البحر الأسود يتصدر مسارات الشحن الأشد فتكاً بالبحارة | الشرق للأخبار

البحر الأسود يتصدر مسارات الشحن الأشد فتكاً بالبحارة

سفن إنقاذ رومانية تشارك في عملية إنقاذ طاقم سفينة شحن بعد انقلابها في البحر الأسود قرب المياه الإقليمية الرومانية. 23 أكتوبر 2026 - REUTERS
سفن إنقاذ رومانية تشارك في عملية إنقاذ طاقم سفينة شحن بعد انقلابها في البحر الأسود قرب المياه الإقليمية الرومانية. 23 أكتوبر 2026 - REUTERS

تحوّل البحر الأسود إلى أخطر ممر ملاحي في العالم بالنسبة إلى أطقم السفن التجارية، في ظل تصاعد الهجمات الروسية والأوكرانية على السفن والبنية التحتية للموانئ، وارتفاع حصيلة الضحايا إلى مستويات تتجاوز تلك المسجلة في منطقة الخليج، التي تحظى باهتمام دولي أكبر، وفقاً لصحيفة "فاينانشال تايمز".

وتواجه ناقلات النفط وسفن البضائع والحبوب مخاطر متزايدة جراء الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ والزوارق المحملة بالمتفجرات، فيما تدفع تكاليف التأمين المرتفعة وتراجع حركة الشحن الشركات إلى إعادة النظر في عملياتها بالمنطقة.

ولا تقتصر التداعيات على سلامة البحارة والتجارة، بل تمتد إلى صادرات الحبوب وإمدادات الغذاء العالمية، مع تزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار الهجمات إلى تعطيل الزراعة ورفع تكاليف الإمدادات.

وأفادت بيانات شركة "أمبري" (Ambrey) للأمن البحري والمنظمة البحرية الدولية بأن أكثر من 570 سفينة تعرضت للاستهداف خلال العام الجاري، ما أودى بحياة 40 بحاراً على الأقل، مقارنة بـ24 حالة وفاة مؤكدة في مضيق هرمز.

وخلال الربع الثالث من العام، تجاوز متوسط عدد الهجمات 4 هجمات يومياً، لكن توثيق الحوادث لا يزال غير مكتمل، ما يصعب تحديد حجم الخسائر بدقة.

وذكرت "فاينانشال تايمز" أنه في 15 أكتوبر، أصابت طائرتان مسيّرتان ناقلة المواد الكيميائية "واين تريدر" (Wine Trader)، التي بُنيت قبل 37 عاماً، أثناء رسوها قبالة الساحل الروماني، في انتظار تحميل شحنة من مولدوفا. وفي الليلة نفسها، تعرضت ناقلة أخرى، هي "يارا جي" (Yara J)، لهجوم قرب مدخل قناة سولينا.

وأعلنت روسيا خلال الأسبوع تعرض 5 سفن شحن أخرى لهجمات قبالة الساحل الأوكراني، كما أفادت السلطات الرومانية بتعرض ناقلة لهجوم الخميس، ما أسفر عن وفاة بحار وفقدان 3 آخرين.

وقال سالفاتوري أدورنو، المسؤول لدى شركة "سيشيليب" (Sicilship) التي تدير "واين تريدر"، إن الوضع "يصعب تصديقه"، مضيفاً: "في رأيي، ينطوي كل هجوم على سفينة على احتمال التسبب في سقوط ضحايا. واستهداف أماكن إقامة الطاقم في الموقع نفسه مرتين يشير إلى نية القتل".

من جهته، اتهم الرئيس الروماني نيكوشور دان روسيا بتصعيد الحرب عند تخوم أراضي دول حلف شمال الأطلسي (الناتو).

من اتفاق الحبوب إلى مواجهة مفتوحة

ظل البحر الأسود منطقة عالية المخاطر منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، إذ زُرعت الألغام في مياهه، وواصلت روسيا قصف الموانئ الأوكرانية بعد انهيار اتفاق تصدير الحبوب الذي توسطت فيه الأمم المتحدة وتركيا عام 2023. كما انتشرت عمليات التشويش على أنظمة الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية لدى الطرفين.

ومنذ الصيف، بلغت الهجمات المتبادلة على السفن والموانئ مستويات غير مسبوقة. ووفقاً لشركة "أمبري"، تعرضت نحو 387 سفينة للاستهداف بين يوليو وسبتمبر، أي أكثر من 5 أمثال العدد المسجل في الربع السابق.

ويُعزى جانب من التصعيد إلى حملة الهجمات الأوكرانية بالمسيّرات ضد السفن الروسية، التي بدأت بهدف قطع إمدادات الديزل من شبه جزيرة القرم، ثم امتدت إلى مضيق كيرتش، الذي يربط البحر الأسود ببحر آزوف.

وفي سبتمبر، قال روبرت بروفدي، قائد قوات الأنظمة غير المأهولة الأوكرانية، إن كييف استهدفت أكثر من 300 سفينة روسية خلال 11 أسبوعاً، بينها ناقلات خاضعة للعقوبات وسفن تنقل الحبوب.

وردت موسكو بتكثيف هجماتها على السفن التي تتردد على الموانئ الأوكرانية. ووفقاً لشركة "أمبري"، كانت روسيا مسؤولة عن نحو 90% من الهجمات على السفن خلال الـ45 يوماً التي سبقت إعداد التقرير.

وانخفض عدد السفن التي استقبلها أحد موانئ منطقة أوديسا الكبرى إلى أقل من 10 سفن الشهر الماضي، مقابل نحو 400 سفينة في يوليو.

ارتفاع مخاطر الاستهداف وتكاليف التأمين

وأصبحت الهجمات أشد فتكاً بأطقم السفن، مع اتجاه أوكرانيا إلى تبني أساليب روسية، بحسب محللين.

وقال توماس أليكسا، كبير المحللين في "أمبري"، إن أوكرانيا كانت تستهدف سابقاً مشعبات النفط (وصلات أنابيب التحميل والتفريغ)، أو تعطل غرف المحركات والدفات، لكنها باتت تستهدف جسور القيادة وأماكن إقامة أفراد الطواقم، ما يزيد احتمالات سقوط ضحايا.

وامتد نطاق الهجمات ليشمل مناطق أوسع من البحر الأسود. وفي منتصف سبتمبر، وسعت اللجنة المشتركة للحرب المنطقة المصنفة ضمن أعلى مستويات المخاطر التأمينية لتشمل معظم البحر الأسود، باستثناء المياه الإقليمية لرومانيا وبلغاريا وتركيا. لكن تعرض سفن لهجمات في تلك المناطق دفع شركات إلى إعادة النظر في عملياتها قرب قناة سولينا.

اقرأ أيضاً

التأمين البحري تحت ضغط الحروب.. تكاليف إضافية تصل إلى المستهلك

تتزايد كلفة تأمين التجارة البحرية مع تصاعد المخاطر الأمنية واضطراب الممرات الملاحية الاستراتيجية. فيما تنتقل هذه التكاليف إلى المستوردين والأسواق والمستهلكين.

وقد تصل أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب إلى 15% من قيمة هيكل السفينة، وفقاً لمتخصصين في تأمين السفن تحدثوا لصحيفة "فاينانشال تايمز"، أي ما يقارب ضعف المعدل في الخليج.

ودفع ذلك مالكي السفن إلى استخدام سفن أقدم وأقل تكلفة من حيث التأمين، يصل عمر بعضها إلى 50 عاماً، رغم احتمال احتجازها في موانئ أوروبية بسبب تدهور حالتها.

البحارة يدفعون الثمن الأكبر

تعمل سفن كثيرة خارج الأطر المعتادة للاتفاقات النقابية، ما يزيد تعرض البحارة للاستغلال. وأفاد بعض العاملين الذين طلبوا مغادرة السفن بعد عبورها مضيق البوسفور إلى البحر الأسود بأن أصحاب العمل طالبوهم بدفع تعويض للشركات عند إنهاء عقودهم مبكراً، بحسب الاتحاد الدولي لعمال النقل.

وقال الأمين العام للاتحاد، ستيفن كوتون، إن كثيراً من أفراد الطواقم ينحدرون من دول مثل سوريا ومصر وأذربيجان وبنين، حيث يضطر بعض البحارة إلى قبول وظائف عالية المخاطر.

وتُظهر عقود لبحارة سوريين اطلعت عليها الصحيفة أن الأجور قد تبلغ 800 دولار شهرياً، مع زيادة تُحتسب عن كل يوم يقضيه البحار في منطقة الحرب.

وينص أحد العقود على تعويض أقارب البحار المتوفى بمبلغ يتراوح بين 25 ألفاً و50 ألف دولار، بحسب رتبته.

وقال البحار البنجلاديشي محفوظ الإسلام بلابون، الذي نجا من هجوم بمسيّرة بحرية أوكرانية على ناقلة كانت متجهة إلى ميناء نوفوروسيسك الروسي، إنه لن يعود إلى البحر الأسود مهما عُرض عليه من أموال.

وأضاف أن النيران دمرت قارب النجاة، ما اضطر أفراد الطاقم إلى التجمع في مقدمة السفينة قبل إنقاذهم بعد 3 ساعات، مشيراً إلى أنه تقاضى 40 دولاراً إضافية يومياً مقابل العمل في منطقة الحرب.

ومع تزايد صعوبة العثور على أطقم للسفن، أصبحت الخبرة البحرية أكثر أهمية في التعامل مع المياه الملغومة، بينما أجبر التشويش على أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية قادة السفن على الاعتماد على الخرائط الورقية.

تداعيات على أسواق الغذاء

حوّلت أوكرانيا بعض صادرات الحبوب إلى موانئ أصغر على نهر الدانوب، لكن الهجمات المتكررة تعرقل الاستفادة من طاقتها الاستيعابية الكاملة. وفي المقابل، تعيد روسيا توجيه شحناتها عبر مسارات أكثر تكلفة، منها موانئ بحر البلطيق وميناء فلاديفوستوك.

وبلغ حجم الشحنات المحملة في موانئ البحر الأسود وبحر آزوف 201 ألف طن في سبتمبر، أي سُدس المستوى المسجل في الشهر السابق، وفقاً لبيانات شركة "آي إف سي إتش أو آر جالبريثس" (IFCHOR GALBRAITHS)، المتخصصة في وساطة الشحن البحري والاستشارات الاستراتيجية.

كما لجأت موسكو إلى تغطية ناقلات النفط بشباك مضادة للمسيّرات، واعتماد أساليب أكثر تعقيداً للتلاعب بإشارات نظام تحديد المواقع العالمي، لتفادي الهجمات.

وتراجعت صادرات أوكرانيا من السلع الزراعية المنقولة بحراً إلى 1.4 مليون طن في أغسطس، بانخفاض يقارب 75% عن مستويات ما قبل الحرب، وفقاً لوزارة الزراعة الأوكرانية.

وحذر أندري فيريفسكي، رئيس شركة "كيرنل" (Kernel) المصدرة لزيت دوار الشمس، من أن استمرار تعطيل الموانئ وارتفاع تكاليف الشحن قد يحرمان المزارعين الصغار والمتوسطين من الأموال اللازمة لشراء الوقود والبذور والأسمدة في الموسم المقبل.

وقد تضطر أسواق بعيدة، من غرب إفريقيا إلى إندونيسيا، إلى البحث عن مصادر بديلة. وبدأت إندونيسيا بالفعل التوجه إلى موردين أستراليين، وسط مخاوف من عدم وصول شحنات الحبوب الروسية التي حجزتها.

وحذّر أندري كليمنكو، رئيس "معهد البحر الأسود للدراسات الاستراتيجية" (ICBSS)، من تدهور الأوضاع ما لم تتدخل قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهو احتمال مستبعد، رغم دعوة البرلمان الأوروبي إلى إطلاق عملية بحرية للاتحاد الأوروبي في البحر الأسود.

وقال كليمنكو إن التعويل على وقف لإطلاق النار في الوقت الراهن أمر غير واقعي، محذراً من أن الحرب قد تستمر وتتسع. وأعرب عن اعتقاده بأن إدراك الطرفين قدرة استهداف مسارات الشحن على إلحاق أضرار كبيرة سيجعل وقف هذا النهج صعباً.

تصنيفات

قصص قد تهمك