"نفوذ ترمب" يواجه مقاومة متزايدة داخل أميركا وخارجها | الشرق للأخبار

من كارني وميلوني إلى الجمهوريين في الكونجرس.. "نفوذ ترمب" يواجه مقاومة متزايدة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في حديقة البيت الأبيض. 24 أغسطس 2026 - Reuters
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في حديقة البيت الأبيض. 24 أغسطس 2026 - Reuters

تبدو "موجة الخضوع" التي طبعت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في بداية ولايته الثانية، آخذة في الانحسار، مع تنامي مقاومة قادة دول ومؤسسات داخل الولايات المتحدة وخارجها لضغوطه ومطالبه، في تحول قد يختبر حدود نفوذ الرئيس الأميركي، وفق "نيويورك تايمز".

وقالت الصحيفة إن ترمب في ولايته الثانية، اعتاد التصعيد بإطلاق تهديدات صاخبة بعقوبات قاسية عندما لا يستجيب الطرف الآخر لمطالبه، وينتهي الأمر باستسلام الطرف الآخر.

إلا أن مارك كارني، رئيس الوزراء الكندي، رفض قبول هذا السيناريو. فقد أدى رفضه الرضوخ للإنذار التجاري الذي وجهه ترمب، حتى مع تحمّل كلفة الرسوم الجمركية الانتقامية، إلى قلب سردية الولاية الثانية للرئيس. فبدلاً من الاستسلام، يختبر كارني ما إذا كان تحدي ترمب يمكن أن يكون استراتيجية قابلة للنجاح.

واعتبرت "نيويورك تايمز" أن عصر الرضوخ الذي ميّز عودة ترمب إلى السلطة "ربما بدأ في التراجع". ففي بعض الحالات على الأقل، يبدي قادة دول ومؤسسات داخل الولايات المتحدة استعداداً أقل للخضوع لإرادة ترمب.

ورفض قادة أوروبيون الانضمام إلى حرب إيران، كما رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشكل قاطع خطته بشأن غزة. وأجبرت دول عربية خليجية ترمب على التخلي عن خطط لفرض رسوم على حركة الشحن في مضيق هرمز.

وتواجه الجامعات وشركات المحاماة توجيهاته بالرفض بدلاً من توقيعها، بينما تتمرد أسواق السندات على سياساته المالية. وحتى شبكة ABC، التي اعتُبر دفعها 16 مليون دولار لتسوية دعوى قضائية رفعها ترمب مثالاً مبكراً على الرضوخ للرئيس، اكتشفت أن الصفقة "لم تشترِ السلام"، وهي الآن تقاضي إدارته بسبب تهديدها بسحب تراخيص البث الخاصة بها.

وترى الصحيفة أن أياً من ذلك "لا يعني أنه ينبغي التقليل من شأن ترمب". فعلى الرغم من تراجع شعبيته إلى مستويات تاريخية منخفضة أو اقترابها منها، لا يزال الشخصية الأكثر هيمنة على الساحة الدولية، وقادراً على إعادة صياغة النقاش العالمي بقرار مفاجئ عبر منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، كما أنه لا يتردد في استخدام السلطة بطرق لم يلجأ إليها أسلافه.

ولا يزال بإمكانه إخضاع كندا وإسرائيل من خلال قوة شخصيته أو الرسوم الجمركية أو وسائل أخرى. كما منحت المحكمة العليا ترمب مراراً ضوءاً أخضر لاستخدام سلطاته التنفيذية بالطريقة التي يراها مناسبة، سواء للسيطرة على وكالات مستقلة، أو بناء قاعة الاحتفالات التي يعتز بها، أو محاولة تقويض التصويت عبر البريد.

تراجع دعم الجمهوريين في الكونجرس

وفي كل مرة يتوقع فيها أحد أن يبدأ الجمهوريون في الكونجرس أخيراً بإظهار قدر من الاستقلالية، يثبتون خطأ تلك التوقعات، حسبما ترى "نيويورك تايمز". وعلى الرغم من أنهم قاوموا ضغوطه في بعض الحالات مؤخراً، فإن موافقة مجلس الشيوخ على تعيين تود بلانش مدعياً عاماً أكدت أنه لا يزال مهيمناً على الجناح البرلماني لحزبه.

لكن حتى بين الجمهوريين، تظهر بعض المؤشرات المقلقة للرئيس. فعلى الرغم من نجاحه في معاقبة عدد من المشرعين الجمهوريين البارزين الذين اعتبرهم غير أوفياء، من خلال حشد قاعدته المؤيدة لحركة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً" Maga لهزيمتهم في الانتخابات التمهيدية للحزب هذا العام، رفض الناخبون الجمهوريون مرشحين أيدهم ترمب في 10 سباقات ترشيح، بينها 6 في أغسطس وحده. وتظهر استطلاعات الرأي تراجع دعمه بين الجمهوريين.

وقال نورم آيزن، المحامي السابق في البيت الأبيض خلال إدارة باراك أوباما ومؤسس مجموعة "صندوق المدافعين عن الديمقراطية"، التي تخوض عدة معارك قضائية ضد ترمب: "أعتقد أن الأسابيع الأخيرة كانت بمثابة نقطة تحول إلى حد ما".

وأضاف: "في الداخل والخارج، تقف القوى المؤيدة للديمقراطية، وكذلك الجميع، في وجهه بقوة أكبر وعلى نطاق أوسع بكثير".

وشارك آيزن، من بين آخرين، في معارك قانونية تتعلق بمركز جون إف كينيدي للفنون المسرحية، وحق الحصول على الجنسية بالولادة، والاحتياطي الفيدرالي، وكذلك قضية توقفت فيها ملاحقة عدّاء أولمبي سابق اتُّهم بتخريب حوض انعكاس المياه في نصب لنكولن التذكاري.

وقال آيزن إن أي تحول حدث يعود جزئياً إلى تجاوزات ترمب. وأضاف: "لقد كان ترمب أسوأ عدو لنفسه".

ويرفض ترمب ومستشاروه هذا التقييم بطبيعة الحال، ويشيرون إلى قدرته المستمرة على التأثير في الأحداث. ففي سلسلة من المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة، نسب الرئيس الفضل إلى نفسه في تراجع معدلات الجريمة، وأكد أنه ينتصر في حرب إيران. كما شكك في استطلاعات الرأي التي تظهر تراجع شعبيته، ورفض التقارير المتعلقة بخسائر حديثة في الانتخابات التمهيدية.

وكتب: "الاستطلاعات الفعلية رائعة، والروح المعنوية في بلادنا لم تكن يوماً أعلى مما هي عليه الآن. نحن ننتصر على الجميع، بما في ذلك إيران، التي تتجه نحو دوامة موت اقتصادي وعسكري".

وقال إن "تأييداته أقوى من أي وقت مضى"، مؤكداً أن المرشحين الجمهوريين الذين هُزموا رغم حصولهم على دعمه لم تكن لديهم فرصة للفوز من الأساس.

وكتب: "الخاسرون القلائل خسروا بسبب الولاء. كان من المستحيل تقريباً أن يفوزوا، لكنني شعرت بأنني ملزم بدعمهم لأنني، في رأيي، كنت أراهم أشخاصاً جيدين".

مؤسسات أميركية تقاوم ضغوط ترمب

ولم يكن ترمب مضطراً إلى تبرير الخسائر عندما عاد إلى البيت الأبيض للمرة الأولى العام الماضي. ففي الأشهر الأولى، بدا أنه يحقق انتصارات على جميع الجبهات. وعلى الرغم من عدم حصوله على تفويض قوي، إذ فاز بولاية ثانية بعد حصوله على 49.9% فقط من أصوات الناخبين، فإنه تمكن من فرض إرادته على مختلف أوجه المجتمع.

فقد أملى على الشركات الخاصة كيفية اتخاذ قراراتها، وعلى الجامعات كيفية التدريس. وجعل برامج التنوع شديدة الحساسية لدرجة دفعت أصحاب العمل في أنحاء البلاد إلى التخلي عنها. كما أضعف الوكالات الفيدرالية من دون الرجوع إلى الكونجرس، وسيطر على مركز كينيدي، واستخدم نفوذ الحكومة لملاحقة خصومه.

وفي هذه العملية، نجح في الضغط على آخرين لحملهم على تنفيذ رغباته. فقد سارعت شركات المحاماة والجامعات والمؤسسات الإعلامية والمليارديرات العاملون في قطاع التكنولوجيا إلى إظهار خضوعهم له، سواء عبر تغيير سياساتهم بما يتناسب معه أو الموافقة على صفقات بملايين الدولارات طالب بها.

وقال جاكوب وايسبرج، الذي وثّق هذا الاتجاه نحو الخضوع في كتاب جديد سيصدر الشهر المقبل بعنوان "ملفات في الجُبن" Profiles in Cowardice، إن الحوافز بدأت تنقلب، وإن الرضوخ لترمب يمكن أن يؤدي الآن إلى رد فعل عكسي مكلف.

واستشهد، على سبيل المثال، بموجة الانتقادات التي تعرضت لها جامعة ييل عندما بدأت التفاوض مع إدارة ترمب، وقال: "لقد ارتفعت الكلفة على الجانب الآخر نتيجة الاستسلام".

ومع ذلك، حذر وايسبرج من المبالغة في تقدير حجم التغيير حتى الآن. وقال: "هناك بعض المؤشرات، لكن ظهرت مؤشرات من قبل، وقد استبق الناس الأحداث".

وأضاف: "أعتقد أن الأمور ستبدأ في التحول في مرحلة ما، وأعتقد أن ذلك مرتبط بشعبية ترمب. لطالما اعتقدت أنه عندما تنخفض شعبيته إلى ما دون مستوى الثلاثينات، ستبدأ في الظهور سلوكيات مختلفة. وهناك بعض المؤشرات على أن ذلك يحدث".

أوروبا تتخلى عن استرضاء ترمب

وهناك مؤشرات على حدوث ذلك أيضاً في الخارج، على الأقل في أوروبا، وإلى حد أقل في الشرق الأوسط. فعندما أصبح ترمب رئيساً مجدداً العام الماضي، خضع حلفاء الولايات المتحدة في حلف الناتو لضغوطه ووافقوا على زيادة الإنفاق العسكري.

لكنهم الآن أكثر مقاومة لمطالبه على مختلف الأصعدة، بدءاً من رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز المنتمي إلى اليسار، وصولاً إلى رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني المنتمية إلى اليمين.

وقال ماثيو كرونيج، الزميل البارز في مركز سكوكروفت للاستراتيجية والأمن التابع للمجلس الأطلسي، للصحيفة: "من الجيد سياسياً بالنسبة إلى كثير من هؤلاء القادة الأوروبيين أن يتصدوا له".

وأضاف كرونيج، الذي كان مسؤولاً سابقاً في الأمن القومي خلال إدارات ثلاثة رؤساء من الحزبين، بينهم ترمب: "نرى ذلك بوضوح أكبر في إسبانيا، ولكن أيضاً في أماكن أخرى من أوروبا".

وبدا أن ذلك بدأ يتغير في وقت مبكر من العام، عندما دفع ترمب باتجاه السيطرة على جرينلاند، التابعة للدنمارك، وهي حليفة للولايات المتحدة في الناتو. بل إن ترمب ترك الباب مفتوحاً أمام استخدام القوة العسكرية للاستيلاء على الجزيرة الشاسعة، ما أثار احتمال دخول الناتو في حرب مع نفسه.

وبدلاً من محاولة استرضائه، كما فعلوا في الماضي، تحدث القادة الأوروبيون بقوة ضد ترمب، بل أرسل بعضهم عدداً محدوداً من القوات إلى جرينلاند لإجراء تدريبات عسكرية، في رسالة واضحة.

وقال جيريمي شابيرو، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية والذي يعمل حالياً في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، للصحيفة: "كانت جرينلاند نقطة تحول، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنها كانت هجوماً على سيادة أوروبا نفسها. وبدأ الأوروبيون يدركون عندها أنه لا حدود لشراهة ترمب ومطالبه".

وقال كرونيج إنه سمع الشيء نفسه من قادة أوروبيين، مضيفاً: "هذه نقطة يعودون إليها مراراً وتكراراً".

وأوضح: "من الطبيعي أن نقول إننا بحاجة إلى زيادة الإنفاق على الدفاع، ومن الطبيعي أن نخوض حرباً تجارية. لكن عندما يهدد حليف في الناتو باستخدام القوة العسكرية ضد حليف آخر في الناتو، فهذه خطوة تتجاوز الخطوط الحمراء".

ومع ذلك، أشار إلى أن القادة الأوروبيين لا يبحثون عن مواجهة مع ترمب أيضاً، وأنهم ما زالوا ملتزمين بزيادة الإنفاق العسكري.

وقال كرونيج: "يبدو أنهم يمضون بكل قوتهم". وأشار إلى أن المستشار الألماني فريدريش ميرتس، رغم انتقاده الحرب على إيران، يسمح للقوات الأميركية باستخدام قواعد في ألمانيا.

كندا ترفض الرضوخ

ويعيد الصدام مع كندا إلى الواجهة كثيراً من ذلك التاريخ. فقد واصل الجانبان تصعيد مواقفهما خلال الأيام الأخيرة. وقال كارني، في خطاب أعلن فيه الأسبوع الماضي وقف المفاوضات، إنه حذر منذ فترة طويلة من أن "أميركا تحاول كسر كندا حتى تتمكن من امتلاكها". وأضاف: "وقد وعدت بأن ذلك لن يحدث أبداً".

وهاجم ترمب كارني، الثلاثاء الماضي، واصفاً إياه بأنه "رئيس وزراء ضعيف عديم الجدوى"، وهدد بتغيير اسم بحيرة أونتاريو إلى "بحيرة أميركا"، قائلاً: "لأننا لا نتوقع أن نواصل ممارسة الكثير من الأعمال مع أونتاريو بعد الآن".

وقال كوش ديساي، المتحدث باسم البيت الأبيض، للصحيفة، إن ترمب قدم لكندا عرضاً جذاباً. وأضاف: "مع اعتماد جزء كبير من الاقتصاد الكندي على التصدير إلى الولايات المتحدة، التي يفوق اقتصادها الاقتصاد الكندي بأكثر من 12 مرة ويزيد عدد سكانها على سكان كندا بسبع مرات، فإن موقف كندا يتعلق بدرجة أقل بالتحدي وأكثر بما يمكن وصفه بالحماقة قصيرة الأجل".

ويراقب قادة حول العالم ما يجري. وقال شابيرو إنهم "يعتقدون في الغالب الآن أن التراجع أمام عدوان ترمب أو إهاناته لا يؤدي إلا إلى تشجيعه على تقديم مزيد من المطالب". وأضاف: "أعتقد أن كارني يضع نموذجاً للطريقة التي سيردون بها على تهديدات ترمب الجمركية مستقبلاً".

تصنيفات

قصص قد تهمك