
تمنح زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر هذا الأسبوع، دفعة جديدة للتعاون الاقتصادي والتكنولوجي والدفاعي، بالتزامن مع احتفال البلدين بمرور 70 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية، وسعيهما إلى توسيع شراكتهما الاستراتيجية.
وتأتي زيارة شي الأولى إلى مصر منذ عقد، فيما تتطلع بكين والقاهرة إلى توسيع نطاق التعاون ليتجاوز البنية التحتية، ويشمل التصنيع والقطاع المالي والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والتبادلات العسكرية.
كانت آخر زيارة لشي إلى مصر في يناير 2016، عندما اتفق البلدان على مواءمة مبادرة "الحزام والطريق" التي طرحتها الصين مع رؤية "مصر 2030"، فيما أصبح تطوير البنية التحتية وتعزيز القدرات الصناعية لاحقاً من الركائز الأساسية للعلاقات الثنائية.
وبعد 10 أعوام، يتحول التركيز بصورة متزايدة نحو الاستثمارات التي تستهدف تعزيز القدرة التصنيعية لمصر وتحسين قدرتها على إنتاج وتصدير سلع مرتفعة القيمة.
وقال السفير الصيني لدى مصر، لياو ليتشيانج، خلال ندوة أعمال حكومية صينية مصرية في القاهرة في 12 أغسطس الجاري، إن الاستثمارات الصينية في مصر تجاوزت 10 مليارات دولار، وإن أكثر من 3 آلاف شركة صينية تعمل في البلاد، نقلاً عن إحصاءات مصرية.
ويعكس حجم النشاط التجاري الصيني التوسع السريع في العلاقات الاقتصادية، لكن العلاقة لا تزال تواجه اختلالاً كبيراً في الميزان التجاري.
التحول من البنية التحتية إلى التصنيع
أستاذ كلية الدراسات العربية بجامعة الدراسات الأجنبية في بكين، هوانج تشاو ، أوضح خلال تصريحات لـ"الشرق"، أن صادرات مصر إلى الصين لا تزال تتركز في المنتجات الأولية، بما في ذلك الموارد الطبيعية والسلع الزراعية، بينما تهيمن المنتجات المصنعة على الصادرات الصينية إلى مصر.
وأضاف تشاو أن التصنيع يرتبط بشكل وثيق بالدورتين الاقتصادية المحلية والدولية في مصر، لكنه يمثل أيضاً إحدى العقبات الرئيسية التي تواجه الاقتصاد.
وعلى الرغم من أن مصر طرحت عدداً من المشروعات الصناعية وعززت بنيتها التحتية الصناعية، إلا أن ارتفاع تكاليف الإنتاج لا يزال يشكل قيداً رئيسياً.
وقال تشاو إن "قدرة مصر على معالجة ضغوط التكلفة ستكون حاسمة، فقد تظل وتيرة التصنيع غير متوازنة، وقد يصعب تحسين القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في الأسواق الدولية".
ولذلك، لا ينبغي النظر إلى العجز التجاري لمصر مع الصين بمعزل عن غيره، بحسب تشاو، إذ أنه "يعكس العجز التجاري الأوسع الذي تسجله مصر مع العديد من الاقتصادات الكبرى في العالم".
ويتمثل التحدي أمام مصر، وفق تشاو، ليس في تقليص عجزها التجاري مع الصين، وإنما في تعزيز قدرتها الصناعية، وخفض تكاليف الإنتاج، وتحسين القدرة التنافسية لصادراتها.
ولن يكون توسيع حجم التجارة وحده كافياً لمعالجة الاختلال الهيكلي، وقد يساعد تزايد الاستثمارات الصينية في قطاع التصنيع مصر على تطوير إنتاج ذي قيمة مضافة مرتفعة وتوسيع قدرتها التصديرية.
وبالنسبة إلى مصر، من المرجح أن تكون الأولوية للاستثمارات التي تنشئ قدرات إنتاجية داخل البلاد، بدلاً من الاكتفاء بزيادة الواردات.
وتعد السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والتصنيع المتقدم من بين القطاعات التي يمكن أن تدعم هذا التحول.
كما يجعل حجم السوق المحلية في مصر، وموقعها الاستراتيجي وقناة السويس، ووصولها إلى الأسواق العربية والإفريقية، منها قاعدة جذابة للإنتاج والتصدير للشركات الصينية.
التمويل والطاقة والأمن الغذائي
من المتوقع أن يظل التعاون المالي جزءاً مهماً من الأجندة الاقتصادية الثنائية بين البلدين. ففي يونيو الماضي، جدد بنك الشعب الصيني والبنك المركزي المصري اتفاقاً لمبادلة العملات المحلية بين البلدين، ورفعا قيمته من 18 مليار يوان، بما يعادل نحو 80.7 مليار جنيه مصري، إلى 30 مليار يوان، أي نحو 203 مليارات جنيه مصري. ويسري الاتفاق الجديد لمدة 3 أعوام.
ويتيح توسيع اتفاق مبادلة العملات للبنكين المركزيين إطاراً أكبر لدعم السيولة بالعملتين وتعزيز التجارة والاستثمار بين البلدين.
وفي هذا الإطار، أوضح نائب رئيس الجمعية الصينية لدراسات الشرق الأوسط، يو جيان هوا، خلال حديثه لـ"الشرق"، أن تعزيز التعاون المالي يمثل محوراً أساسياً لتعميق الشراكة الاقتصادية بين البلدين.
وأضاف أن توسيع اتفاق مبادلة العملات يمكن أن يسهّل التجارة والاستثمار بالعملات المحلية، ويقلل الاعتماد على عملات دول ثالثة، ويوفر سيولة إضافية عند الحاجة.
توسيع مجالات التعاون
ويأتي تجديد الاتفاق في وقت تسعى فيه بكين والقاهرة إلى توسيع مجالات التعاون الاقتصادي ليتجاوز البنية التحتية وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية.
وتشمل المجالات المتوقع أن تحظى باهتمام أكبر، صناعة السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة والمتجددة والصناعات عالية التقنية.
وتسعى مصر إلى تعزيز مكانتها كمركز للتصنيع والخدمات اللوجستية، فيما وسّعت الشركات الصينية حضورها في المناطق الصناعية ومشروعات البنية التحتية الكبرى في مصر.
ويمثل الأمن الغذائي مجالاً آخر يمكن أن يوسع فيه البلدان تعاونهما. إذ تسعى مصر إلى زيادة الإنتاج الزراعي واستصلاح الأراضي، بينما يمكن للخبرات الصينية في التكنولوجيا الزراعية والري والتنمية الزراعية واسعة النطاق أن تدعم هذه المشروعات.
كما يمكن للبلدين تعميق التعاون في مجالي التنمية الحضرية وإنشاء المدن الذكية، في ظل استمرار مصر في تحديث بنيتها التحتية.
وتشير هذه المجالات مجتمعة إلى تطور أوسع في العلاقات الثنائية، إذ تنتقل من التركيز على تطوير البنية التحتية إلى مجالات التصنيع ونقل التكنولوجيا والإنتاج المحلي.
مناورات جوية تعزز الثقة العسكرية
أصبح التعاون العسكري أكثر حضوراً أيضاً خلال السنوات الأخيرة. إذ تجري الصين ومصر ثاني تدريباتهما المشتركة للقوات الجوية تحت اسم "نسور الحضارة" في مصر، منذ 22 أغسطس وحتى أوائل سبتمبر المقبل.
وتشمل المناورات أنواعاً متعددة من الطائرات، فقد نشرت الصين مقاتلات J-16، وطائرات التزود بالوقود جواً YU-20، وطائرات الإنذار المبكر والتحكم الجوي KJ-500، ومروحيات Z-20، بينما تشارك مصر بمقاتلات "رافال" وMiG-29.
ونفذ سلاحا الجو في البلدين تدريبات تحاكي القتال الجوي على مسافات متوسطة وقريبة، ما أتاح للطيارين من الجانبين اختبار التكتيكات والمفاهيم العملياتية في بيئة تدريب مشتركة.
بدوره اعتبر العقيد المتقاعد، تشو بو، خلال حديثه لـ"الشرق"، أن المناورات أظهرت تنامي عمق التبادلات العسكرية بين الصين ومصر.
وأضاف تشو، وهو باحث في مركز الأمن والاستراتيجية الدوليين بجامعة تسينجهوا الصينية، أن مشاركة المقاتلات الصينية من طراز J-16 والمقاتلات المصرية من طراز "رافال" تحمل أهمية خاصة، إذ تتيح للجانبين فرصة اكتساب فهم أعمق لتكتيكات كل منهما ومفاهيمه العملياتية وأساليبه في القتال الجوي.
وبالنسبة إلى مصر، يوفر التدريب إلى جانب القوات الجوية الصينية معياراً إضافياً لتقييم قدراتها العملياتية، كما يتيح لطياريها اكتساب خبرة في التعامل مع عقيدة عسكرية مختلفة.
أما بالنسبة للصين، فتمنحها المناورات خبرة في نشر وتشغيل تشكيلة قوات متكاملة، تضم مقاتلات وطائرات للتزود بالوقود جواً وطائرات للإنذار المبكر والتحكم الجوي، في بيئة أجنبية.
ويمكن أن تسهم هذه المناورات في تعزيز الثقة والتفاهم بين الجيشين، مع توسيع نطاق التعاون الدفاعي ليتجاوز التبادلات العسكرية التقليدية.
وقد تثير العلاقات الدفاعية المتنامية تساؤلات بشأن مبيعات الأسلحة الصينية المستقبلية لمصر. لكن القاهرة حافظت على استراتيجية متنوعة في مجال المشتريات العسكرية، إذ حصلت على أنظمة أسلحة رئيسية من الولايات المتحدة وفرنسا ودول أخرى.
ومن شأن توسيع التعاون مع الصين، أن يمنح مصر فرصاً إضافية للحصول على التكنولوجيا والتدريب العسكريين، دون أن يترتب على ذلك بالضرورة تغيير جوهري في السياسة الدفاعية المصرية.
وقال تشو بو، إن العلاقات العسكرية ينبغي النظر إليها أيضاً في سياق أوسع لنهج الصين تجاه الشرق الأوسط.
وأوضح أن الصين لا تسعى لإقامة هيكل أمني إقليمي مماثل لذلك الذي تقوده الولايات المتحدة، وأن توسع التعاون الدفاعي مع مصر لا ينبغي بالضرورة تفسيره على أنه محاولة لبناء نظام أمني تقوده الصين في المنطقة.
وبدلاً من ذلك، يمكن أن توفر التبادلات العسكرية والمناورات المشتركة وإجراءات بناء الثقة قنوات إضافية لبكين والقاهرة للتنسيق بشأن قضايا الأمن الإقليمي.
ويكتسب هذا التعاون أهمية إضافية من موقع مصر في العالم العربي، إذ تظل القاهرة مركزاً دبلوماسياً مهماً، وقناة رئيسية للمساعدات الإنسانية إلى غزة، وطرفاً رئيسياً في جهود الوساطة الإقليمية.
الذكاء الاصطناعي.. بُعد استراتيجي جديد
من المرجح أن تصبح التكنولوجيا مجالاً رئيسياً آخر للتعاون، إذ تسعى مصر إلى تسريع تحولها الرقمي وتطوير قدراتها في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الناشئة الأخرى، بينما تبحث شركات التكنولوجيا الصينية عن فرص للتوسع في الأسواق الخارجية. ومن المتوقع أن تحظى شركة "هواوي" باهتمام خاص خلال زيارة شي.
وأفادت "بلومبرغ" بأن "هواوي" تسعى إلى سوق جديد في مصر من خلال رقائق للذكاء الاصطناعي، ما يسلط الضوء على الأهمية المحتملة للقاهرة كسوق لتكنولوجيات الحوسبة المتقدمة.
ومن المتوقع أن يدعم الرئيس الصيني، توسع "هواوي" في مصر، بما قد يشجع على تعاون أوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والاتصالات والحوسبة السحابية والخدمات الرقمية.
وبالنسبة إلى مصر، يمكن أن يوفر التعاون مع شركات التكنولوجيا الصينية إمكانية الوصول إلى بنية تحتية رقمية وقدرات حوسبة إضافية، مع إتاحة تنويع شراكاتها الدولية في مجال التكنولوجيا.
ومن جانب الصين، تتيح مصر الوصول إلى سوق عربية كبيرة، فضلاً عن إمكانية أن تشكل بوابة إلى إفريقيا.
ويأتي هذا الملف أيضاً في ظل تصاعد المنافسة بين واشنطن وبكين على التكنولوجيات المتقدمة. ومن ثم، قد يحظى انخراط مصر مع شركات التكنولوجيا الصينية باهتمام أكبر، في وقت تسعى دول الشرق الأوسط إلى التعامل مع المشهد التكنولوجي العالمي الذي يشهد منافسة متزايدة.
اختبار العقد المقبل
سيتمثل الهدف الأوسع لزيارة شي في تحويل قوة العلاقات السياسية بين الصين ومصر إلى نتائج اقتصادية واستراتيجية أكثر واقعية.
وأقام البلدان علاقات دبلوماسية في عام 1956، ورفعا مستوى علاقاتهما إلى شراكة استراتيجية شاملة في عام 2014. ويمثل مرور 70 عاماً على العلاقات فرصة أمام الحكومتين لتحديد أولويات المرحلة المقبلة من التعاون الثنائي.
وبالنسبة إلى بكين، تتجاوز أهمية مصر اقتصادها، إذ أن موقعها على قناة السويس ونفوذها في العالم العربي ودورها في إفريقيا يجعلها شريكاً مهماً في دول الجنوب العالمي. كما توفر عضوية مصر في مجموعة "بريكس" منصة أخرى للتنسيق بين البلدين.
أما القاهرة، فتوفر الصين لها الاستثمار والقدرات التصنيعية والتكنولوجيا، في وقت تسعى فيه مصر إلى تعزيز الإنتاج المحلي وزيادة الصادرات وتنويع شراكاتها الاقتصادية.
لكن التحدي الرئيسي يتمثل فيما إذا كانت العلاقات ستتجاوز زيادة حجم التجارة وتحقق فوائد هيكلية أعمق لمصر.
ومن ثم، قد يعتمد نجاح زيارة شي بدرجة أقل على عدد الاتفاقات التي سيتم الإعلان عنها، وبدرجة أكبر على مدى قدرة الاستثمارات الصينية على مساعدة مصر في تطوير صناعات عالية القيمة، وخفض تكاليف الإنتاج، وخلق فرص عمل، وتوسيع الصادرات، وتعزيز موقعها في سلاسل التوريد الإقليمية.
وتشير زيادة حجم مبادلة العملات، وتنامي الاستثمارات الصناعية، وتعميق المناورات العسكرية، وظهور التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، جميعها إلى علاقة يتسع نطاقها وتزداد أهميتها من الناحية الاستراتيجية.
وإذا أثمرت هذه الاتجاهات عن زيادة في الإنتاج المحلي ونقل التكنولوجيا وعلاقة اقتصادية أكثر توازناً، فقد تمثل زيارة شي بداية لـ"عقد ذهبي" جديد في العلاقات الصينية المصرية، لا يقوم على الثقة السياسية فحسب، وإنما أيضاً على شراكة أعمق وأكثر تنوعاً.













