
قال رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، الجمعة، إن بلاده ماضية في مسار يهدف إلى استعادة قرار الدولة وحصر السلاح بيد مؤسساتها الدستورية والعسكرية، بالتوازي مع العمل على إنهاء الحرب وانسحاب إسرائيل من جميع الأراضي اللبنانية، مشدداً على أن مستقبل لبنان "لا يُقرر بالنيابة عنه"، وأن الدولة وحدها هي المخولة بالتحدث باسمه والتفاوض عنه.
وفي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وضع سلام استعادة ثقة اللبنانيين بالدولة، واستعادة القرار الوطني، واستعادة كامل الأراضي اللبنانية، في صلب ما وصفه بمعادلة النهوض بالبلاد، معتبراً أن هذه الملفات مترابطة وتشكل في جوهرها تحدياً واحداً يتمثل في بناء دولة يثق بها مواطنوها، وتمتلك قرارها وتمارس سيادتها على كامل أراضيها.
حصرية السلاح ومفاوضات إسرائيل
وقال سلام إن حكومته لم تكتف بالتأكيد على حصرية السلاح بيد الدولة وحصر قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الدستورية، بل ترجمت هذا الالتزام إلى قرارات صادرة عن مجلس الوزراء، مشيراً إلى خطوات اتخذتها الحكومة في أغسطس وسبتمبر من العام الماضي، ثم في مارس من العام الحالي.
وأوضح أن تلك الإجراءات جاءت في ظل حرب قال إن لبنان "لم يخترها، بل فُرضت عليه"، رغم التحذيرات المتكررة من مخاطر الانجرار إليها.
ومع اتساع الحرب في المنطقة وتعدد المبادرات الرامية إلى إنهائها، أكد سلام تمسك بيروت بمبدأ أن الدولة وحدها تتحدث باسم لبنان وتتولى التفاوض عنه، محذراً من تحويل البلاد مجدداً إلى "ساحة لصراعات الآخرين، أو ورقة تفاوض في أيديهم".
وأضاف أن أمن لبنان واستقراره لا ينبغي أن يتحولا إلى ثمن لتسويات تُبرم في غيابه.
وفي سياق متصل، أشار سلام إلى المفاوضات التي تخوضها الدولة اللبنانية مع إسرائيل برعاية أميركية، بهدف التوصل إلى ترتيبات تنهي الحرب وتتيح للبنان استعادة سيادته كاملة.
وجدد التأكيد على أن الموقف اللبناني يقوم على وقف الحرب وتثبيت وقف إطلاق النار، وانسحاب إسرائيل من كامل الأراضي اللبنانية حتى الحدود الدولية المعترف بها، وفق اتفاقية الهدنة لعام 1949 والقرار (1701)، إضافة إلى الإفراج عن جميع الأسرى، وضمان عودة السكان بأمان وكرامة إلى قراهم وبلداتهم، وإعادة إعمار المناطق التي دمرتها الحرب.
وشدّد على أن مفهوم السيادة بالنسبة إلى لبنان "لا يتجزأ"، فهو يشمل، من جهة، انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي اللبنانية، ومن جهة أخرى بسط الدولة سلطتها بقواها الذاتية على كامل أراضيها وحصر السلاح بيدها.
وأشار إلى أن "الإطار الثلاثي" الذي تم التوصل إليه خلال المفاوضات يستند إلى هذين المبدأين، إلى جانب قاعدتي التبادلية والمرحلية. لكنه اعتبر في الوقت نفسه أن "نجاح أي اتفاق لا يقاس بالنوايا المعلنة، وإنما بتنفيذ الالتزامات"، داعياً إلى ترجمة الإطار المتفق عليه إلى خطوات عملية وفق جدول زمني واضح وآلية للتحقق من التنفيذ.
تحذير من فراغ بعد انسحاب "اليونيفيل"
وأشاد سلام بدور قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل" في حفظ الاستقرار ودعم الجيش اللبناني وتنفيذ القرار 1701، موجهاً الشكر إلى الدول المشاركة فيها.
وحذّر من احتمال حدوث فراغ أمني وميداني في حال انسحاب القوة الدولية من دون الاتفاق على قوة أخرى تحل محلها، مطالباً بضمان استمرار مهام المراقبة والإبلاغ والتواصل، وربط أي ترتيبات جديدة بمتطلبات تنفيذ الإطار الذي جرى التوصل إليه.
وأكد أن استعادة الأرض، وفق رؤية الحكومة اللبنانية، لا تقتصر على انسحاب القوات الإسرائيلية، بل تشمل أيضاً عودة السكان إلى مناطقهم واستئناف حياتهم الطبيعية.
وفي الملف الإنساني، قال سلام إن الحرب "خلفت دماراً واسعاً في المساكن والمرافق العامة والبنى التحتية والقطاعات الإنتاجية، وحرمت أعداداً كبيرة من اللبنانيين من منازلهم ومصادر رزقهم".
ودعا المجتمع الدولي ووكالات الأمم المتحدة إلى مواصلة توفير التمويل لتلبية الاحتياجات الأساسية للمتضررين، ولا سيما النازحين، بالتوازي مع دعم التعافي المبكر وإعادة الإعمار والتنمية.
واعتبر أن إعادة إعمار جنوب لبنان ليست مجرد إعادة بناء للمنشآت، بل استعادة لحياة السكان ومصادر رزقهم وتثبيت لحقهم في العيش بأمان على أرضهم.
إصلاحات داخلية واستعادة الودائع
وربط سلام استعادة ثقة اللبنانيين بالدولة بإصلاح المؤسسات والقضاء والاقتصاد، مؤكداً أن الثقة لا تُبنى بالكلمات وإنما بالمؤسسات التي تحمي الحقوق وبقضاء يضمن العدالة.
وتطرق إلى انفجار مرفأ بيروت، قائلاً إن "جرح 4 أغسطس لا يزال مفتوحاً، وإن إغلاقه يتطلب الحقيقة والعدالة والمحاسبة".
وأقر بأن الحكومة لم تنجز جميع تعهداتها بعد، لكنه أشار إلى حجم الأزمات التي ورثتها، من مؤسسات أصابها الشلل وإدارة تراجعت فاعليتها، إلى اقتصاد فقد مقومات النمو ودولة أضعفتها أزمات متراكمة وتدخلات خارجية امتدت لعقود.
وأشار إلى أن لبنان بدأ ورشة إصلاح تشمل تفعيل الإدارة، وتعزيز استقلالية القضاء، وتحديث قانون الإعلام، وإلغاء عقوبة الإعدام، إلى جانب المضي في الإصلاحات المالية بهدف إعادة الانتظام واستعادة الودائع.
وربط استكمال هذه الإصلاحات بإمكانية التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، معتبراً أن الاتفاق يمكن أن يشكل رافعة لاستعادة الثقة الدولية بلبنان وبوابة للحصول على التمويل من الشركاء الإقليميين والدوليين لدعم التعافي وإعادة الإعمار.
وقال إن هدف حكومته ليس مطالبة اللبنانيين بتجديد الثقة بالدولة، بل إعادة بناء "الدولة التي تستحق ثقة شعبها".
فلسطين وغزة وإصلاح النظام الدولي
وفي الشأن الإقليمي، قال سلام إن تحقيق استقرار مستدام في لبنان يبقى مرتبطاً باستقرار المنطقة، معتبراً أن ذلك لن يتحقق بصورة كاملة ما لم يتمكن الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير.
وأشار إلى قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن ومبادرة السلام العربية، متوقفاً عند الحرب في غزة وما وصفه بأنه اختبار للمجتمع الدولي ومؤسساته.
وحذّر رئيس الوزراء اللبناني كذلك من تداعيات تقليص تمويل وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" أو تقويض ولايتها، قائلاً إن ذلك لن يلغي حقوق اللاجئين الفلسطينيين، لكنه قد يزيد معاناتهم ويضاعف الأعباء على الدول المضيفة، وفي مقدمتها لبنان.
كما جدّد تضامن لبنان مع دول الخليج والأردن في مواجهة "الاعتداءات الإيرانية"، محذراً من تداعيات التوترات الإقليمية على أمن المنطقة وحرية الملاحة وسلاسل الإمداد وأسعار الغذاء والطاقة ومعدلات التضخم.
وانتقد سلام ما وصفه بـ"انتقائية" تطبيق القانون الدولي، معتبراً أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في غياب القواعد الدولية، بقدر ما تكمن في طريقة تطبيقها.
وأضاف أن استعادة الثقة بالنظام الدولي تتطلب احترام القانون الدولي والاستثمار في منع النزاعات قبل اندلاعها، إلى جانب دعم التنمية ومعالجة أسباب الفقر والحرمان التي قد تسهم في "تغذية العنف والتطرف والإرهاب".
وفي المقابل، شدد على مسؤولية الدول النامية في الإصلاح ومحاربة الفساد وبناء المؤسسات، داعياً في الوقت نفسه إلى نظام اقتصادي دولي "أكثر إنصافاً وعدالة" يمنح هذه الدول فرصاً حقيقية للنهوض.
وتناول سلام أيضاً التغير المناخي والذكاء الاصطناعي، داعياً إلى تمويل أكثر عدالة لمساعدة الدول المتضررة من تغير المناخ على التكيف مع آثاره ونقل التكنولوجيا إليها.
وفي ملف الذكاء الاصطناعي، أشار إلى الفرص التي تتيحها التكنولوجيا الجديدة، مقابل تحديات تتعلق بمستقبل الوظائف وحقوق الإنسان والحريات، داعياً إلى حوكمة دولية تضع الإنسان وحريته وخصوصيته في صلب التحول التكنولوجي، ومحذراً من نشوء "فجوة ذكاء اصطناعي" جديدة تضاف إلى فجوات الثروة والتنمية القائمة.
دعوة إلى إصلاح الأمم المتحدة
وفي ختام كلمته، دعا سلام إلى إصلاح الأمم المتحدة، وعلى رأسها مجلس الأمن، قائلاً إن العالم تغير بصورة جذرية منذ تأسيس المنظمة عام 1945، بينما بقيت التركيبة الأساسية لمجلس الأمن مرتبطة إلى حد كبير بموازين القوى التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.
وأشار إلى ارتفاع عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بنحو 4 أمثال، وانتهاء الاستعمار وتغير موازين القوى الاقتصادية والسياسية، معتبراً أن هذه التحولات لم تنعكس بما يكفي على تركيبة مجلس الأمن.
وقال إن إفريقيا والعالم العربي لا يمكن أن يبقيا خارج التمثيل الدائم في المجلس، وإن الدول الصغيرة والمتوسطة لا ينبغي أن تظل بعيدة عن القرارات التي تمس أمنها ومستقبلها.
وأعلن رئيس الوزراء اللبناني انضمام بلاده إلى الدعوات المطالبة بتوسيع مجلس الأمن بما يحقق تمثيلاً "أكثر شمولية وعدالة"، مع إقراره بتعقيد عملية الإصلاح.
وفي ما يتعلق بحق النقض، قال إن لبنان لا يدعو، من منطلق "واقعي"، إلى إلغائه، لكنه طالب بتقييد استخدامه في القضايا المتعلقة بـ"الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني".
واختتم سلام كلمته بالتأكيد على أن إصلاح الأمم المتحدة يستهدف بناء منظمة أكثر تمثيلاً وديمقراطية وفاعلية، وقادرة على مواكبة التحولات العالمية واستعادة ثقة الشعوب بها.










