
تسعى إيران إلى زيادة الضغوط الاقتصادية على الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقررة في 3 نوفمبر المقبل، عبر تصعيد الهجمات على السفن في مضيق هرمز، مستفيدةً من حساسية أسعار الطاقة بالنسبة إلى الناخبين الأميركيين، حسبما نقلت صحيفة "وواشنطن بوست" عن مسؤولين إيرانيين ودبلوماسيين في المنطقة.
وقالت الصحيفة، الاثنين، إن الأسابيع القليلة المقبلة تمثل فترة حاسمة للقيادة الإيرانية، التي تتوقع أن يصبح ترمب أقل تأثراً سياسياً من ارتفاع أسعار الطاقة بعد الانتخابات النصفية، ولذلك تسعى طهران إلى إلحاق أكبر ضرر ممكن به قبل حلول موعدها، بحسب المسؤولين والدبلوماسيين.
وأوضح مسؤولان إيرانيان أن حكومتهما تركز على انتخابات نوفمبر، وتعتبر الفترة التي تسبقها فرصة حاسمة لممارسة الضغط على ترمب.
وطلب المسؤولان، إلى جانب المسؤولين والدبلوماسيين الآخرين الذين تحدثوا للصحيفة، عدم الكشف عن هوياتهم نظراً لحساسية الجهود الدبلوماسية.
وأشار دبلوماسي عربي وآخر غربي، وفق الصحيفة، إلى أن بعض المسؤولين الإيرانيين يسعون إلى "معاقبة" ترمب في الانتخابات، على غرار أزمة الرهائن في إيران التي أضرت بحملة الرئيس السابق جيمي كارتر لإعادة انتخابه في عام 1980.
وقال الدبلوماسي العربي: "إنهم مهووسون بهذا الأمر. ويعتقدون أنهم قادرون على إسقاط رئيس من منصبه".
تصعيد الهجمات في مضيق هرمز
وتجلّت هذه الاستراتيجية في تصاعد الهجمات في مضيق هرمز. فمع إطلاق الولايات المتحدة عمليات تهدف إلى تشجيع زيادة حركة الملاحة عبر المضيق، كثّفت إيران هجماتها على السفن إلى مستويات لم تُسجّل منذ الأيام الأولى للحرب، وفق "واشنطن بوست".
وتنفّذ القوات الأميركية عمليات واسعة النطاق يومياً، مستخدمةً أسراباً متعددة من الطائرات المقاتلة والمسيّرة، إلى جانب قوات العمليات الخاصة، لتوجيه السفن وحمايتها أثناء عبورها الممر المائي الضيق في الاتجاهين، بحسب مسؤول غربي ومصدر مطلع على العمليات تحدثا للصحيفة.
وأشار المسؤول الغربي إلى أن متوسط الهجمات الإيرانية في المضيق بلغ نحو 30 هجوماً أسبوعياً خلال سبتمبر الماضي. ومنذ بداية أكتوبر الجاري، هاجمت إيران أكثر من 20 سفينة، غرقت إحداها، وفق هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، وهي جهة تابعة للجيش البريطاني معنية بمراقبة الملاحة البحرية.
ورغم تصاعد وتيرة الهجمات، نجحت الولايات المتحدة في زيادة كميات النفط المنقولة بحراً إلى خارج الخليج العربي بصورة كبيرة، بحسب الصحيفة.
وتُظهر بيانات شركة "كبلر" Kpler العالمية المتخصصة في تحليلات أسواق الطاقة والشحن، ارتفاع شحنات النفط المنقولة عبر مضيق هرمز من منتصف أغسطس إلى أواخر سبتمبر، إذ اقتربت الصادرات اليومية في عدة أيام خلال الشهر الماضي من متوسط مستوياتها المسجلة قبل الحرب.
لكن ارتفاع التدفقات لا يعني عودة حركة الملاحة إلى طبيعتها، إذ قالت أمينة بكر، رئيسة أبحاث الطاقة في الشرق الأوسط لدى "كبلر"، إن "التكاليف والمخاطر" المرتبطة بعمليات الشحن لا تزال مرتفعة، ما يُبقي أسعار الطاقة العالمية عند مستويات مرتفعة أيضاً.
وأضافت بكر: "لا ينبغي النظر إلى الوضع على أنه عودة إلى الظروف التي كانت سائدة قبل الحرب". وقدّرت أن المخاطر الجيوسياسية تضيف 30 دولاراً إلى السعر الحالي لبرميل النفط.
طهران تتهم واشنطن بـ"التهريب"
ووصف مسؤولون إيرانيون العمليات الأميركية الموسّعة بأنها "عمليات تهريب". وفي مقابلة مع صحيفة "كيهان" الإيرانية المحافظة، قال النائب الإيراني، فدا حسين مالكي، إن هذه التحركات جعلت الوضع في المضيق "معقد للغاية". وأضاف مالكي: "إيران مُلزمة بالدفاع بحزم عن الممر المائي العالمي المهم، الذي يُعد جزءاً من أراضينا الإقليمية".
وتحظى انتخابات التجديد النصفي باهتمام واسع في وسائل الإعلام الإيرانية، بحسب "واشنطن بوست"، إذ تتناول البرامج الحوارية على التلفزيون الرسمي الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، وتناقش كيف يمكن أن تؤدي خسائر الجمهوريين إلى الحد من قدرة ترمب على مواصلة الحرب خلال النصف الثاني من ولايته.
وفي مقابلة مع قناة Press TV الإيرانية الحكومية، تطرق مستشار الأمن القومي الإيراني محسن رضائي، إلى العمليات في مضيق هرمز، قائلاً إن إيران ردت عليها باستهداف "خمس أو ست" سفن كل ليلة.
وقال رضائي: "ترمب لجأ إلى التهريب من خلال استئجار عدد من البلطجية الذين يعملون في المياه قبالة السواحل العُمانية".
كما هدد رضائي باستهداف بنى تحتية في المنطقة تتجاوز تلك التي ضربتها إيران بالفعل، في حال استئناف الحرب الشاملة، قائلاً: "ستكون العديد من الكابلات ومراكز البيانات ومراكز الذكاء الاصطناعي، التي تبلغ قيمتها مبالغ طائلة، ضمن نطاق الاستهداف".
رهان إيراني على خسارة الجمهوريين
وفي سياق متصل، يرى بعض المعلقين في وسائل الإعلام الإيرانية، أن هزيمة الجمهوريين في انتخابات نوفمبر ستصب في مصلحة طهران، إذ ستحد من قدرة ترمب على التحرك، وتزيد احتمالات تعرضه للعزل، وتجعل مواصلة الحرب أكثر صعوبة بالنسبة إليه، وفق "واشنطن بوست".
وخلال ظهوره في برنامج حواري على وسائل الإعلام الرسمية في أغسطس الماضي، قال وزير الخارجية الإيراني السابق، منوشهر متقي، إنه إذا واجه ترمب "مصيراً سيئاً" في انتخابات نوفمبر، "فسيتعين عليه قضاء العامين المتبقيين من رئاسته في كابوس".
وبعيداً عن الحسابات الانتخابية، تحاول إيران، من خلال تكثيف الهجمات في مضيق هرمز في الوقت الراهن، استعادة أوراق ضغط يمكن توظيفها في المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب، بحسب الدبلوماسي الغربي الذي تحدث لـ"واشنطن بوست".
وقال الدبلوماسي إن تفاقم الأزمة الاقتصادية وتصاعد العزلة الدولية، يثيران قلقاً متزايداً داخل القيادة الإيرانية من احتمال أن تصبح البلاد، خلال أشهر، عاجزة عن أداء وظائف أساسية، مثل دفع رواتب قواتها الأمنية.
وعلى الرغم من الضغوط التي يتعرض لها الطرفان، لا يبدو أن فريقي التفاوض الإيراني والأميركي مستعدان لتقديم تنازلات كبيرة، وفق التقرير.
وكان آخر لقاء مباشر بين الجانبين على مستوى رفيع قد عُقد في سبتمبر الماضي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تبادلا مقترحات للتوصل إلى اتفاق.
وبحسب مسؤول إيراني اطّلع على مجريات المحادثات، تبادل الجانبان مقترحات، ودفع بعض كبار المسؤولين الإيرانيين باتجاه التوصل إلى اتفاق قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية، لكنهم رفضوا طلب واشنطن تقديم تنازل مسبق بشأن الملف النووي.
وفي حين تسعى إيران إلى التوصل إلى تسوية تنهي الحرب، تهدف حملة الضغط التي تكثفها قبيل الانتخابات الأميركية أيضاً إلى توجيه رسالة إلى الإدارات الأميركية المقبلة، بحسب نجار مرتضوي، الباحثة الإيرانية في مركز السياسة الدولية، وهو مركز أبحاث تقدمي مقره واشنطن.
وقالت مرتضوي إن المسؤولين الإيرانيين يسعون إلى إيصال رسالة مفادها أن "مهاجمة إيران تنطوي على ثمن سياسي باهظ، قد يصل إلى حد خسارة الانتخابات".
وأضافت: "طهران تفكر فيما بعد ترمب. إنها تريد من الرؤساء الأميركيين المقبلين أن يتذكروا ما حدث له قبل التفكير في شن حرب أخرى على إيران".












