
دخلت العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا، الخميس، مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما أعلنت أديس أبابا إغلاق سفارتها في أسمرة وطرد 10 دبلوماسيين إريتريين، لترد أسمرة بقطع العلاقات الدبلوماسية مع جارتها، في خطوة تعكس اتساع هوة الخلاف بين البلدين وسط اتهامات متبادلة بالقيام بأعمال تهدد الأمن والسيادة.
وقالت وزارة الخارجية الإثيوبية، في بيان، إنها قررت إغلاق سفارتها في أسمرة رداً على ما وصفتها بـ"أعمال عدائية مباشرة وغير مباشرة" من جانب إريتريا، كما أعلنت 10 دبلوماسيين إريتريين في أديس أبابا "أشخاصاً غير مرغوب فيهم"، وأمهلتهم 48 ساعة لمغادرة البلاد.
وذكرت أديس أبابا أن الدبلوماسيين شاركوا في أنشطة قالت إنها تشكل "تهديداً مباشراً للأمن القومي الإثيوبي"، معتبرة أنها تمثل انتهاكاً لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، من دون أن يتضمن البيان تفاصيل بشأن طبيعة تلك الأنشطة أو وقائع محددة تستند إليها الاتهامات.
لكن أسمرة رفضت الاتهامات الإثيوبية، ووصفت الإجراءات بأنها "أعمال عدائية غير مبررة"، قبل أن تعلن أنها لم تعد تملك خياراً سوى الرد بالمثل وقطع جميع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا، محملة أديس أبابا مسؤولية وصول العلاقات إلى هذه المرحلة.
أسمرة ترد بقطع العلاقات
وقالت وزارة الإعلام الإريترية، في بيان رداً على الخطوة الإثيوبية، إن قرار أديس أبابا شمل إغلاق السفارة الإثيوبية في أسمرة وإعلان 10 دبلوماسيين إريتريين، بينهم القائم بالأعمال ودبلوماسيون معتمدون لدى الاتحاد الإفريقي، "أشخاصاً غير مرغوب فيهم".
ورفضت إريتريا اتهامها بالقيام بـ"أعمال عدائية مباشرة وغير مباشرة"، وقلبت الاتهام على أديس أبابا، قائلة إن الحكومة الإثيوبية هي التي تتبنى، منذ 3 أعوام، ما وصفتها بـ"أجندة عدائية متواصلة" ضدها.
وربط البيان الإريتري هذا الاتهام بمساعي إثيوبيا للحصول على منفذ إلى البحر، معتبراً أن الحديث الإثيوبي عن ضرورة امتلاك "وصول سيادي إلى البحر" يستهدف، من وجهة نظر أسمرة، الموانئ والمناطق الساحلية الواقعة تحت السيادة الإريترية.
وتتهم أسمرة أديس أبابا كذلك باستضافة وتدريب وتسليح جماعات معارضة إريترية مسلحة بهدف إثارة صراع داخلي والسعي إلى تغيير النظام في إريتريا، وهي اتهامات جاءت رداً على اتهامات إثيوبيا لإريتريا بالتدخل في شؤونها الداخلية وتهديد أمنها القومي.
وقالت الحكومة الإريترية إنها مارست "الصبر وضبط النفس" خلال فترة التوتر أملاً في منع تصعيد خطير، لكنها اعتبرت أن الإجراءات الإثيوبية الأخيرة لم تترك لها خياراً سوى اتخاذ إجراءات مماثلة وقطع العلاقات الدبلوماسية بالكامل.
رواية إثيوبية مغايرة
في المقابل، قدم البيان الإثيوبي رواية مختلفة لأسباب الأزمة، إذ وضع قرار إغلاق السفارة وطرد الدبلوماسيين في إطار الرد على أنشطة إريترية قالت أديس أبابا إنها تستهدف أمنها القومي.
وطالبت الخارجية الإثيوبية الحكومة الإريترية بوقف جميع الأعمال التي قالت إنها تخالف المبادئ التي تحكم العلاقات بين الدول ذات السيادة. ورغم حدة الإجراءات، حرص البيان على التأكيد أن إثيوبيا لا تزال تقدر "العلاقات التاريخية والثقافية والشعبية القوية" مع إريتريا، وأنها ملتزمة بالتعايش السلمي والاستقرار والتكامل الإقليمي.
وأكدت أديس أبابا كذلك تمسكها بـ"الحل السلمي للنزاعات"، وقالت إنها ستواصل العمل مع دول القرن الإفريقي من أجل السلام والأمن والتكامل الإقليمي. ولم يقدم البيان الإثيوبي تفاصيل عن الأنشطة التي يقول إن الدبلوماسيين الإريتريين العشرة شاركوا فيها، وهي نقطة سجلتها أيضاً تقارير مستقلة تناولت القرار.
وبذلك، تطرح الدولتان روايتين متعارضتين لأصل التصعيد؛ إذ تتهم إثيوبيا إريتريا بالقيام بأنشطة عدائية والتدخل بما يهدد أمنها، فيما تقول أسمرة إن الإجراءات الإثيوبية تأتي في سياق سياسة أوسع تستهدف إريتريا وسيادتها وموانئها.
البحر الأحمر في قلب الخلاف
ويأتي التصعيد الدبلوماسي فيما أصبح ملف وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر أحد أبرز بؤر الخلاف بين البلدين، في ظل سعي أديس أبابا، الدولة غير الساحلية، إلى تأمين خيارات إضافية لوصولها إلى الموانئ.
وتصاعد التوتر بين الجانبين على خلفية هذا الملف، إذ تنظر إريتريا بريبة إلى الخطاب الإثيوبي بشأن الوصول إلى البحر، خصوصاً عندما يرتبط بميناء عصب الإريتري، بينما تنظر أديس أبابا إلى الوصول البحري باعتباره مسألة اقتصادية واستراتيجية بالغة الأهمية. وتعتمد إثيوبيا حالياً على جيبوتي في معظم تجارتها الخارجية المنقولة بحراً.
ويختلف موقف أسمرة، وفق بيانها الخميس، عن مجرد رفض شروط الوصول إلى البحر، إذ تعتبر أن السياسة الإثيوبية تستهدف "غزو" موانئ ومناطق ساحلية إريترية.
من مصالحة 2018 إلى القطيعة
كما يكشف البيانان اتساع نطاق الخلاف من ملفات حدودية وأمنية إلى اتهامات تتعلق بالتدخل في الشؤون الداخلية ودعم جماعات مسلحة، فضلاً عن النزاع السياسي والاستراتيجي حول الوصول إلى البحر الأحمر.
ويشكل التطور الأخير تراجعاً حاداً عن مسار التقارب الذي بدأ بين الجارتين في 2018، عندما أعاد البلدان العلاقات بعد نحو عقدين من العداء الذي أعقب الحرب الحدودية بينهما في الفترة من 1998 إلى 2000. وأعيد افتتاح السفارتين خلال التقارب الذي قاده رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي.
وتقاربت الحكومتان لاحقاً خلال حرب تيجراي التي اندلعت في 2020، إذ تدخلت القوات الإريترية إلى جانب الحكومة الفيدرالية الإثيوبية في الصراع ضد جبهة تحرير شعب تيجراي. لكن العلاقات بين أديس أبابا وأسمرة تدهورت لاحقاً، بالتزامن مع تداعيات اتفاق بريتوريا لعام 2022 الذي أنهى الحرب على نطاق واسع، ثم تصاعد الخلاف بشأن طموح إثيوبيا للحصول على منفذ إلى البحر الأحمر.
وفي الأسابيع الأخيرة، برز كذلك ملف الجماعات المسلحة الإثيوبية في الاتهامات الموجهة إلى إريتريا. وتشير تقارير إلى أن الحكومة الإثيوبية اتهمت أسمرة بدعم تحالف يضم جماعات مسلحة معارضة لحكومة آبي أحمد، من بينها أطراف كانت على جبهات متعارضة خلال حرب تيجراي، فيما سبق لإريتريا أن نفت اتهامات إثيوبية مماثلة بالتدخل ودعم جماعات مسلحة داخل البلاد.










