
تستعد روسيا لتصعيد هجماتها على أوكرانيا، بعدما خلصت إلى أن مفاوضات التوصل إلى اتفاق سلام وصلت إلى طريق مسدود، حسبما نقلت بلومبرغ عن أشخاص مقربين من الكرملين.
وتدرس موسكو في الوقت الراهن تكثيف هجماتها باستخدام الصواريخ الباليستية التقليدية القوية على كييف، بما في ذلك وسط العاصمة، إلى جانب استهداف البنية التحتية في مدن أوكرانية أخرى، بحسب الأشخاص الذين طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم نظراً لحساسية الأمر.
وقال الأشخاص إن جميع أطر التفاوض انهارت فعلياً، ما أعاد طرفي الحرب إلى نقطة الصفر. وأضافوا أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لن ينهي الحرب تحت ضغط العقوبات الاقتصادية والهجمات الأوكرانية على مصافي النفط وشبكات الخدمات اللوجستية الروسية.
وتنظر روسيا بشكل متزايد إلى الضربات الأوكرانية باعتبارها هجمات تنفذها دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، نظراً لتزويد تلك الدول كييف بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية، بحسب الأشخاص المقربين من الكرملين.
وأضافوا أن المرحلة الحالية من الأعمال القتالية لا تمثل ذروة التصعيد العسكري.
وألمح بوتين إلى نواياه في تصريحات أدلى بها خلال عطلة نهاية الأسبوع لمراسل في التلفزيون الرسمي، إذ قلل من تأثير الهجمات على الاقتصاد الروسي. وقال: "لقد فتحت أوكرانيا صندوق باندورا"، مضيفاً: "حسناً، فلتكن مستعدة لتلقي رد فعل عكسي يستهدف أكثر قطاعات اقتصادها حساسية".
تعثر الجهود الأميركية
ولم تنجح الجهود الأميركية لإنهاء الحرب في تحقيق انفراجة، بينما توقفت المفاوضات في ظل تركيز الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الصراع مع إيران.
كما تخلّى الكرملين عن التعويل على ما كان يعتقد أنه تفاهم تم التوصل إليه بين بوتين وترمب خلال قمة ألاسكا التي جمعتهما في أغسطس الماضي.
وكان ذلك التفاهم سيقتضي ضغط الولايات المتحدة على أوكرانيا للتنازل عن منطقة دونيتسك الشرقية، في إطار اتفاق لإنهاء الحرب.
ورفضت أوكرانيا باستمرار مطلب بوتين بتسليم حزام من المدن المحصنة في منطقة دونيتسك، والتي فشلت القوات الروسية في السيطرة عليها خلال المعارك المستمرة منذ عام 2014. وقال وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، في يونيو، بوضوح إن واشنطن لا تشاطر روسيا هذا التصور، مضيفاً: "لو كان هناك اتفاق، لكنا قد أنهينا الحرب".
وبعد محادثات مع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في الفلبين في يوليو، قال روبيو إن هناك حاجة إلى "مفاهيم جديدة".
تحركات استخباراتية
وفي تطور لافت، أجرى مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، جون راتكليف، زيارة نادرة إلى موسكو الثلاثاء لإجراء محادثات مع نظرائه الروس، رغم عدم وضوح الملفات التي ركزت عليها المحادثات.
وكان من المتوقع أن يتوجه المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى موسكو، بعد توقف دام ثمانية أشهر، وأن يزورا كييف للمرة الأولى، لكن لم يُعلن حتى الآن عن موعد لأي من الرحلتين.
وفي ظل غياب الدبلوماسية، ترى موسكو أن أمامها خيارات قليلة باستثناء مواصلة التصعيد سعياً لتحقيق أهدافها في الحرب، وفقاً لما نقلت "بلومبرغ" عن أربعة أشخاص مقربين من الكرملين.
وقال الأشخاص إن روسيا تأمل في أن يصل كوشنر وويتكوف إلى موسكو بمقترحات جديدة، لكن التوقعات بشأن تحقيق انفراجة منخفضة للغاية.
وبحسب شخصين مقربين من الكرملين، تعتقد روسيا أنها قدمت بالفعل تنازلات خلال الحرب، وأن كل تنازل منها أدى إلى إضعاف موقفها. وأضافا أن موسكو رأت أن "قمة ألاسكا" تمثل تنازلاً آخر انتهى بالفشل.
ولم يرد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف على الفور على طلب "بلومبرغ" للتعليق.
تصاعد الهجمات
وصعّدت روسيا وأوكرانيا هجماتهما الجوية على أراضي كل منهما خلال الأشهر الأخيرة.
واستهدفت أوكرانيا مصافي النفط الروسية، ما أدى إلى نقص واسع في الوقود داخل روسيا، كما قصفت مستودعات تابعة لعملاقي التجارة الإلكترونية "وايلدبيريِز" و"أوزون"، ما تسبب في أضرار بمليارات الدولارات لشبكات الخدمات اللوجستية.
في المقابل، كشفت الضربات الصاروخية الروسية على أوكرانيا عن نقص مزمن في صواريخ اعتراض الدفاع الجوي، ما ترك كييف عرضة لهجمات تستهدف منشآت الكهرباء والتدفئة، وأدى الشتاء الماضي إلى إغراق ملايين الأشخاص في البرد والظلام.
كما تستهدف روسيا وأوكرانيا السفن التجارية والموانئ التابعة لبعضهما البعض في منطقة البحر الأسود، ما يثير مخاوف بشأن تأثير ذلك على إمدادات الحبوب إلى الأسواق العالمية.
وتستحوذ الدولتان معاً على أكثر من ربع صادرات القمح العالمية، فيما تأتي هذه الهجمات خلال موسم حصاد هذا العام.
مخاوف نووية
ويؤدي تصاعد دوامة الضربات إلى دفع عدد متزايد من المسؤولين الروس إلى استنتاج أن بوتين قد يختار في نهاية المطاف استخدام أسلحة نووية تكتيكية كخيار أخير في أوكرانيا، وفقاً للأشخاص المقربين من الكرملين.
وتزايدت في الآونة الأخيرة الأحاديث داخل موسكو من جانب المتشددين الذين يدافعون عن اتخاذ مثل هذه الخطوة، معتبرين أن "الرد المتطرف ممكن"، لأن النتيجة الوحيدة التي ستكون أسوأ بالنسبة إلى بوتين من استمرار الحرب هي خسارتها.
وتحمل الأسلحة النووية التكتيكية رؤوساً حربية أقل قوة، كما أن مداها أقصر من الصواريخ الاستراتيجية، وهي مصممة للتأثير في ساحة معركة محددة بدلاً من تدمير مدينة أو دولة بأكملها. ومع ذلك، يمكن أن تكون قوتها التفجيرية هائلة، فيما قد تؤدي التداعيات الإشعاعية إلى تلويث مساحات واسعة من الأراضي.
لكن لا توجد حتى الآن مؤشرات على أن روسيا تستعد لإطلاق أسلحة نووية في أوكرانيا.
وأشارت "بلومبرغ" إلى أن الغزو الذي بدأه بوتين في فبراير 2022 كان يفترض أن يحقق انتصاراً خلال أيام، لكنه دخل الآن عامه الخامس، مع خسائر روسية ضخمة، ومن دون نهاية تلوح في الأفق.
ولجأ بوتين مراراً إلى التلويح بالسلاح النووي على مدى السنوات الماضية، في محاولة لترهيب حلفاء أوكرانيا الغربيين ودفعهم إلى تقليص دعمهم لدفاعها.
وقالت فيونا هيل، الباحثة البارزة في مؤسسة "بروكينجز" والتي عملت مستشارة للأمن القومي لثلاثة رؤساء أميركيين، من بينهم ترمب خلال ولايته الأولى: "بالنسبة إلى بوتين، لا توجد أي علامة على وجود إرادة جماعية في أي مكان لمقاومته". وأضافت: "بذل جهد جماعي ومنسق ومستمر لمقاومة أفعاله، والانخراط في الدبلوماسية، أمر ضروري. لديه تركيز أحادي على هدفه، بينما نحن مشتتون في كل الاتجاهات".
خطر منخفض للغاية
وقالت هيل إن إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن أبلغت روسيا فعلياً بأن الولايات المتحدة سترد بقوة عسكرية تقليدية إذا استُخدمت الأسلحة النووية في الحرب، لكنها شككت في أن يصدر ترمب التحذير نفسه.
وأضافت أن بوتين يختبر إلى أي مدى يمكنه الذهاب، وما الذي يحتاج إلى فعله قبل أن يستسلم الآخرون لمطالبه.
وحذرت دول رئيسية شريكة لروسيا، من بينها الصين والهند، بوتين بشدة من استخدام الأسلحة النووية.
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ومسؤول أوروبي رفيع الشهر الماضي إن الصين نقلت رسالة إلى روسيا تطلب منها عدم التفكير حتى في تفجير أسلحة نووية تكتيكية في أوكرانيا.
ومن المقرر أن يلتقي بوتين الرئيس الصيني شي جين بينج ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال قمة منظمة شنجهاي للتعاون في قرغيزستان الأسبوع المقبل.
وقال ألكسندر جابويف، مدير مركز كارنيجي روسيا وأوراسيا في برلين، إن "خطر استخدام روسيا أسلحة نووية تكتيكية لا يزال منخفضاً للغاية، لأن فعاليتها العسكرية في ساحة المعركة الموزعة حالياً محدودة، بينما ستكون الكلفة السياسية لكسر المحظور النووي مرتفعة".
وأضاف: "ما دامت موسكو تملك مجالاً للتصعيد باستخدام الأسلحة التقليدية، بما في ذلك تكثيف الضربات الصاروخية، فلديها حافز ضئيل لتجاوز العتبة النووية".










