انتخابات المغرب.. الصحة والتعليم أمام معركة الميزانيات | الشرق للأخبار
خاص

انتخابات المغرب.. الصحة والتعليم أمام اختبار الميزانيات وكفاءة الإنفاق

موظفون في الانتخابات يجلسون داخل مركز اقتراع خلال الانتخابات البرلمانية والمحلية في الدار البيضاء، المغرب. 8 سبتمبر 2021 - Reuters
موظفون في الانتخابات يجلسون داخل مركز اقتراع خلال الانتخابات البرلمانية والمحلية في الدار البيضاء، المغرب. 8 سبتمبر 2021 - Reuters
الرباط-

في خضم الحملة الانتخابية للانتخابات التشريعية المقررة في المغرب في 23 سبتمبر، تبرز مخصصات قطاعي الصحة والتعليم بوصفها إحدى أبرز ساحات التنافس السياسي، في ظل تصاعد المطالب الاجتماعية واحتجاجات حركة "جيل زد 212"، التي دعت إلى إصلاحات جذرية في الخدمات العامة والحد من التفاوتات بين مناطق المملكة.

وفي سياق الاستجابة لهذه المطالب، رفعت الحكومة المنتهية ولايتها الاعتمادات المخصصة للقطاعين إلى مستوى غير مسبوق، بلغ نحو 140 مليار درهم (نحو 15.3 مليار دولار)، بما يعادل قرابة 10% من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة.

وبينما يتنافس 27 حزباً سياسياً على أصوات نحو 15.8 مليون ناخب ببرامج تضع القضايا التنموية في صدارة أولوياتها، تكشف المؤشرات الدولية عن فجوة بين حجم الإنفاق والنتائج المحققة. ويحتل المغرب المرتبة 122 عالمياً في مؤشر التعليم ضمن تقرير مؤشر الازدهار العالمي لعام 2026، والمرتبة 120 في دليل التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة، فيما جاء في المركز 94 عالمياً في مؤشر جودة الرعاية الصحية.

وتضع هذه المؤشرات الوعود الانتخابية أمام اختبار يتجاوز زيادة الإنفاق إلى مدى كفاءة توظيف الموارد وتحسين جودة الخدمات.

قطاع الصحة: معركة السيادة والعدالة الصحية

يشهد القطاع الصحي في المغرب توسعاً كبيراً في الاستثمارات وبرامج التطوير، لمواكبة الزيادة السريعة في أعداد المستفيدين بعد تعميم التغطية الصحية، وتعزيز قدرة البنية التحتية على استيعاب الطلب المتزايد على الخدمات، إذ ارتفعت الاعتمادات المخصصة لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية في ميزانية 2026 إلى 42.4 مليار درهم.

وتركزت الاعتمادات الجديدة على تحديث التجهيزات وتوسيع شبكة الرعاية الصحية، من خلال تأهيل مئات المراكز الصحية الأولية، وإطلاق برنامج وطني لتحديث المستشفيات الإقليمية، وتسريع إنجاز المراكز الاستشفائية الجامعية الجديدة. وبالتوازي، شرعت الحكومة في إرساء "المجموعات الصحية الترابية"، باعتبارها آلية لتحقيق اللامركزية في اتخاذ القرار الصحي وإدارة الموارد، إلى جانب تطوير منظومة رقمية للملف الطبي الموحد، وتوجيه استثمارات لدعم الصناعة الدوائية الوطنية وخفض أسعار الأدوية الأساسية.

وتكشف البرامج الانتخابية للأحزاب للفترة 2026-2031 عن تباين واضح في أولويات الإنفاق الصحي. إذ يراهن حزب "التجمع الوطني للأحرار" على البناء على المخصصات الحالية، مع التعهد بتعبئة اعتمادات لرفع الكثافة الطبية إلى 45 من العاملين في القطاع الصحي لكل 10 آلاف نسمة بحلول 2030، واستكمال تأهيل 1600 مركز من مراكز الرعاية الصحية الأولية.

ويركز حزب "الأصالة والمعاصرة" على ضمان استدامة صناديق التغطية الصحية اعتباراً من 2027، من خلال اعتماد بروتوكولات علاجية للحد من استنزاف الموارد المالية وضمان استمرارية خدمات أقسام الولادة.

أما حزب "الاستقلال"، فيراهن على تعزيز التمويل المحلي المستقل، عبر تخصيص ميزانيات تفضيلية للمجموعات الصحية الترابية، بهدف خفض حصة الإنفاق المباشر للأسر على العلاج والأدوية إلى أقل من 30%.

في المقابل، يقترح حزب "العدالة والتنمية" المعارض وضع سقف ملزم للنفقات العلاجية التي تتحملها الأسر مباشرة، وقصر تمويلات نظام "أمو تضامن" على المستشفيات العامة للحد من انتقال المخصصات إلى القطاع الخاص.

ويطالب حزب "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" بتخصيص ما لا يقل عن 15% من الاعتمادات الصحية للمناطق الريفية والجبلية، فيما يدعو حزب "التقدم والاشتراكية" إلى إعادة هيكلة الإنفاق على الأدوية، من خلال حوافز ضريبية وجمركية لدعم التصنيع المحلي، إلى جانب تنظيم هوامش أرباح سلاسل التوزيع.

"أرقام على الورق"

وفي قراءة نقدية لهذه الزيادات، قال علي لطفي، الكاتب العام للمنظمة الديمقراطية للشغل ورئيس الشبكة المغربية من أجل الحق في الصحة، إن ارتفاع الاعتمادات المخصصة للقطاع من 19 مليار درهم في 2021 إلى مستهدفات تبلغ 47 مليار درهم خلال الولاية المقبلة سيظل مجرد "أرقام على الورق"، ما لم ينعكس بصورة مباشرة على جودة الخدمات التي يتلقاها المواطنون.

وأوضح لطفي لـ"الشرق" أن جانباً كبيراً من الزيادة في الإنفاق وُجه إلى مشروعات البنية التحتية الكبرى، ومن بينها بناء المجمع الاستشفائي الجامعي ابن سينا، من دون أن يؤدي ذلك، بحسب رأيه، إلى معالجة المشكلات اليومية التي تواجه المرضى، وفي مقدمتها قوائم الانتظار التي قد تمتد لأشهر، والنقص في بعض الأدوية الأساسية داخل المستشفيات العامة، ما يدفع بعض المرضى، بمن فيهم المستفيدون من "أمو تضامن"، إلى اللجوء للقطاع الخاص.

وقال لطفي إن المنظومة الصحية لا تزال تُدار، بحسب وصفه، بـ"أسلوب ترقيعي وسياسة إطفاء الحرائق"، بدلاً من معالجة الاختلالات الهيكلية.

واعتبر أن رفع الحد الأدنى لأجور الأطباء إلى 12 ألف درهم يظل غير كافٍ في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة والفوارق في الأجور مع أسواق العمل الخارجية، ما يحد، بحسب تقديره، من قدرة القطاع على وقف هجرة الكفاءات الطبية إلى فرنسا وألمانيا وكندا ودول الخليج.

وأشار المسؤول النقابي إلى أن ظروف العمل ونقص مقومات الاستقرار، بما في ذلك السكن ووسائل النقل في المناطق النائية والريفية، من أبرز العوامل التي تحد من إقبال الكوادر الطبية والتمريضية على العمل في تلك المناطق.

وحذر لطفي من أن مشروع "المجموعات الصحية الترابية" قد يتحول إلى "هياكل بيروقراطية إضافية" بدلاً من تقليص الفوارق بين المناطق، ما لم يقترن بتمويل كافٍ واستقلالية فعلية وعدالة في توزيع الموارد البشرية والمالية، فضلاً عن تعزيز الحوكمة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

قطاع التعليم أمام رهان الجودة

يستحوذ قطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة على الحصة الأكبر من النفقات القطاعية للدولة، باعتمادات بلغت نحو 97 مليار درهم في قانون المالية لعام 2026. غير أن توزيع هذه المخصصات يكشف أن الجزء الأكبر منها يذهب إلى الالتزامات الاجتماعية السابقة ونفقات التسيير، مقابل حصة محدودة للاستثمار المباشر في تطوير العملية التعليمية.

واستحوذت كتلة الأجور، وتسوية الأوضاع الوظيفية، وتنفيذ مخرجات الحوار الاجتماعي والنظام الأساسي الجديد، على الجزء الأكبر من الزيادات في الميزانية. وأسهم ذلك في تحقيق قدر من الاستقرار داخل المؤسسات التعليمية بعد فترات من الإضرابات، لكنه قلص، في المقابل، الهامش المالي المتاح لتطوير الفصول الدراسية وتحديث الوسائل والتجهيزات التعليمية.

وعلى صعيد تطوير العملية التعليمية، خُصصت اعتمادات استثمارية لتوسيع مشروع "مدارس الريادة"، الهادف إلى معالجة التعثر الدراسي وتطبيق أساليب تدريس حديثة ومجربة، إلى جانب تعزيز الشراكات الرامية إلى توسيع نطاق التعليم الأولي، باعتباره مدخلاً رئيسياً لتقليص الفجوة التعليمية بين المناطق الحضرية والريفية.

وتنعكس المنافسة الانتخابية على مقترحات الأحزاب بشأن تمويل التعليم خلال الولاية المقبلة. إذ يقترح حزب "التجمع الوطني للأحرار" خفضاً ضريبياً يصل إلى 5 آلاف درهم سنوياً عن كل طفل، لتخفيف تكاليف التعليم عن الطبقة المتوسطة، بالتوازي مع مواصلة تمويل تأهيل المؤسسات التعليمية وتعميم "مدارس الريادة".

ويركز حزب "الأصالة والمعاصرة" على توجيه الاستثمارات التقنية نحو توظيف مبادرة "الذكاء الاصطناعي المغربي" في المنظومة التعليمية، بهدف الرصد المبكر لمخاطر التسرب المدرسي. في المقابل، يدعو حزب "الاستقلال" إلى تخصيص اعتمادات لتعميم التعليم الأولي بنسبة 100%، إلى جانب برامج تستهدف تعزيز مهارات القراءة وتقديم الدعم المباشر للأسر محدودة الدخل في المناطق الريفية.

أما "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية"، فيقترح ربط زيادة المخصصات المالية بمؤشرات تقيس أثر الإنفاق في التحصيل الدراسي ونتائج التقييم، مع توجيه جانب من الإنفاق نحو تحسين الأجور والبنية التحتية.

ويطالب حزب "العدالة والتنمية" بإعادة صياغة سلم أجور الأطر التربوية، وإقرار حوافز للاستقرار الوظيفي ترتبط بالتميز والأداء، فيما يشدد حزب "التقدم والاشتراكية" ومكونات فيدرالية اليسار على توجيه الاستثمار إلى معالجة نقص التجهيزات في المؤسسات التعليمية بالمناطق الريفية، وضمان مجانية التعليم بالكامل.

الأجور تستحوذ على معظم الإنفاق

وفي قراءة لبنية الميزانية ورهاناتها التعليمية، قال الخبير الاستراتيجي وأستاذ التخطيط أمين سامي إن زيادة الموارد المالية توسع إمكانات الإصلاح، لكن نجاحه يظل مرهوناً بقدرة المنظومة على تحويل هذه الموارد إلى تحسن فعلي في مستوى تعلم الطلاب داخل الفصول الدراسية.

وأوضح سامي لـ"الشرق" أن الميزانية تواجه ضغوطاً هيكلية؛ إذ تستحوذ كتلة الأجور على نحو 80.3% من إجمالي المخصصات، كما استأثرت بنحو 88.9% من الزيادة الأخيرة، في حين لا تتجاوز اعتمادات الاستثمار 6.5%. ووفقاً لهذه الأرقام، لا يتجاوز المبلغ المتاح مباشرة لتطوير المناهج وتأهيل المؤسسات نحو 19.1 مليار درهم، موزعة على مجالات تشمل الصيانة والتجهيز والتعليم الأولي.

وأشار سامي إلى أن تجربة "مدارس الريادة" أظهرت مؤشرات بحثية مشجعة بشأن تحسين مستويات التعلم، لكنه شدد على أن التوسع في المشروع يتطلب تقييماً مستقلاً للأثر والكلفة، والإجابة عن أسئلة تتعلق بكفاءة الإنفاق، من بينها الكلفة الإضافية لكل طالب، ومدى استدامة التحسن مع انتقال الطلاب بين المراحل التعليمية.

"زيادة الإنفاق لا تضمن تحسن الخدمات"

وفي تحليله لتحديات التمويل والاستدامة المالية، قال الخبير الاقتصادي وأستاذ قانون الأعمال بدر الزاهر الأزرق إن النقاش بشأن قطاعي الصحة والتعليم لا ينبغي أن يقتصر على حجم المخصصات، وإنما يجب أن يمتد إلى قدرة هذه الأموال على إحداث أثر ملموس ومستدام في مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.

وأوضح الأزرق لـ"الشرق" أن ارتفاع نفقات التسيير وكتلة الأجور في القطاعين، اللذين شهدا استحداث أكثر من 27 ألف وظيفة، بالتزامن مع زيادة مخصصات التعليم بنسبة 13% والصحة بنسبة 30%، لا يمثل في حد ذاته هدراً للمال العام، باعتبار أن الموارد البشرية عنصر أساسي في تقديم الخدمات. لكنه أشار إلى أن الخلل يبدأ عندما لا تقترن زيادة الأجور والنفقات بتحسن مماثل في إنتاجية المنظومة وجودة الخدمات.

وأضاف أن زيادة التمويل تمثل شرطاً ضرورياً للإصلاح، لكنها لا تكفي في ظل ضعف الحوكمة أو اختلال توزيع الموارد بين المناطق والكوادر البشرية، داعياً إلى الانتقال من قياس الأداء وفق نسب إنفاق الميزانيات إلى تقييمه بحسب النتائج والأثر الفعلي، مثل تقليص فترات الانتظار في المستشفيات، وزيادة أعداد الأطباء قياساً إلى عدد السكان، وخفض معدلات التسرب المدرسي.

وحذر الأزرق من الضغوط التي تفرضها الالتزامات الاجتماعية المتزايدة على استدامة المالية العامة، مشيراً إلى أن مخصصات الحماية الاجتماعية المباشرة بلغت نحو 41.5 مليار درهم في 2026 لتغطية 3.9 ملايين أسرة، بالتزامن مع ارتفاع كلفة الحوار الاجتماعي ونفقات الموظفين بنحو 15 مليار درهم، ضمن التزامات إجمالية تناهز 45 مليار درهم بحلول 2026.

واعتبر أن هذه الأعباء تستدعي الحفاظ على التوازنات المالية، بما يحول دون تحول النفقات الاجتماعية المتزايدة إلى التزامات دائمة تنمو بوتيرة تتجاوز قدرة الموارد العامة على تمويلها. 

تصنيفات

قصص قد تهمك