
هاجم عشرات من المستوطنين الإسرائيليين المسلحين الملثمين، السبت، منازل فلسطينيين في محيط قرية قصرة قرب نابلس بالضفة الغربية المحتلة، في أول هجوم كبير منذ أن أثار حصار فرضه مستوطنون بالمنطقة، في وقت سابق من أغسطس، موجة تنديد دولية.
ونقلت وكالة "رويترز" عن شهود قولهم إن المستوطنين حاصروا منزلاً فلسطينياً وألقوا الحجارة عليه، بينما كان 7 فلسطينيين عالقين داخله.
وقال الجيش الإسرائيلي، في بيان، إن "عشرات من المشاغبين الإسرائيليين" وصلوا إلى ما وصفه بـ"منطقة بنيامين" الاستيطانية وبدأوا برمي الحجارة على فلسطينيين ومدنيين آخرين.
وعندما وصلت القوات الإسرائيلية، تم التعرف على العشرات من مثيري الشغب الذين تحصنوا في منزل فلسطيني، كان به سكان فلسطينيون، بحسب البيان، الذي أضاف أن مثيري الشغب هاجموا صحفيين أجانب بالمكان، ورشقوهم بالحجارة وحطموا نوافذ سياراتهم.
وجاء في البيان أن قوات من الجيش الإسرائيلي وشرطة الحدود وصلت إلى المكان لإبعاد "مثيري الشغب" وحماية السكان داخل المنزل.
اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين
ونقلت "رويترز" عن صدام عدي، الذي كان بين العالقين، قوله إن الجيش الإسرائيلي أطلق الغاز المسيل للدموع داخل المنزل واحتجز السكان الفلسطينيين فيه، بينما سُمح له بالمغادرة. وأضاف أن الجيش الإسرائيلي لم يحتجز أياً من المستوطنين المعتدين وسمح لهم بالرحيل.
وقال لؤي البيروتي، صاحب المنزل، إن الجيش بعد وصوله قيّد جميع من كانوا في الداخل وغطى أعينهم وضربهم قبل أن يفرج عنهم لاحقاً.
ولم يرد الجيش الإسرائيلي بعد على طلب للتعليق بشأن ما أثير عن إطلاقه الغاز المسيل للدموع على المنزل واحتجازه وضربه السكان.
وقال البيروتي إنه بعد أن اتصل بالجيش الإسرائيلي لطلب المساعدة، ظل هو و6 آخرون محاصرين داخل المنزل لأكثر من ساعة بينما كان المستوطنون يلقون الحجارة.
وأظهر البيروتي لمراسل من رويترز ذراعه المضمدة، التي قال إنها أصيبت بحجر خلال الهجوم.
وقال عدي، وهو مسعف، إن 4 من المحاصرين أصيبوا جراء الغاز المسيل للدموع، فيما أصيب اثنان بالحجارة التي ألقاها المستوطنون.
ووقع الهجوم على بعد بضع مئات الأمتار من 3 منازل فلسطينية حاصرها مستوطنون هذا الشهر، مما أثار تنديداً دولياً وأدى إلى انتشار عسكري إسرائيلي مكثف يقول السكان إنه أبقاهم فعلياً محاصرين داخل منازلهم.
وقال لؤي أبو ريدة، وهو فلسطيني أميركي كان منزله أحد 3 منازل تعرضت للحصار هذا الشهر: "رصد (المستوطنون) السكان وهم يعملون في منزل، لا يزال قيد الإنشاء، وبدأوا بإلقاء الحجارة"، وأضاف أنه شاهد هجوم السبت من منزله.
وقال أبو ريدة إنه رأى توغلات شبه يومية لمستوطنين إسرائيليين في المنطقة المحيطة بمنزله، رغم الوجود العسكري الإسرائيلي الكثيف في المنطقة.
نتنياهو و"الإرهاب اليهودي"
ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قوله في بيان: "أدين بشدة الأعمال الإجرامية العنيفة التي ترتكب في قريتي قصرة وجالود على يد مجموعة من المشاغبين الذين ينتهكون القانون، ويسببون ظلماً هائلاً للجمهور الملتزم بالقانون من المستوطنين، ويتدخلون في تنفيذ مهام الجيش الإسرائيلي، ويضرون بمكانة إسرائيل في العالم".
وذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية أن نتنياهو أفاد لأول مرة بأن جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) كان مشاركاً في التحقيق، مضيفاً: "تصرفت قوات الأمن بسرعة، وصادرت 3 سيارات وأنهت الحادثة في وقت قصير، ويجري الجيش الإسرائيلي والشاباك والشرطة تحقيقاً مكثفاً على الأرض، وأتوقع من وكالات إنفاذ القانون اعتقال مثيري الشغب وتقديمهم للعدالة في أقرب وقت ممكن".
وعلق زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لبيد على الأحداث قائلاً: "سبتٌ آخر من أعمال الشغب العنيفة في يهودا والسامرة (الضفة الغربية المحتلة)".
وتطرق إلى المستوطنين المعتدين على الفلسطينيين قائلاً في منشور عبر منصة "إكس": "هؤلاء الأشخاص وصمة عار أخلاقية على دولة إسرائيل، وإن إخفاق الحكومة في التعامل معهم يُعد عاراً وطنياً يتسبب في ضرر هائل لمكانتنا في العالم.. لقد حان الوقت لوضع حد للإرهاب اليهودي في يهودا والسامرة (الضفة)".
هآرتس: إرهاب المستوطنين يتفاقم
من جانبها، حذرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية من تفاقم ظاهرة ما وصفته بـ"إرهاب المستوطنين"، متهمة نتنياهو بتضليل الرأي العام لتقليله من خطورة الأمر، خلافاً لتقارير إسرائيلية ودولية.
وتحت عنوان "هل إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية حقاً من فعل حفنة مراهقين؟"، لفتت الصحيفة إلى تصريحات سابقة لنتنياهو عن الظاهرة، إذ زعم في مقابلة مع شبكة "FOX NEWS"، في ديسمبر 2025، أن عنف المستوطنين ظاهرة هامشية. وقال: "الأمر مبالغ فيه للغاية، إنهم يتحدثون عن حفنة من الأطفال، نحو 70 طفلاً، ليسوا من الضفة الغربية، مراهقون ينحدرون من عائلات مفككة".
وفي يوليو، عدّل هذا الرقم صعوداً، وصرح لشبكة "CNN" بأن الأمر يتعلق بـ"150 أو نحو ذلك مما قد تسمونه طيش الأحداث"، والذين تم "جلبهم" إلى الضفة الغربية.
وأضاف نتنياهو أنهم "ليسوا من مجتمع المستوطنين، وهم مواطنون ممتثلون للقانون ومتميزون يتعرضون للمجازر على يد الفلسطينيين".
وتقول "هآرتس": "وفقاً لمسؤولين أمنيين إسرائيليين، الظاهرة أوسع بكثير، وتضم مئات الإسرائيليين من مختلف الأعمار، وفي مؤتمر المراجعة السنوية لشرطة إسرائيل في منطقة الضفة الغربية في فبراير، قدر المسؤولون أن نحو 300 مراهق وبالغ، يعيشون في البؤر الاستيطانية والمزارع الجبلية بالضفة المحتلة، يشاركون بانتظام في حوادث عنف (ضد الفلسطينيين)".
وبينما قالوا إن نحو 70 منهم فقط يُعتبرون "مؤثرين ومثيرين للمشاكل"، لم تَرُد الشرطة على سؤال صحيفة "هآرتس" بشأن سبب عدم إلقاء القبض على أولئك الذين تم تحديدهم كمشاغبين أو محرضين رئيسيين.
ومع ذلك، زعم نتنياهو لشبكة "CNN" أن السلطات تتخذ إجراءات ضد المستوطنين العنيفين، قائلاً: "لدينا تحقيقات حقيقية.. نحن دولة شفافة.. لا يمكننا إخفاء الجرائم هنا، سواء في الجيش أو الشرطة".
وتلفت "هآرتس" إلى تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتقصي الشؤون الإنسانية (أوتشا)، يفيد بأنه منذ بداية عام 2023 وحتى مايو من هذا العام، كانت تلك "الحفنة" ذاتها مسؤولة عن أكثر من 5300 هجوم تنطوي على أذى جسدي أو أضرار بالممتلكات.
كما تُقيم الوزارات الإسرائيلية، بحسب الصحيفة الإسرائيلية، نطاق هذه الظاهرة بأنه أكبر بكثير مما وصفه نتنياهو.
وأشارت إلى تقرير بصحيفة "يديعوت أحرونوت" أفاد مؤخراً بأنه، كجزء من برنامج حكومي لمعالجة المشكلة، ستخصص الدولة 50 شيكلاً (حوالي 17 دولاراً) يومياً لكل شاب من بين 657 شاباً يعيشون في المزارع والبؤر الاستيطانية الجبلية بالضفة الغربية المحتلة.
ووفقاً للتقرير، الهدف هو "تقديم الدعم لهؤلاء الشباب حتى لا ينجرفوا إلى العنف".
مظاهر عنف المستوطنين
وذكرت "هآرتس" أن أيّام الجمعة والسبت تشهد ذروة الهجمات التي يشنها المتطرفون اليهود، وتقول: "الجناة، الذين لا تردعهم حرمة يوم السبت اليهودي، غالباً ما يضرمون النار في منازل الفلسطينيين وسياراتهم".
وأضافت: "في عطلة نهاية الأسبوع ينضم إليهم (شباب المستوطنين) أصدقاء من المستوطنات المجاورة أو طلاب المدارس الدينية (اليشيفا)، ولا تقتصر المشاركة على المدنيين وحدهم؛ إذ يقدم جنود الاحتياط (الإسرائيليون) وأفراد فرق الأمن المدنية المحلية الحماية والتأمين في كثير من الأحيان أثناء اقتحام المستوطنين لأراضي الفلسطينيين".
وتتابع الصحيفة الإسرائيلية: "ما كان يُوصف سابقاً بأنها حوادث غير عادية أصبح أمراً روتينياً: مستوطن يحمل بندقية عسكرية يقف حارساً بينما يضرم آخرون النار في السيارات بقرية فلسطينية؛ جندي احتياط ثمل يداهم قرية ويطلق النار في الهواء؛ جندي احتياط يحمي شريكاً ملثماً أثناء سرقته حصاناً من قرية فلسطينية، وانتهت بعض هذه الحوادث بسقوط قتلى".
وتختتم "هآرتس" تقريرها قائلة: "في الواقع، فإن معظم الفلسطينيين، الذين قُتلوا في هجمات المستوطنين خلال الأشهر الأخيرة، أُطلق عليهم النار بواسطة مستوطنين يحملون أسلحة تسلموها من الجيش الإسرائيلي".
وتقول جماعات حقوقية إن تزايد وجود المستوطنين على أطراف القرى الفلسطينية، مثل قصرة، يأتي في إطار جهود أوسع يبذلها المستوطنون للاستيلاء على مزيد من أراضي الفلسطينيين، بما يقوض مساحة الأراضي التي يطمح الفلسطينيون في إقامة دولة عليها.
وتصاعد عنف المستوطنين اليهود في الضفة الغربية المحتلة، ويشعر بعضهم بجرأة في ظل حكومة نتنياهو، التي تشرف على توسع استيطاني كبير في المنطقة.
وتعتبر هيئات تابعة للأمم المتحدة ومعظم الدول المستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي المتعلق بالاحتلال العسكري.











