جدار الحماية استراتيجية ألمانية تواجه أصعب اختبار في 8 عقود | الشرق للأخبار

"جدار الحماية".. استراتيجية سياسية ألمانية تواجه أصعب اختباراتها في 8 عقود

صعود "البديل من أجل ألمانيا" يهدد اتفاق الأحزاب على إقصاء المتطرفين بعد الحرب العالمية الثانية

قادة حزب البديل من أجل ألمانيا AfD اليميني المتطرف خلال تجمع انتخابي في ولاية ساكسونيا أنهالت. 5 سبتمبر 2026 - Reuters
قادة حزب البديل من أجل ألمانيا AfD اليميني المتطرف خلال تجمع انتخابي في ولاية ساكسونيا أنهالت. 5 سبتمبر 2026 - Reuters

كشف الفوز الساحق الذي حققه حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف في انتخابات محلية، عن انقسام بين الناخبين بشأن استراتيجية "جدار الحماية" التي تبنتها ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية لإقصاء المتطرفين عن المشهد السياسي. 

على مدى نحو ثمانية عقود في ألمانيا بعد الحرب، رفضت المؤسسة السياسية السائدة التعاون مع الأحزاب التي تعتبرها متطرفة. ويُعرف هذا التوافق بين قادة التيار الوسطي باسم "جدار الحماية". ويقول القائمون على هذا النهج إنهم يسعون إلى منع سلطويين محتملين من الوصول إلى السلطة، كما حدث مع الزعيم النازي أدولف هتلر.

ويواجه هذا الطرح الآن، أكبر اختبار له في أعقاب انتخابات الأحد في ولاية ساكسونيا-أنهالت، وهي ولاية صغيرة يبلغ عدد سكانها 2.1 مليون نسمة في شرق ألمانيا، صوتت بشكل حاسم لحزب "البديل من أجل ألمانيا".

وأظهرت النتيجة خلافاً جوهرياً بين الألمان بشأن ما يشكل خطراً على الديمقراطية. فقد سأل منظمو استطلاعات الرأي الناخبين، الأحد، عما إذا كانوا يعتبرون حزب "البديل من أجل ألمانيا" خطراً على الديمقراطية، وهو الموقف الذي تتبناه الأحزاب الألمانية الرئيسية.

وأظهر استطلاع للناخبين بعد الإدلاء بأصواتهم، نشرته شبكة تلفزيونية عامة، أن نحو نصفهم اعتبروا الحزب تهديداً. وصوت هؤلاء تقريباً بشكل كامل لمصلحة منافسيه، من اليسار الراديكالي إلى يمين الوسط. أما النصف الآخر من الناخبين فقالوا إنه لا يمثل أي تهديد. وصوت جميعهم تقريباً لمصلحة حزب "البديل من أجل ألمانيا".

انقسام بين الأحزاب الرئيسية

واعتبرت "نيويورك تايمز" هذه النتيجة، تجسيداً واضحاً للانقسام المتزايد بين الأحزاب الألمانية الرئيسية، التي تحكم من يمين الوسط ويسار الوسط، وبين الناخبين الشعبويين الذين أصبحوا مقتنعين بأن "السياسة التقليدية لم تعد قادرة على حل مشكلاتهم الملحة".

وبالنسبة للتيار السياسي السائد في ألمانيا، يمثل اليمين المتطرف تهديداً للديمقراطية. فقد أدلى قادة حزب "البديل من أجل ألمانيا" بتصريحات "غير مباشرة" بشأن النازية، شملت تكرار شعارات نازية مع التقليل من أهمية الهولوكوست، كما صوروا الأقليات على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية. 

أما أنصار الحزب، ولا سيما في الولايات الشرقية التي تعاني صعوبات اقتصادية، فيرون فيه "آخر وأفضل فرصة لسماع أصواتهم"، وهو شعور تعززه فقط أحزاب الحكم التي ترفض التعاون معه.

ويعبر هؤلاء الناخبون عن مخاوفهم من المستويات المرتفعة للهجرة من الشرق الأوسط خلال العقد الماضي، ومن سلسلة هجمات دامية نفذها مهاجرون في أنحاء ألمانيا خلال السنوات الأخيرة.

كما يشكون من ارتفاع أسعار الكهرباء والوقود، وضعف آفاق الحصول على وظائف، ولا تزال لديهم مشاعر استياء بسبب الطريقة التي عاملهم بها الألمان الغربيون بعد إعادة توحيد البلاد في عام 1990.

ويقولون إنهم أقل قلقاً من احتمال انتهاك حزب "البديل من أجل ألمانيا" حقوق بعض الألمان، وأكثر انشغالاً بأن تقوم الأحزاب الرئيسية بإسكات الناخبين الذين يؤيدون الحزب.

وقالت هايكه رايشلت، وهي عاملة في قطاع الصناعات الدوائية تبلغ من العمر 57 عاماً ومؤيدة لحزب "البديل من أجل ألمانيا" في ماجديبورج، عاصمة ساكسونيا-أنهالت، لـ"نيويورك تايمز": "أعتقد أنه من الجيد جداً أن يدخلوا الحكومة، لأنهم يستطيعون الآن إثبات أنهم ليسوا بالسوء الذي يقوله الجميع عنهم، وأنهم في الواقع ليسوا حزباً نازياً".

تحول تاريخي

وأظهرت النتائج النهائية للتصويت في ساكسونيا-أنهالت، أداءً مهيمناً لحزب "البديل من أجل ألمانيا"، لكنها لم تضمن له تشكيل الحكومة. فقد حصل الحزب على أقل بقليل من 44% من الأصوات وسط إقبال قياسي على التصويت، وفاز بـ39 مقعداً من أصل 83 مقعداً في برلمان الولاية.

ورغم أن النتيجة جاءت من ولاية صغيرة نسبياً تقع في قلب معقل الحزب بشرق ألمانيا، فإنها أحدثت هزة في السياسة الألمانية، وأربكت مفهوم "جدار الحماية"، فيما يتصدر حزب "البديل من أجل ألمانيا" استطلاعات الرأي على المستوى الوطني.

ووصف روجر شتوكر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة، أوتو فون جيريكه، في ماجديبورج، النتيجة بأنها "نقطة تحول تاريخية".

وفي ولاية ساكسونيا-أنهالت، قد يتمكن حزب "البديل من أجل ألمانيا" من تشكيل حكومة إذا أقنع حزباً شعبوياً صغيراً بالانضمام إليه، أو استقطب أعضاء متمردين من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي CDU المنتمي إلى يمين الوسط، وهو حزب المستشار فريدريش ميرتس.

وعلى المستوى الوطني في برلين، من المرجح أن يواجه ميرتس شكوكاً جديدة داخل ائتلافه الحاكم. وقد يدفع بعض أعضائه نحو بحث إقامة شراكات مستقبلية مع حزب "البديل من أجل ألمانيا"، بينما قد يطالب آخرون باتخاذ إجراءات أكثر تشدداً لعزله، مثل حظره من العمل في السياسة الاتحادية.

وفي أنحاء البلاد، يتساءل محللون عما إذا كانت الاستراتيجية الحالية قادرة على الصمود.

وأشاروا إلى فقدان الجمهور الثقة في المؤسسات التي كانت تؤدي دور "حارس البوابة"، مثل الأحزاب السياسية العريقة ووسائل الإعلام الرئيسية. وقد بنى حزب "البديل من أجل ألمانيا" شبكات مستقلة لنقل رسائله عبر وسائل التواصل الاجتماعي، متجاوزاً الصحافيين التقليديين بنجاح كبير، وفق "نيويورك تايمز".

وقال تورستن بنر، مدير معهد "السياسات العامة العالمية" غير الربحي في برلين، للصحيفة الأميركية، إن نتائج ساكسونيا-أنهالت "تظهر الفشل الذريع لجدار الحماية".

وأضاف: "لقد سمح ذلك لحزب البديل من أجل ألمانيا باستقطاب المزيد من الناخبين، باعتباره البديل الأكثر مصداقية لـلنظام، الذي يُنظر إليه على أنه يتحد بهدف وحيد هو إقصاء حزب البديل من أجل ألمانيا".

صعود ترمب

ولا توجد مؤشرات على أن ميرتس أو شركاءه في الائتلاف يعتزمون إعادة النظر في هذا الموقف. وقال لارس كلينجبايل، نائب المستشار والقيادي في الحزب الديمقراطي الاجتماعي SPD المنتمي إلى يسار الوسط، وهو أقدم الأحزاب السياسية في ألمانيا، لأحد المحاورين، الأحد: "لن نمد يدنا إلى حزب البديل من أجل ألمانيا".

ويخشى قادة التيار السياسي السائد في ألمانيا، من أن تتحول حكومة يقودها حزب "البديل من أجل ألمانيا" إلى نظام سلطوي، وأن تنقل، في ظل علاقات الحزب مع روسيا، أسراراً إلى أعداء ألمانيا. وكانت وكالة الاستخبارات الداخلية الألمانية قد صنفت حزب "البديل من أجل ألمانيا" على أنه جماعة "متطرفة مشتبه بها"، وهي تهمة يقول الحزب إنها ذات دوافع سياسية.

ويقول منافسو الحزب إن حكومة يقودها "البديل من أجل ألمانيا" ستحرم المسلمين والمهاجرين والمثليين من الحقوق نفسها التي يتمتع بها سائر المواطنين.

وفي ساكسونيا-أنهالت، تنص منصة الحزب على إلزام الطلاب المهاجرين بالدراسة في مدارس منفصلة وحظر أعلام الفخر في المباني العامة. كما تعهد الحزب بترحيل ملايين المهاجرين، وهو ما يتطلب صلاحيات اتحادية.

ويتهم أنصار حزب "البديل من أجل ألمانيا" أحزاب الحكم، بتقويض إرادة الناخبين. ويرون في الحزب جهة سياسية تقول حقائق لا يجرؤ الآخرون على قولها، مثل معارضته دعم ألمانيا لأوكرانيا في الحرب ضد روسيا.

وقد تبنت أحزاب أخرى، في بعض الأحيان، خطاب حزب "البديل من أجل ألمانيا"، خصوصاً بشأن الهجرة، لكن دون تحقيق نجاح انتخابي يُذكر.

وهناك أوجه شبه مع صعود الرئيس الأميركي دونالد ترمب في سياسة الولايات المتحدة. فقد استند تقدمه المبكر في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري إلى وعود باتخاذ إجراءات تتجاوز منافسيه لوقف الهجرة واللاجئين في الولايات المتحدة. ومثل ناخبي حزب "البديل من أجل ألمانيا"، وصف أنصار ترمب خططه بأنها منطقية وليست متطرفة.

وقال بنر إن هذه التطورات تضع ألمانيا أمام خيار صعب. فإذا كان قادة التيار السياسي السائد في ألمانيا يعتقدون فعلاً أن حزب "البديل من أجل ألمانيا" يمثل تهديداً للديمقراطية، فعليهم محاولة حظره، حسب قوله.

أما إذا لم يكونوا يعتقدون ذلك، فيمكنهم السماح للحزب بالانضمام إلى النظام الذي ينتقده الآن، على أمل أن يؤدي تقاسم السلطة إلى الحد من توجهاته. وأقر بنر بأن كلا الخيارين ينطوي على عيوب.

جرس إنذار في أوروبا

ولم يقتصر الأمر على ألمانيا. ففي برلين وبروكسل وعواصم أوروبا والعالم الغربي، أثار الصعود السريع لحزب "البديل من أجل ألمانيا" واحتلاله المركز الأول في تلك الانتخابات هزة في أوساط النخب السياسية، في إشارة إلى أن السياسات التي كانت تُوصَف في السابق بأنها من أقصى اليمين أصبحت تحظى بتأييد واضح لدى شريحة واسعة من الناخبين في ولاية يزيد عدد سكانها على مليوني نسمة، وفق "واشنطن بوست".

وقالت الصحيفة إن الاتجاه السياسي الذي يجسده الحزب بات واضحاً ليس فقط في ألمانيا الشرقية السابقة، بل أيضاً في فرنسا، حيث تتصدر مارين لوبان، إحدى أبرز وجوه السياسة القومية المناهضة للهجرة، استطلاعات الرأي ضمن منافسة واسعة في الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل.

ومع تدفق نتائج الانتخابات في ساكسونيا-أنهالت، مساء الأحد، قال ترمب إنه يتابع الانتخابات، إذ نشر على منصة "تروث سوشيال" صورة أظهرت تقدم الحزب بفارق كبير على الأحزاب الأخرى، بما فيها الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي يتزعمه المستشار فريدريش ميرتس، والذي حل ثانياً بفارق كبير بحصوله على 17.1% فقط.

وكانت حركة "لنعجل أميركا عظيمة مجدداً" (MAGA)، التي يتزعمها ترمب، قد أقامت علاقات قوية مع حزب "البديل من أجل ألمانيا". وزار أعضاء من الحزب في البرلمان الاتحادي الألماني الولايات المتحدة العام الماضي للاجتماع مع جمهوريين، كما حضروا حفلاً في نيويورك لشباب جمهوريين. والتقى مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية أيضاً أعضاء في الحزب.

لكن حرب إيران شكلت أحد العوامل التي عقدت هذا التحالف المتنامي، نظراً إلى عدم شعبيتها الشديدة بين الألمان، بحسب "واشنطن بوست".

واحتفى بعض السياسيين اليمينيين الأميركيين أيضاً بنجاح حزب "البديل من أجل ألمانيا". وهنأ جمهوريون في الكونجرس، بينهم السيناتور مايك لي (من ولاية يوتا) والنائبة آنا بولينا لونا (من فلوريدا)، الحزب على فوزه. كما حثوا الحكومة الألمانية على عدم حظر الحزب أو قادته.

وكتب لي: "مستشار ألمانيا يتعامل مع حزب معارض رئيسي باعتباره شيئاً يجب عزله عن المنافسة الديمقراطية بجدار. هل هو حقاً غافل إلى هذا الحد عن الصورة النمطية الألمانية التي يروج لها؟".

تصنيفات

قصص قد تهمك