
تشهد مناطق شمال وشمال شرق إثيوبيا تصعيداً عسكرياً متسارعاً، مع اتساع نطاق المواجهات بين القوات الفيدرالية والإقليمية من جهة، وقوات جبهة تحرير شعب تيجراي من جهة أخرى، بالتزامن مع تحركات عسكرية على محاور عدة بدأت تضع إقليم عفر في قلب التطورات الميدانية.
وبينما تتقدم قوات جبهة تحرير شعب تيجراي شرقاً داخل إقليم عفر شمال شرقي البلاد، تتحدث مصادر ميدانية عن تحرك القوات الحكومية الإثيوبية جنوباً وشمالاً عبر محاور مرتبطة بإقليم أمهرة، باتجاه ميكيلي، عاصمة إقليم تيجراي، بعد السيطرة على بلدات ومواقع، بينها ألاماطا وميخوني وأغَمرة.
ويضع هذا التحرك المتزامن الطرفين أمام جبهات تختلف في أهدافها وأهميتها؛ ففي الوقت الذي تسعى فيه القوات الحكومية الفيدرالية إلى الضغط على جبهة تيجراي من المحاور الجنوبية، يبدو إقليم عفر، بالنسبة إلى قوات الجبهة، ساحة ذات أهمية استراتيجية، لقربه من الحدود الإريترية والجيبوتية، ووقوعه على الطريق الذي يربط إثيوبيا بموانئ جيبوتي.
تقدم متقابل
تشير التقارير الميدانية إلى أن المعارك لم تعد محصورة في مناطق الصراع التقليدية داخل إقليم تيجراي، بل امتدت إلى المناطق الحدودية مع إقليمي عفر وأمهرة.
وفي الجنوب، أفادت التقارير بتقدم الجيش الإثيوبي وسيطرته على مدن سقوطا وألاماطا وميخوني ومناطق أخرى، فيما تحدثت مصادر عن تجاوز القوات الحكومية عدداً من البلدات والمواقع في طريقها نحو ميكيلي، ما يفتح محوراً جنوبياً للضغط على عاصمة إقليم تيجراي.
وتكتسب ألاماطا أهمية عسكرية ولوجستية نظراً إلى موقعها قرب الحدود الجنوبية لتيجراي مع أمهرة، وارتباطها بخطوط حركة القوات والإمدادات، بما في ذلك المواد الغذائية والوقود. وكانت المدينة من المناطق التي تبادلت قوات جبهة تحرير شعب تيجراي والقوات الحكومية الفيدرالية السيطرة عليها خلال الحرب بين عامي 2020 و2022.
وتقع ميكيلي، عاصمة إقليم تيجراي، على مسافة تقارب 120 كيلومتراً شمال ألاماطا، ما يجعل السيطرة على الأخيرة مكسباً ميدانياً للقوات الحكومية في سياق تحركها شمالاً، وإن كان الوصول إلى العاصمة والسيطرة عليها يتطلب تجاوز عقبات عسكرية وجغرافية أخرى.
وفي المقابل، تتجه قوات جبهة تحرير شعب تيجراي شرقاً نحو عمق إقليم عفر، في مسار مغاير لمحور تقدم القوات الحكومية نحو ميكيلي.
إيريبتي.. نقطة التحول شرقاً
وفي إقليم عفر، أفادت مصادر محلية بسيطرة قوات جبهة تحرير شعب تيجراي على بلدة إيريبتي، القريبة من حدود تيجراي، عقب قصف مدفعي مكثف، وسط تقارير عن تحرك القوات باتجاه بلدة أفديرا، الواقعة على بعد نحو 100 كيلومتر شرقي إيريبتي.
كما تحدثت تقارير ميدانية عن سيطرة مقاتلي الجبهة على 3 بلدات في منطقتين إداريتين بإقليم عفر، في تطور يعكس اتساع رقعة المواجهات على الحدود بين الإقليمين.
ونقلت وسائل إعلام محلية عن محمد حسين، رئيس مكتب حزب الازدهار الحاكم بإقليم عفر، أن قوات تيجراي دخلت المنطقتين الإداريتين الثانية والرابعة وسيطرت على 3 بلدات، مشيراً إلى وجود آلاف المدنيين العالقين فيها.
وفي المقابل، تسعى القوات الإقليمية في عفر، بدعم من الجيش الإثيوبي، إلى استعادة البلدات التي فقدت السيطرة عليها، فيما تمتد المواجهات بين الطرفين، وفق التقارير، على جبهة يتراوح طولها بين 80 و90 كيلومتراً.
معركة على أكثر من جبهة
وبينما تتجه قوات تيجراي شرقاً، تتحرك القوات الحكومية شمالاً نحو مقلي، في محاولة لتثبيت مواقعها جنوب الإقليم ومواصلة الضغط باتجاه عاصمته.
وفي المقابل، تسعى قوات تيجراي إلى توسيع نطاق عملياتها داخل عفر، بما قد يمنحها مجالاً أوسع للمناورة العسكرية، ويتيح لها الضغط على القوات الحكومية وحلفائها بعيداً عن مركز الإقليم.
لماذا عفر؟
يمثل إقليم عفر حلقة جغرافية حيوية بين شمال إثيوبيا والممر المؤدي شرقاً إلى جيبوتي، كما يشترك في الحدود مع إريتريا وجيبوتي، ويجاور عدداً من الأقاليم الإثيوبية ذات الأهمية الاستراتيجية.
وتعتمد إثيوبيا بدرجة كبيرة على موانئ جيبوتي في تجارتها الخارجية، إذ تمر عبرها أكثر من 90% من وارداتها وصادراتها، ما يعني أن امتداد القتال نحو الطرق الرئيسية التي تربط عفر بالحدود الجيبوتية قد يحوّل الإقليم من جبهة قتال محلية إلى مصدر ضغط ذي تداعيات اقتصادية وأمنية أوسع.
كما يزيد اقتراب المواجهات من الطرق الحيوية التي تربط إثيوبيا بجيبوتي عبر عفر المخاطر التي تواجه حركة النقل، وقد يؤثر في تدفق البضائع والإمدادات إذا امتدت العمليات العسكرية إلى محيط الطرق والبنية التحتية الرئيسية.
وقد تمنح السيطرة على مناطق إضافية في عفر الأطراف المتحاربة قدرة أكبر على الضغط على طرق الحركة والإمداد، حتى من دون الوصول إلى مرحلة قطع الممر التجاري فعلياً.
اتهامات متبادلة بشأن دور إريتريا
ويتزامن التصعيد في عفر وشمال إثيوبيا مع تبادل اتهامات بين أديس أبابا وأسمرة بشأن دعم أطراف في الصراع.
واتهم قائد الجيش الإثيوبي برهانو جولا إريتريا بتقديم دعم لقوات المعارضة، ولا سيما جبهة تحرير شعب تيجراي.
وتنفي إريتريا هذه الاتهامات، واتهمت في المقابل الحكومة الإثيوبية بمحاولة تحميل دول الجوار مسؤولية أزماتها الداخلية، كما وجهت إلى أديس أبابا اتهامات بدعم وتدريب جماعات مسلحة مرتبطة بصراعات في دول الجوار.
تداعيات إنسانية
وفي مؤشر على التداعيات الإنسانية للتصعيد، أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر نقل 161 شخصاً من إقليم تيجراي، بينهم أفراد من الشرطة الفيدرالية الإثيوبية وعائلاتهم، وموظفون في الخطوط الجوية الإثيوبية وأفراد من عائلاتهم، إلى جانب عناصر من أمن الطيران المدني ومراقبين من الاتحاد الإفريقي وأعضاء في جمعية الصليب الأحمر الإثيوبي.
ومع استمرار التحركات العسكرية على محاور متزامنة، يبدو إقليم عفر مرشحاً للتحول من منطقة حدودية إلى محور استراتيجي في الصراع الإثيوبي. فالمواجهات هناك لم تعد تقتصر على السيطرة على بلدات أو مواقع عسكرية، بل باتت مرتبطة بموقع الإقليم بين تيجراي وإريتريا وجيبوتي، وقربه من أحد أهم الممرات التجارية التي تعتمد عليها إثيوبيا.
وفي المقابل، تواصل القوات الحكومية الفيدرالية تقدمها من جنوب تيجراي باتجاه ميكيلي، في محاولة للضغط على مركز الإقليم، بينما تسعى قوات جبهة تحرير شعب تيجراي إلى توسيع نطاق عملياتها شرقاً داخل عفر.
ويرى الخبير الاستراتيجي في الشأن الإثيوبي موكريا هايلي بلطى أن التطورات الميدانية في عفر لا تعني بالضرورة تغير ميزان القوى لمصلحة قوات تيجراي، موضحاً، في حديث لـ"الشرق"، أن السيطرة على مواقع أو بلدات في الإقليم لا تكفي وحدها للحكم على مسار المعارك، ما لم تتمكن القوات المهاجمة من تأمين خطوط إمدادها والاحتفاظ بالمناطق التي تتقدم إليها.
ويعتقد بلطى أن تقدم قوات تيجراي باتجاه عفر يمثل تطوراً مهماً، لكنه يفرض عليها في الوقت نفسه تحديات لوجستية متزايدة كلما ابتعدت عن مراكز ثقلها في تيجراي، في وقت تواصل فيه القوات الحكومية الفيدرالية الضغط من الجنوب باتجاه ألاماطا ومناطق أخرى في جنوب الإقليم.
وبحسب بلطى، سيتحدد مسار المعارك بدرجة كبيرة بقدرة كل طرف على تحويل مكاسبه الميدانية إلى سيطرة مستقرة وقابلة للاستمرار، وليس بمجرد الاستيلاء المؤقت على بلدات أو مواقع.
أما الخبير في نزاعات القرن الإفريقي كينيدي توموي، فيرى أن انتقال العمليات العسكرية إلى عفر يمثل تطوراً يتجاوز الحسابات الميدانية المباشرة، نظراً إلى وقوع الإقليم عند تقاطع 3 ملفات استراتيجية: الصراع الداخلي في إثيوبيا، والعلاقات المتوترة بين إثيوبيا وإريتريا، والممر التجاري الذي يربط إثيوبيا بموانئ جيبوتي.
وأوضح توموي لـ"الشرق" أن اقتراب القتال من الطرق المؤدية إلى جيبوتي يرفع القيمة الاستراتيجية للعمليات في عفر، حتى إذا لم تصل المواجهات إلى مرحلة قطع الطريق التجاري.
واعتبر أن مجرد وجود تهديد أمني بالقرب من هذا الممر الاستراتيجي يمكن أن يرفع كلفة النقل، ويؤثر في حركة البضائع والإمدادات، ويجعل أمن الطريق جزءاً من الحسابات العسكرية والسياسية للأطراف.
وشدد توموي على أن الوصول إلى الممر التجاري أو تهديده يختلف تماماً عن مجرد التقدم داخل إقليم عفر، موضحاً أن أي محاولة لتهديد طريق جيبوتي ستضع قوات تيجراي أمام حسابات عسكرية وسياسية وإقليمية أكثر تعقيداً.
من جهته، يرى الخبير في شؤون النزاعات الإثيوبية تولدي هيلي ميكائيل أن التطورات الأخيرة تعكس مرحلة أكثر تعقيداً من الصراع، ولا تسمح حتى الآن بالقول إن طرفاً واحداً تمكن من فرض تفوق حاسم على الآخر.
وأوضح، في حديث لـ"الشرق"، أن تقدم قوات تيجراي في مناطق من عفر وتوسيع عملياتها خارج حدود الإقليم قد يمنحان الجبهة مساحة أكبر للمناورة ويفرضان على الحكومة الفيدرالية التعامل مع جبهة إضافية.
لكنه لفت، في المقابل، إلى أن القوات الحكومية تحقق تقدماً على المحور الجنوبي لتيجراي، وسيطرت على مواقع ذات أهمية لوجستية، ما يمنحها منفذاً للضغط باتجاه ميكيلي.
ويرى ميكائيل أن الخطر الأكبر في المرحلة الحالية لا يتمثل بالضرورة في سيطرة أي طرف على مدينة بعينها، وإنما في تحول القتال إلى جبهات عدة مترابطة، بما يزيد صعوبة التوصل إلى تسوية، ويرفع في الوقت نفسه المخاطر الإنسانية والاقتصادية على السكان وحركة التجارة.
وبين ميكيلي وعفر وجيبوتي، تتشكل خريطة جديدة للمواجهة، قد تصبح فيها السيطرة على الطرق ومراكز الإمداد عاملاً لا يقل أهمية عن السيطرة على المدن.
ويرى مراقبون في المنطقة أن استمرار توسع القتال باتجاه عمق إقليم عفر يمثل اختباراً مزدوجاً لقدرة الحكومة الإثيوبية على حماية خطوطها الاستراتيجية وممراتها التجارية، ولقدرة الأطراف الإقليمية والدولية على احتواء التصعيد ومنع تحوله من مواجهة محلية إلى أزمة أوسع تمس أمن القرن الإفريقي والبحر الأحمر.











