معركة "الحزام الحصين" في دونباس.. أوكرانيا تبطئ تقدم روسيا | الشرق للأخبار

معركة "الحزام الحصين" في دونباس.. أوكرانيا تبطئ التقدم الروسي

جنود أوكرانيون يتدربون على إطلاق النار  في منطقة دونباس. 8 أبريل 2023 - REUTERS
جنود أوكرانيون يتدربون على إطلاق النار في منطقة دونباس. 8 أبريل 2023 - REUTERS

عرقلت أوكرانيا محاولات روسية لتطويق المدن التي لا تزال تحت سيطرة الجيش الأوكراني في منطقة دونباس، شرقي البلاد، فيما استعادت كييف عشرات الكيلومترات المربعة خلال هجوم مضاد مستمر منذ أشهر في شمال المنطقة، حسبما نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن محللين غربيين.

وتواصل روسيا في الوقت نفسه شن هجمات مكثفة في جنوب دونباس لاختراق الخطوط الأوكرانية، لكن كييف أعادت تنظيم دفاعاتها وتمكنت حتى الآن من وقف التقدم الروسي نحو أهدافه الرامية إلى تطويق المدن الرئيسية في المنطقة، بحسب الصحيفة.

وأضافت أن هذه التطورات تأتي في وقت تباطأت فيه مكاسب روسيا في مختلف أنحاء أوكرانيا بشكل ملحوظ خلال عام 2026، مقارنة بالوتيرة البطيئة أصلاً التي سجلتها العام الماضي.

وكان سبتمبر أسوأ شهر لروسيا من حيث صافي المكاسب الإقليمية داخل أوكرانيا منذ يونيو 2023، وفقاً لمجموعة "بلاك بيرد" البحثية التي تتخذ من فنلندا مقراً لها.

وتشير تقديرات باحثين غربيين يتابعون تطورات المعارك، رغم اختلاف أرقامهم، إلى أن روسيا حققت هذا العام مكاسب من الأراضي تزيد قليلاً على المساحات التي خسرتها.

ويختلف ذلك بشدة عن تقديرات وزارة الدفاع الروسية، التي قالت في 19 سبتمبر إن قواتها سيطرت على أكثر من ألفي كيلومتر مربع. وحتى المدونون العسكريون الروس القوميون المتشددون أعربوا عن قلقهم من أن مساعي موسكو لتطويق ما يسمى مدن "الحزام الحصين" في دونباس لا تحقق أهدافها.

"عملية فيفالدي"

وأطلقت كييف على هجومها المضاد في شمال دونباس اسم "عملية فيفالدي"، في إشارة إلى المراحل الأربع التي تقول أوكرانيا إن العملية مرت بها، وإلى أشهر أعمال المؤلف الموسيقي أنطونيو فيفالدي.

وقال جورج باروس، كبير المحللين في "معهد دراسة الحرب" بواشنطن، إن العملية تثبت أن تحرك القوات باستخدام المركبات المدرعة لا يزال ممكناً في ساحة المعركة، رغم الانتشار الكثيف للطائرات المسيرة، وذلك متى توافرت الظروف العسكرية المناسبة.

لكن استعادة أوكرانيا جزءاً صغيراً من الأراضي التي خسرتها تطلبت أشهراً من التحضير.

ومع تقدم القوات الروسية هذا العام في مناطق شرق مدينتي سلوفيانسك وكراماتورسك، ودخولها كوستيانتينيفكا من الجنوب، بدأت القوات الأوكرانية التحضير لهجوم مضاد في الشمال.

وقال قادة أوكرانيون إن قواتهم عملت أولاً على تثبيت خطوطها الدفاعية ووقف التقدم الروسي البطيء، قبل الانتقال إلى تهيئة الظروف التي تسمح بشن الهجوم.

واستهدفت القوات الأوكرانية خطوط الإمداد الروسية، ووسعت حملة الضربات متوسطة المدى ضد الطرق والسكك الحديدية التي تنقل القوات والمعدات إلى الجبهة.

وقال اللفتنانت كولونيل بيترو هورباتينكو من الفيلق الثالث للجيش، الذي قاد الهجوم المضاد، إن أوكرانيا دمرت أيضاً خط أنابيب للنفط، ما قطع إمدادات الوقود التي تحتاجها القوات الروسية لعمليات المراقبة في ساحة المعركة.

كما ركزت القوات الأوكرانية على استهداف مشغلي الطائرات المسيرة الروس من النخبة، باستخدام "الاستخبارات الإشارية" لتحديد مواقعهم وملاجئهم.

وفي المناطق التي استخدمت فيها روسيا طائرات مسيرة موجهة بكابلات من الألياف الضوئية، تعقب الكشافة الأوكرانيون الكابلات وصولاً إلى مواقع إطلاق المسيّرات.

وشملت التحضيرات أيضاً استخدام أنظمة روبوتية متطورة لإزالة الألغام وفتح ممرات أمام القوات الأوكرانية، إلى جانب زرع ألغام بطائرات مسيرة على طرق الإمداد الروسية.

اقرأ أيضاً

حرب المسيرات تتسارع.. روسيا تهاجم وأوكرانيا تطوّر اعتراضات أسرع

تتسابق روسيا وأوكرانيا على تطوير المسيرات، فمع استخدام موسكو مسيرات هجومية نفاثة تصل سرعتها إلى 500 كيلومتر في الساعة، تطور كييف ستينج إس وجيت كيلر وزورليت V5.

وبعد اكتمال الاستعدادات، بدأت القوات الأوكرانية التقدم، مستخدمة مسُيرات برية مسلحة بالمتفجرات والرشاشات لاستهداف المناطق الخلفية الروسية، بالتزامن مع تقدم القوات على طول الجبهة باستخدام مركبات مدرعة لتطهير المواقع الروسية.

وقال جنود أوكرانيون إن القوات الروسية، التي فوجئت بالهجوم، كانت ترسل تعزيزات إلى مناطق سبق أن تقدمت إليها القوات الأوكرانية، ما أدى إلى وقوع تلك التعزيزات في كمائن.

وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن أكثر من 5 آلاف جندي روسي لقوا حتفهم في العملية حتى الآن، وإن 250 آخرين أُسروا. 

وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أنها لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من هذه الأرقام، فيما لا تنشر أوكرانيا بيانات عن خسائرها البشرية.

روسيا تحاول استعادة الزخم في الجنوب

وكان أكبر تحرك على الجبهة قبل "عملية فيفالدي" اختراقاً روسياً في العام الماضي، عندما نجحت القوات الروسية خلال ربيع وصيف 2025 في تجاوز الدفاعات الأوكرانية حول بوكروفسك، وتقدمت عدة كيلومترات غرباً عبر مناطق مفتوحة باتجاه دوبروبيليا.

وهدد ذلك التقدم بقطع وصول أوكرانيا إلى طريق سريع حيوي، وتطويق مدن "الحزام الحصين" من الجنوب الغربي، ما دفع كييف إلى إرسال بعض أفضل ألوية قواتها إلى المنطقة لاحتواء الاختراق.

وفي وقت مبكر من هذا العام، سيطرت القوات الروسية على بوكروفسك، ثم واصلت تقدمها ببطء نحو الشمال خلال الأشهر التالية. لكن القوات الأوكرانية تمكنت في نهاية المطاف من تثبيت دفاعاتها ووقف التقدم الروسي قبل تحقيق أهدافه الاستراتيجية، وفقاً لجنود أوكرانيين ومحللين عسكريين.

ويقول قادة أوكرانيون إن روسيا لا تزال مصممة على استعادة زخمها، وتواصل الدفع بمئات الجنود يومياً إلى الهجمات، فيما تظل المنطقة واحدة من أكثر قطاعات الجبهة احتداماً.

وقال اللفتنانت كولونيل كيريلو دوبروفسكي، قائد في الفيلق الأول "آزوف" التابع للحرس الوطني الأوكراني، إن دمج نظام رقمي لإدارة ساحة المعركة يُعرف باسم "دلتا" كان حاسماً في صد التقدم الروسي.

وأوضح أن النظام أتاح "تنظيم تبادل المعلومات في الوقت الفعلي، ورصد مجموعات الاقتحام التابعة للعدو وتحييدها"، بحسب قوله.

وقال ميكولا بيليسكوفي، المحلل في مؤسسة Come Back Alive Foundation، الداعمة للجيش الأوكراني، إن التكنولوجيا الجديدة والإنتاج المكثف للطائرات المسيرة وتحسين التنسيق أسهموا في تعزيز الدفاع الأوكراني، مشيراً إلى استخدام المركبات البرية الروبوتية في عشرات الآلاف من المهام على امتداد الجبهة.

اقرأ أيضاً

"حرب الطاقة".. كهرباء أوكرانيا ونفط روسيا في مرمى الضربات

لا تتوقف الحرب الروسية الأوكرانية عند خطوط الجبهة، إذ تحولت شبكات الكهرباء والتدفئة في أوكرانيا ومصافي النفط في روسيا إلى أهداف رئيسية.

"منطقة القتل"

ويعتمد التقدم الروسي بدرجة كبيرة على تكتيكات التسلل، إذ يتحرك جنود أفراد أو مجموعات صغيرة سيراً على الأقدام عبر ما يعرف بـ"منطقة القتل"، وهي مساحة تمتد لكيلومترات وتغطيها طائرات الاستطلاع والهجوم المسيرة.

وبعد التسلل خلف التحصينات الأوكرانية، تتجمع القوات وتنتظر قبل شن هجماتها.

وقال باروس إن روسيا دفعت بهذه التكتيكات إلى حدودها القصوى مع اتساع "منطقة القتل"، ما أدى إلى تجاوز حدود قدرة البشر على التحمل.

وأدت استراتيجية التسلل إلى نشوء منطقة رمادية آخذة في الاتساع، يوجد فيها جنود من الجانبين بينما تظل السيطرة على الأرض غير واضحة.

وقال الكولونيل أولكسندر راشيفسكي، قائد لواء الاقتحام المشترك "ليوت" التابع للشرطة الوطنية الأوكرانية، إن الجانبين يتقاتلان للسيطرة على خطوط الأشجار والمباني والطرق ومسارات الإمداد.

وأضاف: "لا توجد اليوم جبهة بسيطة في دونباس يكفي معها رسم خط واحد على الخريطة والقول: حتى هذه النقطة يسيطر أحد الطرفين، وما بعدها يسيطر الطرف الآخر".

ويصر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أن السيطرة الروسية الكاملة على دونباس، سواء بالقوة أو من خلال تنازلات أوكرانية، شرط غير قابل للتفاوض لإنهاء الحرب.

ورفضت أوكرانيا مقترحات من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تقضي بتسليم أراضٍ لم تتمكن روسيا من الاستيلاء عليها في ساحة المعركة.

تصنيفات

قصص قد تهمك