
شهدت الساحة السودانية إلقاء حجر في البركة السياسية الساكنة مع إعلان تشكيل لجنة وطنية معنيّة بتهيئة المناخ لإطلاق حوار سوداني - سوداني في الداخل، ما أثار ردود أفعال متفاوتة، حتى قبل انطلاق أعمالها.
لكن بمجرد موافقة رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان على الحوار وتعهده بتهيئة المناخ له، انقسمت القوى والتكتلات السياسية بين الترحيب والرفض، فيما رحبت وزارة الخارجية الأميركية، في تصريحات سابقة لـ"الشرق"، بحوار سوداني بقيادة مدنية في "مكان يتم التوافق عليه".
وتعهد البرهان، في 14 أغسطس بمناسبة "عيد الجيش"، بالعمل على تذليل مهام لجنة تهيئة الحوار، مؤكداً استعداد الدولة لتوفير الدعم اللوجستي والضمانات القانونية والسياسية والأمنية اللازمة.
غير أن البرهان أشار إلى أن "الإجراء الذي تتخذه الدولة في مواجهة أي من المشاركين في الحوار لا يعد عفواً"، وإنما وقف الإجراءات الجنائية التي سبق أن اتخذتها الدولة في مواجهته، على حد تعبيره.
وشدد على أن الحصانة المتعلقة بالآراء والمواقف التي تُطرح أثناء الحوار تتضمن منح المشاركين حصانة قانونية كاملة ودائمة تحول دون اتخاذ أي إجراءات جنائية أو مدنية أو إدارية ضد أي مشارك بموجب أي قانون.
ويجري الحديث عن إجراءات قانونية وملاحقات تطال قادة سياسيين، أبرزهم رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، على خلفية اتهامات بـ"إثارة الحرب ضد الدولة"، و"التآمر" و"دعم التمرد" و"الإرهاب" و"محاولة تقويض النظام الدستوري"، وهي تهم تصل عقوبتها إلى الإعدام بحقه وحق نحو 39 آخرين من قادة الأحزاب ومنظمات العمل المدني.
لجنة تهيئة الحوار
من جانبها، ذكرت لجنة تهيئة الحوار، التي يرأسها مدير جامعة "الأحفاد" للبنات في أم درمان قاسم بدري، أنها تعمل من أجل تيسير المشاورات الأولية بشأن الحوار فحسب، "بما يساعد على وقف الانزلاق نحو المزيد من الاحتراب".
وقالت اللجنة إن الضمانات، التي طرحتها الحكومة، ينبغي أن تكون واضحة ومكتوبة وقابلة للتحقق، وأن تظل قابلة للتشاور والتطوير مع الأطراف المعنية.
وأشارت إلى مطلوبات أساسية، منها وقف جميع البلاغات المقيدة بواسطة أي جهاز من أجهزة الدولة في مواجهة أي سوداني مقيم بالخارج يدخل البلاد من أجل الانخراط في المشاورات أو الحوار لاحقاً.
وشددت على تمتع المشاركين في المشاورات والحوار لاحقاً بحصانة إجرائية مؤقتة، وتهيئة مناخ عام من الحريات يتيح لكل السودانيين التعبير عن آرائهم بشأن الحوار داخل وخارج القاعات.
وبعد ذلك، أعلن وزير العدل السوداني عبد الله دِرِفْ، مطلع سبتمبر الجاري، أن رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان أصدر قراراً بشطب البلاغات ضد المشاركين في الحوار السوداني، ومنحهم "ضمانة مؤقتة" طوال فترة مشاركتهم، وذلك "استجابة لمطالب مبادرة الحوار السوداني - السوداني".
وأوضح دِرِفْ في مؤتمر صحافي بالخرطوم أن القرار يشمل كذلك شطب البلاغات وإسقاط جميع التهم الموجهة من مؤسسات الدولة بحق السودانيين المقيمين خارج البلاد.
وأكد أن القرار يختص بالبلاغات المتعلقة بالحق العام، مشيراً إلى أن المشاركين في الحوار "يتمتعون بحصانة من بلاغات الحق العام طوال فترة الحوار فقط"، ولفت إلى أن كل من يدخل البلاد للمشاركة في الحوار "سيكون مشمولاً بالقرار".
وأضاف وزير العدل أن أي مقاتل يسلّم نفسه طوعاً سيكون مشمولاً بقرار العفو السابق، وليس بالقرار الخاص بالمشاركين في الحوار، مشدداً على أن الحكومة ليست طرفاً في الحوار، ولا تتولى تحديد أطرافه أو مواعيده.
خلافات سياسية عميقة
ووسط استقطاب حاد تشهده الساحة السياسية السودانية منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من 3 أعوام، كان من الطبيعي أن تتباين مواقف القوى السياسية تبعاً لمواقع اصطفافها.
قبل ذلك، أثارت ورقة بعنوان "الحوار السوداني - السوداني: قضايا الخلاف التي لا يمكن تجاوزها"، للأكاديمي والباحث السوداني الواثق كمير، جدلاً واسعاً بسبب الأسئلة التي طرحتها، حيث ذهبت إلى أن التحدي الذي يواجهه السودان لا يقتصر على وقف القتال، بل يمتد إلى تفكيك جملة من الخلافات السياسية العميقة التي تجعل جمع الفرقاء السودانيين حول طاولة واحدة أمراً بالغ الصعوبة، وتهدد في الوقت نفسه فرص نجاح أي حوار لا يواجهها بصورة مباشرة.
فالأزمة الراهنة، بحسبه، لا تُعزى إلى غياب المبادرات أو نقص الأفكار والمبادئ العامة، بقدر ما ترجع إلى انقسام حاد حول قضايا محددة وملموسة أفرزتها الحرب ووضعتها في صدارة الصراع السياسي.
وحدد كمير جذور "صراع الرؤى" في قضايا "تأسيسية"، من بينها طبيعة الدولة، ومصادر الشرعية، والعلاقة بين المدني والعسكري، وحدود السلطة المركزية ومفهوم المواطنة.
وخلص إلى أن استمرار الجدل بشأن تلك القضايا دون حسم أدى إلى "إعادة إنتاج الصراع السياسي حول السلطة في كل مرحلة جديدة"، ما يقتضي فتح النقاش حولها منذ المشاورات الأولية.
وتساءل كمير عن 5 قضايا قال إنها تشكل جوهر الخلاف السياسي، وهي: القوات المسلحة السودانية، قيادة القوات المسلحة، قوات الدعم السريع، دور الإسلاميين، ودور الفاعلين الإقليميين والدوليين.
كما تساءل عن كيفية التعامل مع هذه القضايا الإشكالية، باعتبارها "تهدد أي عملية حوارية إذا جرى تجاوزها أو ترحيلها"، إلى جانب رؤية الأطراف بشأن طبيعة الحرب وأسباب اندلاعها.
وبينما يرى سياسيون ومحللون أن رؤية كمير هذه بمثابة دعوة لإشراك قوات الدعم السريع وحلفائه في الحوار، وهو أمر مرفوض تماماً لديهم، يقول سياسيون آخرون تحدثت إليهم "الشرق" إن الحوار يجب أن ينأى تماماً عن صراع السلطة، ويتجه إلى ترسيخ رؤية جديدة بشأن مستقبل البلاد وضمان وحدتها، وأن إقصاء أي طرف منه، سيعني حتماً تقسيم السودان.
"الكتلة الديمقراطية": ورشة لدراسة الحوار
من جانبها، كانت "الكتلة الديمقراطية"، استبقت الإعلان عن لجنة تهيئة الحوار ببيان أصدرته في 15 أغسطس، رحبت فيه بخطاب البرهان بهذا الشأن، مشددة على أهمية الحوار السوداني - السوداني وتهيئة المناخ الملائم لانطلاقه باعتباره يمثل خطوة مهمة نحو معالجة الأزمة عبر مسار سياسي وطني.
وقالت "الكتلة الديمقراطية"، وهي تحالف سياسي يضم مجموعة من الأحزاب والحركات المسلحة، إن الحوار القائم على الملكية الوطنية و"عدم الإقصاء" يمثل الطريق الأمثل للتوصل إلى توافق وطني وبناء سلام مستدام مع "ضرورة توفير بيئة أمنية مناسبة تضمن مشاركة مختلف مكونات الشعب السوداني".
وشددت على اقتصار الدور الإقليمي والدولي على التيسير والدعم دون التدخل في تحديد المشاركين أو فرض أجندة أو مخرجات.
وقالت المتحدثة باسم "الكتلة الديمقراطية" نضال هشام لـ"الشرق" إن تحالفها عقد اجتماعاً في 30 أغسطس، وخلص إلى توصية لهيئته القيادية العليا لتحديد موقف نهائي من الحوار والقضايا المصيرية.
وأضافت أن تحالفها في طريقه لعقد ورشة للفصل بشأن سؤال متطلبات الحوار، مشيرة إلى أن الكتلة دائماً ما كانت تدعو إلى حوار سوداني بملكية سودانية داخل السودان.
"تأسيس": لسنا معنيين بالحوار
في المقابل، اعتبر القيادي بتحالف "تأسيس" بقيادة الدعم السريع حاتم إلياس أن فكرة الحوار "مضللة"، بدعوى أن عدداً من أعضاء اللجنة "مؤيدون للبرهان وحلفاء للجيش"، على حد تعبيره.
وقال إلياس لـ"الشرق" إن تحالفه ليس معنياً بلجنة تهيئة الحوار، إذ يرى أنها "تشبه تجمعاً عائلياً، حول مائدة، بين مجموعة تجمعها روابط سياسية، لأن الجميع حلفاء سياسيون للمؤتمر الوطني والحركة الإسلامية التي تدير الجيش والدولة وكل أجهزتها النظامية، وحتى العقل السياسي الذي يفكر الآن"، بحسب تعبيره.
واعتبر أن فكرة الحوار السوداني في الداخل تأتي في مقابل دعوات "الرباعية"، التي تضم مصر والإمارات والسعودية والولايات المتحدة، إضافة إلى دعوات المجتمع الدولي للحوار.
وأضاف قيادي "تأسيس" حاتم إلياس: "هنا يُراد التملص من الدعوات الأممية حتى يتم فرض خط المؤتمر الوطني، الذي طالب الفاعلون الدوليون صراحةً بإبعاده".
وحذر إلياس من خطورة ما وصفه بـ"سرديات الحرب"، متهماً أنصار الجيش السوداني بـ"ترويج سردية بأن الحرب هي حرب ضد الدولة والشعب، وأنها حرب كرامة".
وقال: "لا تريد هذه الفئة أن تسأل عمن أطلق الرصاصة الأولى، وهذا مؤداه بالضرورة إجراء حوار بسردية محددة، هي سردية السلطة القائمة بين الجيش وحزب المؤتمر الوطني المحلول".
واعترضت كتل وقوى سياسية، مراراً وتكراراً، في أوقات سابقة، على أية نيّة لإشراك تحالف "تأسيس" في أيّ مشاورات، معتبرة التحالف "شريكاً رئيسياً في جرائم قوات الدعم السريع" على حد وصفها.
"صمود".. رفض قاطع
ويتشاطر تحالف "صمود"، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، الرؤية ذاتها مع قوى أخرى مثل حزب "الأمة" بقيادة مبارك الفاضل المهدي، و"البعث" بقيادة علي السنهوري، و"المؤتمر الشعبي" بقيادة علي الحاج.
وشدد المتحدث باسم "صمود" بكري الجاك، في حديث مع "الشرق"، على أن تحالفه يرى أن "لا قيمة للحوار إذا لم يؤد إلى وقف الحرب"، معتبراً أن "الحوار المعلن ليس معنياً بذلك حسب إفادات ما يسمى بأعضاء لجنته التمهيدية"، على حد قوله.
وأضاف الجاك أن "صمود" تشدد على حزمة متكاملة تبدأ بهدنة إنسانية وإجراءات تهيئة المناخ، دون سيطرة طرف من أطراف الحرب، لافتاً إلى أن القضايا الرئيسية تتمثل في أهداف الحوار وأجندته وتصميم إجراءاته، لا المكان الذي يُعقد فيه.
وقال إن "المشكلة لا تكمن في أعضاء لجنة التمهيد للحوار، بل في أن الحوار بتصميمه الحالي لا ينهي معاناة السودانيين ويشرعن الحرب والفساد".
أما رئيس حزب "الأمة" مبارك الفاضل، فكتب في تغريدة على منصة "إكس" أن تهيئة المناخ تبدأ بوقف الحرب و"قبول قائد الجيش المصالحة الوطنية"، محذراً من أن "الحوار إذا تم تحت سلطة أحد طرفي الحرب، فسيكرس انقسام السودان".
واعتبر الفاضل أن "من الجنون، في ظل الواقع المأساوي الذي يعيشه السودان، أن يتحاور الناس بشأن تعيين مجلس تشريعي أو محاصصات في السلطة".
موقف تيارات الإسلاميين
من جانبه، يعتقد الكاتب والدبلوماسي السابق العبيد مروّح أن أغلب تيارات الإسلاميين ترحب بالحوار وترغب في الانخراط فيه، لا سيما "المؤتمر الوطني" بجناحيه: تيار مجلس الشورى وتيار المكتب القيادي، و"المؤتمر الشعبي - تيار الشورى".
وقال مروّح لـ"الشرق" إن تيارات الإسلاميين، حسب علمه، ليست لديها تحفظات على مشاركة أي طرف سوى تحالف "تأسيس"، إذ ترى هذه التيارات أن الحوار مع هذا التحالف وقوات الدعم السريع مكانه "مسار جدة" الأمني والعسكري.
و"مسار جدة" هو المسار التفاوضي الذي انطلق في مدينة جدة السعودية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع برعاية مشتركة من السعودية والولايات المتحدة بعد أسابيع من اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023.
وكان يهدف إلى وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، واستعادة الخدمات الأساسية، والتمهيد لمفاوضات أوسع تقود إلى وقف دائم للحرب.
وأضاف العبيد مروح أن من الضروري أن يركز الحوار المنتظر على قضايا المستقبل، وأن "ينشغل بالبحث عميقاً في جذور المشكلات التي أدت للحروب والنزاعات المسلحة في السودان، وأن يعتمد منهج التراضي لا الغلبة، والمصالحة لا الانتقام وتصفية الحسابات".
ولكي يؤدي هذه المهمة، بحسب مروّح، "لا بد أن ترعاه الدولة دون أن تتدخل في فرض أجندات أو رؤى بعينها على الحاضرين، وأن تتيح لهم الحريات والضمانات الكافية"، على حد قوله.
ويرى الدبلوماسي السابق أن الداخل السوداني هو الأنسب لعقد الحوار، باعتباره الأقل كلفة مادية والأضمن استقلالية، لكن هذا برأيه "لا يعني استبعاد الخارج كلياً، فالخارج يمكن أن يساعد في التمويل والتيسير ورفد المتحاورين بتجارب الأمم الأخرى التي نهضت من تحت رماد الحروب".
الموقف الأميركي
في تعليق على تصريحات البرهان بشأن حوار داخل السودان، قال المتحدث باسم الخارجية الأميركية لـ"الشرق"، في وقت سابق، إن بلاده مستعدة للعمل مع الشركاء من أجل "دعم حوار حقيقي وشامل بقيادة مدنية يشمل جميع أصوات السودانيين، بمن فيهم النازحون حالياً داخل السودان وخارجه، وفي موقع متفق عليه".
وأضاف أن الولايات المتحدة طرحت، مع حلفائها وبشكل متكرر، مقترحات لهدنة إنسانية وخطة سلام أوسع لإنقاذ الأرواح، بهدف وضع السودان على مسار نحو حوار سياسي سوداني - سوداني، وسلام دائم، وانتقال سياسي مستقر.
وختم المتحدث باسم الخارجية الأميركية بأنه يتعين على الجيش السوداني وقوات الدعم السريع "اختيار السلام بدلاً من الحرب والتسبب في المعاناة".
كما أجرى كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون الإفريقية والعربية، مسعد بولس، محادثات مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في أواخر أغسطس، قال إنها تناولت الجهود الرامية إلى التوصل لهدنة إنسانية في السودان، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وإطلاق حوار سياسي سوداني - سوداني شامل، والتأكيد المشترك على أنه لا يوجد حل عسكري للحرب، وأن المسار المطلوب هو حكم مدني في سودان موحد.
كذلك، بحث بولس مع مستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول، تطورات الحرب السودانية، وضرورة إطلاق حوار وطني سوداني شامل، والسبل المؤدية إلى اتفاق سلام دائم، ومخاطر استمرار الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة.
وفي 24 أغسطس، عرض بولس أمام مجلس الأمن الدولي مقترحاً أميركياً يتضمن: توسيع حظر السلاح ليشمل كامل السودان وليس دارفور فقط، وإدراج الطائرات المسيّرة والتقنيات المرتبطة بها ضمن الحظر، وتشديد الرقابة على مصادر التمويل والدعم العسكري الخارجي، والضغط على طرفي الحرب للانتقال نحو تسوية سياسية.
الحوار مع الجميع
في المقابل، يقول عضو لجنة تهيئة الحوار ورئيس تحرير صحيفة "التيار" السودانية عثمان ميرغني، لـ"الشرق"، إن اللجنة لا تحمل أي أجندة مسبقة أو تحديداً لأطراف الحوار، لأن مهمتها تقتصر على إجراء مشاورات مع المكونات السياسية والمجتمعية للوصول إلى حوار توافقي بينها.
وأضاف أن الأطراف التي تحفظت باكراً على اللجنة، باعتبارها لجنة للحوار، ربما تعدل موقفها بعد أن تبينت مهامها.
وشدد ميرغني على أن الداخل السوداني مناسب لإجراء الحوار بين الأطراف، "ما دامت مقرة بأهميته كوسيلة للحل، وكلها تدعو إلى ملكية سودانية له".
ولدى سؤاله عن عزم اللجنة إجراء مشاورات مع تحالف "تأسيس" بقيادة قوات الدعم السريع، اكتفي بالتشديد على أن "الحوار سيكون مع الجميع".









