إقالات هيجسيث لكبار الجنرالات تترك الجيش الأميركي بلا قيادة | الشرق للأخبار

إقالات هيجسيث لكبار الجنرالات تترك الجيش الأميركي بلا قيادة واضحة

وزير الحرب الأميركي بيت هيجسيث يتحدث خلال حفل في مقر البنتاجون لتكريم مشاة البحرية الذين خدموا في كابول. 26 أغسطس 2026 - Reuters
وزير الحرب الأميركي بيت هيجسيث يتحدث خلال حفل في مقر البنتاجون لتكريم مشاة البحرية الذين خدموا في كابول. 26 أغسطس 2026 - Reuters

أدت سلسلة من الإقالات والخلافات التي بدأها وزير الحرب الأميركي بيت هيجسيث إلى ترك الجيش الأميركي، إلى حد كبير، من دون قيادة واضحة، في وقت يكافح فيه للتعامل مع تهديد الطائرات المُسيرة والصواريخ الرخيصة والفتاكة التي استهدفت قواعد أميركية في الشرق الأوسط، حسبما ذكرت "نيويورك تايمز".

ولم يكن للجيش رئيس أركان، وهو أعلى مسؤول عسكري في الخدمة، منذ أن أقال هيجسيث الجنرال راندي جورج من منصبه دون تفسير، في أبريل الماضي، ولا توجد مؤشرات على أنه يقترب من اختيار خلف له، وفق مسؤولين حاليين وسابقين تحدثوا للصحيفة شريطة عدم الكشف عن هوياتهم لمناقشة مسائل حساسة تتعلق بشؤون الأفراد.

وأجبر هيجسيث ما لا يقل عن ثلاثة ضباط كبار، كان يُنظر إليهم على أنهم مرشحون محتملون لخلافة الجنرال جورج، على ترك مناصبهم.

كما يُتوقع أن يغادر وزير الجيش دان دريسكول، وهو أعلى مسؤول مدني في الجيش الأميركي، الإدارة خلال الأشهر القليلة المقبلة، وقد غادر بالفعل المنزل الكبير المخصص للعائلات الذي كان يستأجره في فورت ماير خارج واشنطن، وفق مسؤولين.

جبهات متعددة

وتأتي هذه الاضطرابات في وقت يواجه فيه الجيش، أكبر أفرع القوات المسلحة الأميركية، أكثر فتراته انشغالاً منذ حربي العراق وأفغانستان. ويتولى جنود الدفاع الجوي في الجيش الدور الرئيسي في حماية القوات الأميركية في الشرق الأوسط من الهجمات الصاروخية الإيرانية المتزايدة التطور.

وتوفر قيادة الجيش الأميركي في أوروبا معلومات استخباراتية ودعماً آخر بالغ الأهمية لأوكرانيا، التي تكافح لصد قوة روسية أكبر منها.

وحتى وقت قريب، كان دريسكول يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره مرشحاً محتملاً لخلافة هيجسيث إذا قرر الأخير التنحي أو فقد دعم الرئيس دونالد ترمب.

وكان دريسكول والجنرال جورج قد عملا معاً على إعداد الجيش لميدان معركة تعج بالطائرات المُسيرة. وفي أواخر العام الماضي، طلب البيت الأبيض من دريسكول الاضطلاع بدور رئيسي في مسعاه للتوصل إلى اتفاق سلام ينهي الحرب في أوكرانيا. لكن جهود السلام تعثرت إلى حد كبير، كما جرى تقليص حملة التحديث السريع.

وأصبح دريسكول بالكاد يتحدث مع هيجسيث، وفق مسؤولين. وكانت صحيفة "وول ستريت جورنال" قد أوردت في وقت سابق نبأ رحيله الوشيك.

تسييس الجيش

وبعيداً عن الجنرال جورج، أقال هيجسيث أو أجبر نحو ستة من كبار الضباط على ترك مناصبهم، وهم جيل من أكثر قادة الجيش خبرة في القتال، ما أدى إلى إضعاف صفوف القيادة العليا للجيش خلال السنوات المقبلة، حسبما نقلت "نيويورك تايمز" عن مسؤولين.

وقال النائب بات رايان (ديمقراطي من نيويورك)، وهو ضابط سابق في استخبارات الجيش، للصحيفة: "تفريغ صفوف الجيش من أكثر قادته خبرة في ساحات القتال وأكثرهم فتكاً وإثباتاً لقدراتهم في زمن الحرب يعني أن القوات أصبحت أقل أمناً، وأن احتمالات تحقيق النصر تراجعت".

وذكر مسؤولون عسكريون وأعضاء في الكونجرس أن مصدر قلق طويل الأمد يتمثل في أن تؤدي هذه الإقالات إلى إيصال رسالة مفادها أن الضباط الذين يقدمون مشورة عسكرية صريحة أو يفشلون في اجتياز اختبارات أيديولوجية لا مكان لهم في قوة يُفترض أن تكون غير حزبية.

وأضاف رايان: "نلحق ضرراً يمتد إلى جيل كامل يؤثر على فكرة أن الجيش مؤسسة موثوقة وغير مسيّسة، تقسم الولاء للدستور وليس لرئيس".

وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أن مكتب هيجسيث أحال أسئلتها المتعلقة بالإقالات وغياب القيادة العليا إلى الجيش، مضيفة أن الجيش رفض التعليق على وضع دريسكول، قائلاً إنه لا يتكهن بشأن "التغييرات في القيادة".

وقلل الجيش من شأن تأثير الإقالات. وقالت سينثيا سميث، المتحدثة باسم الجيش، للصحيفة: "يجسد قادة الجيش أعلى معايير الواجب ونكران الذات والتميز المهني. وهم يدفعون مهمة الجيش قدماً بنشاط، ويضمنون تحقيق أهدافنا الاستراتيجية، والحفاظ على مسار جهود التحديث، وعدم المساس بجاهزيتنا العالمية".

فراغ في القيادة

ويتمثل أحد مؤشرات الفراغ في قمة هرم القيادة بالجيش في عدد الجنرالات من فئة الأربع نجوم الذين يخدمون في صفوفه. ففي يناير 2025، عندما تولى هيجسيث منصبه، كان هناك 10 جنرالات ذوي أربع نجوم في الخدمة الفعلية. أما الآن، فلا يتجاوز عددهم خمسة، وهو أدنى مستوى منذ عقود.

وتتولى بعض تلك المناصب قيادات تركز على مناطق من العالم، مثل الشرق الأوسط أو آسيا، ويشغلها ضباط كبار من أفرع أخرى في القوات المسلحة. فيما أُلغيت بعض المناصب.

حرب إيران

ولا تزال مناصب أخرى شاغرة منذ أشهر، ومنها منصب الإشراف على قيادة التحول والتدريب في الجيش. وكان هيجسيث قد اختار الصيف الماضي الجنرال ديفيد هودن لقيادة هذه القيادة، قبل أن يقيله بعد ثمانية أشهر من دون تفسير.

وتتولى هذه القيادة مسؤولية تدريب وتجهيز الوحدات البرية في الجيش، بما في ذلك أطقم منظومات "باتريوت" المضادة للصواريخ. وتعد منظومات "باتريوت" خط الدفاع الرئيسي في مواجهة الصواريخ الباليستية الإيرانية التي تستهدف القواعد الأميركية في الشرق الأوسط.

ومع استمرار الحرب، أصبحت إيران خصماً أكثر مهارة، إذ تعلمت كيفية التحايل على الأنظمة الأميركية باستخدام صواريخ متطورة يمكنها تغيير مسارها فجأة. وأصاب صاروخ إيراني وحدات سكنية مسبقة الصنع في إحدى القواعد الأميركية في الأردن في 17 يوليو، ما أسفر عن سقوط ثلاثة جنود أميركيين وإصابة أكثر من 100 آخرين.

ورد الجيش على ذلك باستهلاك مخزونه المحدود من صواريخ "باتريوت" الاعتراضية بوتيرة متسارعة، وفق مسؤولي دفاع.

وشغر منصب هام آخر في يوليو الماضي، عندما خفض هيجسيث رتبة القيادة التي يتولاها الجنرال كريستوفر دوناهيو، والمسؤولة عن القوات البرية الأميركية في أوروبا، إلى مستوى ثلاث نجوم، ما أجبر أكبر ضابط في الجيش على التقاعد، ما لم يحصل على منصب آخر برتبة أربع نجوم.

وفي اليوم الأول من الحرب، أطلقت إيران موجات من طائرات "شاهد" المُسيرة، المشابهة لتلك التي يستخدمها الروس. وأصاب أحد الهجمات قاعدة للجيش الأميركي في الكويت، ما أسفر عن سقوط ستة جنود.

وكانت قيادة الجنرال دوناهيو قد دربت وجهزت فرقاً متخصصة في التصدي للطائرات المُسيرة، عبر الاستفادة من دروس الحرب في أوكرانيا، وجرى إرسالها سريعاً إلى الشرق الأوسط.

لكن شغور المنصب الأبرز يتمثل في غياب القيادة العليا منذ إقالة رئيس أركان الجيش الجنرال جورج قبل أربعة أشهر، والذي كان مسؤولاً بصفته عن تدريب وتجهيز وحدات الجيش المنتشرة في أنحاء العالم. وشملت مسؤولياته تسريع شراء الذخائر الحيوية، مثل صواريخ "باتريوت" الاعتراضية وأنظمة المدفعية "أتاكمز" وغيرها من الأسلحة البرية، التي تعاني القوات من نقص في مخزوناتها.

شكوك هيجسيث في قادة الجيش

وقال مسؤولون في الجيش إن الجنرال جورج واجه صعوبة في بناء علاقة مع هيجسيث، الذي وصل إلى وزارة الحرب وهو يحمل شكوكاً عميقة تجاه القيادة العليا للجيش، متأثراً بتجربته الشخصية. وبعد خدمته في العراق وأفغانستان، أُجبر هيجسيث على مغادرة الحرس الوطني بسبب "وشوم متطرفة.

وكتب هيجسيث في كتاب صدر عام 2024: "الجيش الذي أحببته، وحاربت من أجله، ووقرته، لفظني".

وبدا أن عدم ثقة هيجسيث بالجنرال جورج وغيره من كبار قادة الجيش يزداد مع مرور كل شهر في وزارة الحرب. ففي أكتوبر الماضي، أطاح هيجسيث بالجنرال جيمس مينجوس، نائب رئيس أركان الجيش، قبل عام من الموعد المقرر لمغادرته منصبه.

وعين هيجسيث والبيت الأبيض مكانه الجنرال كريستوفر لانيف، مساعد هيجسيث العسكري الأول، لتولي منصب الرجل الثاني في قيادة الجيش والإشراف على العمليات اليومية للجيش.

وأثار قرار هيجسيث تهميش الجنرال مينجوس من دون تقديم سبب واضح تحفظ بعض أعضاء مجلس الشيوخ، وأسهم في مزيد من تدهور علاقته المتوترة أصلاً مع الجيش والكونجرس.

وأقدم عدد من المشرعين، الذين أثار استياءهم افتقار هيجسيث إلى الشفافية بشأن قراراته المتعلقة بالتعيينات ومخزونات الجيش من الذخائر، على عرقلة ترشيح الجنرال لانيف، ما حال فعلياً دون توليه المنصب.

وفي البداية، اتهم هيجسيث الجنرال جورج بالتنسيق مع المشرعين الذين عرقلوا ترشيح لانيف، وفق مسؤولين في الكونجرس وزارة الحرب.

لكن مسؤولين في الكونجرس قالوا إن اتهام هيجسيث للجنرال جورج كان باطلاً، موضحين أن الأخير حث المشرعين على السماح بتمرير الترشيح لما فيه مصلحة الجيش وعلاقته بوزير الحرب.

وأدى لانيف اليمين نائباً لرئيس الأركان في فبراير. وبعد أقل من شهرين، أقال هيجسيث الجنرال جورج خلال مكالمة هاتفية استغرقت 15 ثانية، وفق مسؤولي دفاع.

ولا يحظى الجنرال لانيف، الذي اختاره هيجسيث لقيادة الجيش، حالياً بالدعم الكافي من الجمهوريين في مجلس الشيوخ للتصديق على تعيينه. وعادة ما يحظى الجنرالات والأدميرالات المرشحون لقيادة أفرع القوات المسلحة بإجماع أو شبه إجماع في مجلس الشيوخ.

ومن بين المعارضين لصعود لانيف السيناتور جوني إرنست (جمهورية من آيوا)، التي خدمت 22 عاماً في الحرس الوطني بالولاية.

وفي الوقت الحالي، يتولى الجنرال لانيف منصبي نائب رئيس الأركان ورئيس الأركان بالإنابة، وكلاهما من المناصب التي تتطلب رتبة أربع نجوم.

وقال منتقدون إن الجيش، في ظل غياب القيادة القوية، يخاطر بالتخلف عن خصوم مثل روسيا والصين، اللتين تحرزان تقدماً سريعاً في دمج الذكاء الاصطناعي والطائرات المُسيرة الجديدة ضمن تشكيلاتهما العسكرية.

وفي أول رسالة رئيسية له إلى القوات، نشرها عبر الإنترنت الأسبوع الماضي، كتب الجنرال لانيف عن هذه التحديات، محذراً من أن الجيش يجب أن يكون مستعداً "لإتقان بيئة عمليات تختلف بصورة جوهرية عن ساحات المعارك السابقة".

لكن مسؤولين قالوا إن لانيف أبدى، خلال محادثاته مع كبار قادة الجيش، قلقه من أن جهود أسلافه للتحديث لم تركز بالقدر الكافي على المهارات القتالية الأساسية. ولهذا السبب، تحدث عن ضرورة العودة إلى الأساسيات. وحذر قائلاً: "سندفع ثمن كل اختصار في التدريب وكل تقصير في الانضباط بالدماء".

تصنيفات

قصص قد تهمك