف حملة الترحيل وطريقة تنفيذها معاً، مقارنة بـ35% فقط من ناخبي ترمب غير المنتمين إليها.
ورأى المتشددون من أنصار الرئيس ومؤيدي السياسات الصارمة تجاه الهجرة أن الإدارة بدأت تتساهل في تنفيذ تعهد ترمب بالترحيل الجماعي، ما قد يدفع قاعدة اليمين المتشدد إلى العزوف عن التصويت، في وقت لا يستطيع الحزب تحمل تراجع نسبة المشاركة.
وظهر هذا الانقسام بوضوح الشهر الماضي، عندما علّق ماركواين مولين مؤقتاً بعض عمليات وكالة الهجرة والجمارك لتوقيف المركبات، وهي وسيلة كانت تستخدمها الوكالة لزيادة أرقام الاعتقالات، وذلك عقب حادثتي إطلاق نار ارتبطتا بعناصر الوكالة أثناء عمليات توقيف مركبات في تكساس ومين.
وفي حين رحّب بعض الجمهوريين بقرار مولين، اعتبره أنصار الرئيس ضمن حركة "MAGA" على أنه دليل ضعف.
وقالت المعلقة المحافظة تومي لارن عبر منصة "إكس" آنذاك: "نتعرض للخيانة في الوقت الفعلي. إذا كنتم تريدون بقاء ناخبي ترمب في منازلهم خلال نوفمبر، فاستمروا على هذا النهج يا ماركواين ومن معك".
وعقب ردود الفعل المعارضة عبر الإنترنت، ألغى الرئيس الأميركي توجيه وزارة الأمن الداخلي.











