
تشهد روسيا، خلال الفترة من 18 إلى 20 سبتمبر الجاري، أول انتخابات برلمانية لمجلس الدوما (الغرفة الأدنى للبرلمان) منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، في توقيت حساس تشهد فيه البلاد تداعيات تلك الحرب المستمرة منذ أكثر من 4 سنوات.
وخلال هذه السنوات، واجه المجتمع الروسي موجات متتالية من العقوبات الاقتصادية وما ترتب عليها من انعكاسات على حياة المواطنين، إلى جانب القيود المفروضة على السفر وإغلاق عدد من مسارات الطيران والمعابر الحدودية، وصولاً إلى انتقال بعض التداعيات الأمنية للحرب إلى داخل الأراضي الروسية، مع تصاعد هجمات الطائرات المسيّرة واستهداف عدد من المدن والمناطق.
ويتألف مجلس الدوما الروسي من 450 مقعداً وتجرى انتخاباته كل 5 سنوات، وفي الانتخابات الماضية احتفظ حزب "روسيا الموحدة" بالأغلبية، بعدما شغل 324 مقعداً.
انعكاسات الحرب على مزاج الناخبين
كل هذه التطورات تطرح تساؤلات حول انعكاساتها على المزاج العام للناخب الروسي واهتمامه بالانتخابات وخياراته تجاه المرشحين والأحزاب التي ستدخل مجلس الدوما.
وتعكس نتائج استطلاعات الرأي صورة متباينة للمزاج الانتخابي الروسي، فبحسب مركز "ليفادا" تظهر بين المواطنين مستويات متفاوتة من الاستعداد للمشاركة، مع وجود نسبة ملحوظة قالت إنها لم تحسم موقفها بعد، أو إنها لا تنوي التصويت.
أما مركز روسيا لدراسة الرأي العام (VTsIOM)، فأظهرت نتائج أحدث استطلاع له أن 70% من الروس أعلنوا، بدرجات متفاوتة، نيتهم المشاركة في انتخابات مجلس الدوما، لكن في المقابل لم يقرأ نحو ثلثي المواطنين أي برنامج انتخابي، بينما يرى 76% أن حزب "روسيا الموحدة" سيفوز بالانتخابات، ما يعكس، وفق قراءة المركز، محدودية عنصر المنافسة أو المفاجأة في نظر الناخبين.
وترى عالمة النفس والاجتماع أولجا لاتينتسيفا أنه "يمكن وصف المزاج العام للروس قبيل الانتخابات بأنها مختلط، مع غلبة الهدوء العام على القلق، لكن في الوقت نفسه هناك عنصر واضح من الإرهاق وتراجع الشعور بالقدرة على التأثير".
وتوضح أن "نحو ثلث المجتمع يحافظ على حالة من التفاؤل والحيوية، بينما يعيش نحو ربع المواطنين حالة من القلق، في حين أن نسبة كبيرة منهم غير منخرطة أصلاً في العملية الانتخابية".
دوافع المشاركة
وقالت لاتينتسيفا لـ"الشرق": "تتسم دوافع المشاركة الانتخابية في الغالب بطابع خارجي، مثل الشعور بالواجب والعادة والخوف، وليس بطابع داخلي يتمثل في الرغبة في تغيير شيء ما".
وأضافت: "كما أن الشعور بأن نتيجة الانتخابات محسومة مسبقاً يقلل من الانخراط الذهني لدى المواطنين؛ إذ لا يهتم كثيرون بقراءة البرامج الانتخابية، ولا يرون وجود منافسة حقيقية أو عنصر تشويق في الانتخابات".
وتابعت لاتينتسيفا: "كثير من المواطنين لا يدخلون في تفاصيل العملية الانتخابية، ولا يقرأون البرامج الانتخابية، ولا يخططون للقيام بدور نشط، لأن هناك حالة عامة من التعب والإرهاق على خلفية الحرب وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، وفي الوقت نفسه، لا يكاد أحد يؤمن بأن صوته يمكن أن يؤثر فعلياً في أي شيء".
وأوضحت أن "الغالبية ترى أن احتمال فوز حزب روسيا الموحدة كبير جداً، ولا يوجد في ذلك شيء جديد.. ولذلك يميل معظم الناس إلى اعتبار الانتخابات متوقعة النتائج مسبقاً، أي أنه لا توجد، برأيهم، أي منافسة أو عنصر مفاجأة، لماذا سأذهب؟ ولماذا أضيّع وقتي في ذلك؟ لدي كثير من الأمور الأخرى التي يجب أن أهتم بها".
وتشير نتائج استطلاعات الرأي إلى أن حزب "روسيا الموحدة" يتقدم بفارق واضح عن باقي الأحزاب، بينما يتوقع غالبية المواطنين فوزه في الانتخابات، وهو ما يعزز لدى شريحة من الناخبين الانطباع بأن النتيجة الانتخابية تبدو متوقعة إلى حد كبير.
ويرى خبراء أن المشهد الحالي به تداخل بين ظاهرتين، الأولى استمرار قدر مهم من الالتفاف حول الدولة والقيادة من جهة، والثانية ظهور مؤشرات على الإرهاق نتيجة طول الأزمة وعدم اليقين بشأن المستقبل.
الحرب جزء من الحياة اليومية
واعتبر المحلل السياسي دميتري بريدج أن الحديث عن "انتقال المجتمع الروسي بالكامل من حالة التعبئة إلى حالة التعب السياسي سيكون تبسيطاً للمشهد".
وقال لـ"الشرق": "الأدق أننا أمام تداخل بين ظاهرتين، استمرار قدر مهم من الالتفاف حول الدولة والقيادة، بالتوازي مع ظهور مؤشرات على الإرهاق نتيجة طول الأزمة وعدم اليقين بشأن المستقبل، فالحرب، التي كانت في بدايتها حدثاً استثنائياً عزز التماسك الداخلي، تحولت مع مرور السنوات إلى جزء من الحياة اليومية، وأصبح المواطن يقيمها، ليس فقط من زاوية الأمن والسياسة الخارجية، بل أيضاً من خلال تأثيرها على دخله والأسعار وفرص العمل والأمن الشخصي ومستقبل أسرته".
وأضاف بريدج: "لذلك، لا أرى أن التعب من الحرب يترجم آلياً إلى معارضة سياسية أو إلى تصويت احتجاجي، ففي الحالة الروسية، يمكن أن ينتج التعب سلوكاً مختلفاً تماماً، وهو الانسحاب النسبي من السياسة، وانخفاض الاهتمام بالحملة الانتخابية، والتركيز على الحياة الخاصة والاقتصاد والأسرة، أو التصويت وفق الأنماط الحزبية المعتادة بدلاً من البحث عن بديل".









