أصوات اللاتينيين.. الغلاء والهجرة يهدّدان أغلبية الجمهوريين | الشرق للأخبار
خاص

أصوات اللاتينيين في التجديد النصفي.. الغلاء وملاحقات الهجرة يهدّدان أغلبية الجمهوريين

رواد أحد المطاعم في ألينتاون بولاية بنسلفانيا، حيث تتردد الأغاني اللاتينية وتنتشر المطاعم والحانات في أحياء المدينة. 31 أكتوبر 2026 - الشرق
رواد أحد المطاعم في ألينتاون بولاية بنسلفانيا، حيث تتردد الأغاني اللاتينية وتنتشر المطاعم والحانات في أحياء المدينة. 31 أكتوبر 2026 - الشرق
بنسلفانيا -

كان المستقبل، في حسابات جوليو فرانسيسكو، يتسع لفروع جديدة لمطعمه في ألينتاون بولاية بنسلفانيا، ولعمال إضافيين يشاركونه إعداد الوجبات. وحين منح صوته للرئيس دونالد ترمب في انتخابات 2024، كان ينتظر اقتصاداً يساعده على تحقيق هذه الخطط، وأسعاراً تتيح له ولزبائنه قدرة أكبر على الإنفاق.

اليوم، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأميركية، التي يتنافس فيها الحزبان الجمهوري والديمقراطي على أغلبية مجلس النواب، يقول فرانسيسكو إن تكاليف التشغيل ارتفعت بنحو الثلث، وإن الأرباح تراجعت، فيما أصبح رفع أسعار الوجبات مخاطرة قد تُبعد زبائن المطعم وتزيد خسائره.

وحتى إقبال الزبائن بات يتأثر بما يجري خارج المطعم، فبحسب روايته، دفع الخوف من ملاحقات سلطات الهجرة بعض زبائنه اللاتينيين إلى تقليل خروجهم، بينما غاب آخرون بعدما طالتهم عمليات الترحيل.

في هذه المدينة ذات الأغلبية اللاتينية، التي زارتها "الشرق" قبل أيام من انتخابات التجديد النصفي، تتداخل تكاليف المعيشة مع مخاوف الهجرة، لتضع الوعود التي حملت ترمب إلى البيت الأبيض أمام اختبار انتخابي جديد.

وتقع ألينتاون في قلب الدائرة السابعة بولاية بنسلفانيا، التي انتزع الجمهوري رايان ماكنزي مقعدها من الديمقراطيين عام 2024 بفارق نحو 4 آلاف صوت، ويواجه فيها الآن المرشح الديمقراطي بوب بروكس.

ومع اقتراب اقتراع الثالث من نوفمبر، يسعى الجمهوريون إلى الاحتفاظ بمكاسبهم بين الناخبين اللاتينيين، فيما يراهن الديمقراطيون على تحويل الاستياء من الغلاء وسياسات الهجرة إلى أصوات تتيح لهم استعادة المقعد.

وبين الرهانين، يقف ناخبون مثل جوليو، يقيسون الوعود السياسية بما تبقى من أرباح أعمالهم وبقدرة أسرهم على تحمل النفقات، في منافسة محلية قد تسهم نتيجتها في ترجيح كفة أحد الحزبين في مجلس النواب الأميركي.

وخلف هذا التنافس على الأصوات، تحول سكاني غير ملامح ألينتاون نفسها. فالمدينة الواقعة في قلب وادي ليهاي، التي ارتبط تاريخها بالمصانع والأحياء العمالية، بات اللاتينيون يشكلون 56.3% من سكانها، وفق مكتب التعداد الأميركي، مع حضور بارز للسكان من أصول بورتوريكية ودومينيكية.

ويمتد هذا الثقل السكاني إلى الدائرة السابعة التي تضم المدينة، حيث يمثل اللاتينيون نحو ربع السكان، ما يجعل استمالة الناخبين اللاتينيين وحشدهم جزءاً أساسياً من حسابات الحملتين في سباق تتقارب فيه حظوظ الحزبين.

وتتوزع اهتمامات هؤلاء الناخبين بين تكاليف المعيشة وفرص العمل وسياسات الهجرة، فيما تظل القيم الدينية والأسرية عاملاً مؤثراً لدى بعضهم.

ويحاول الجمهوريون البناء على المكاسب التي حققوها بينهم في انتخابات 2024، بينما يسعى الديمقراطيون إلى استعادة أصوات ابتعدت عنهم تحت ضغط الغلاء. 

وبين الطرفين، يعيد بعض الناخبين تقييم خياراتهم في ضوء ما تغير في حياتهم منذ الاقتراع السابق.

وتعكس شهادات من المدينة تداخل القلق الاقتصادي مع الخوف من ملاحقات سلطات الهجرة، التي تمتد آثارها إلى تفاصيل الحياة اليومية، من العمل والتسوق إلى اصطحاب الأطفال إلى المدارس.

الاقتصاد أولوية قصوى في خضم حرب إيران

في أحياء ألينتاون التي زارتها "الشرق"، تتردد الأغاني اللاتينية وتنتشر المطاعم والحانات.

وفي أحاديث السكان، تتكرر حسابات الحياة اليومية: أسعار الطعام، وتكاليف الوقود، وأعباء السكن. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، تتداخل هذه الضغوط مع مخاوف الهجرة، لتضع القدرة على تحمل تكاليف المعيشة في صدارة أولويات كثير ممن التقيناهم.

وقد اختبر الغلاء الولاءات الحزبية في انتخابات 2024، حين نجح ترمب في توسيع قاعدة تأييده بين الناخبين اللاتينيين، مستفيداً من تطلعاتهم إلى تحسن الأوضاع الاقتصادية.

واليوم، يعيد ناخبون تقييم تلك الوعود في ضوء الأداء، ويقارنون بين ما انتظروه من الرئيس ومرشحي الكونجرس، وما تغير فعلياً في نفقات أسرهم وظروف أعمالهم.

ومن مطبخ مطعمه، يقدم جوليو فرانسيسكو أرقاماً توضح الفارق بين توقعاته وواقعه. فصاحب المطعم، وهو عضو في مجلس ملاك المطاعم بألينتاون، صوت لترمب أملاً في انخفاض الأسعار وتحسّن الاقتصاد، وخطط لفتح فروع جديدة وتوظيف مزيد من العمال.

واليوم، يقول إن أرباحه تراجعت، وإن تكاليف التشغيل ارتفعت بنحو 33%، وهي زيادة يعزوها إلى الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب وتداعيات حرب إيران.

ويقول فرانسيسكو إنه يتفق مع الرئيس على أهمية منع إيران من امتلاك سلاح نووي، لكنه يشكو في الوقت نفسه من أعباء الحرب الاقتصادية على عمله.

وأمام ارتفاع التكاليف، تضيق خياراته: فتحمل الزيادة يضغط على أرباحه، ورفع أسعار الوجبات لتعويضها قد يُبعد زبائن أثقل الغلاء ميزانياتهم بالفعل. ويخشى أن يدفعه فقدان هؤلاء الزبائن، في نهاية المطاف، إلى إغلاق المطعم.

وتؤثر ملاحقات سلطات الهجرة أيضاً في عدد زبائنه. فبحسب روايته، دفع الخوف بعض اللاتينيين إلى تجنب المطاعم والحانات لفترات طويلة، بينما غاب آخرون بعدما طالتهم عمليات الترحيل، رغم اعتيادهم ارتياد مطعمه خلال السنوات الماضية. وكان هؤلاء يجدون في وجباته مذاقاً يذكرهم ببلدان أصولهم، قبل أن يصبح غيابهم جزءاً من الكلفة التي يحسبها فرانسيسكو وهو يراجع حصيلة رهانه الانتخابي.

كيف أثرت حملات الهجرة على اللاتينيين؟

سينثيا موتا، إحدى سكان المدينة من أصول لاتينية، صوتت لترمب والجمهوريين عام 2024، لكنها تشعر بالخيانة، وتقول إن كثيراً من اللاتينيين يشعرون بأن الرئيس "قد خانهم".

وتقول إنهم انتخبوه أملاً في تحسن أوضاعهم، لكنهم عانوا على مدى عامين من ملاحقات عناصر إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE)، وتفريق الأسر، وتوقيف مهاجرين تقول إنهم لم يرتكبوا أي جرائم. وتضيف أنها، بوصفها أماً لـ3 أطفال، اضطرت إلى التعامل مع القلق الذي انتاب أسرتها وأسراً أخرى عديدة.

وبحسب موتا، كانت العائلات تناقش مَن سيتولى اصطحاب الأطفال من المدارس، وأين سيقيمون في حال توقيف والديهم.

وامتدت هذه المخاوف إلى متابعة شؤون الأطفال المدرسية، مع خشية آباء مهاجرين مغادرة منازلهم، حتى ممن يتمتعون بوضع إقامة مستقر منذ سنوات.

وتقول موتا إن كثيرين منهم يتجنبون اصطحاب أطفالهم إلى المدارس أو يخشون قيادة سياراتهم إليها، خوفاً من وجود عناصر فيدرالية. ولم يتمكن بعضهم حتى من الخروج لشراء السلع الأساسية خشية مصادفة دوريات تلك العناصر، ما دفعها إلى شراء احتياجات هذه العائلات.

وتضيف أنها اضطرت إلى شرح ما يحدث لأطفالها، الذين كانوا يعيشون حالة من التوتر، ويخشون أحياناً التحدث بالإسبانية كما اعتادوا. وكانوا يتابعون أيضاً أخباراً عن وفاة نحو 32 مهاجراً في مراكز الاحتجاز بمختلف الولايات.

وقالت إنها صوتت للجمهوري رايان ماكنزي عام 2024 لعضوية مجلس النواب عن الدائرة السابعة، لكنها ستمنح صوتها هذا العام للديمقراطي بوب بروكس.

التنافس على أصوات اللاتينيين

دفعت القوة الانتخابية للمجتمع اللاتيني حملتَي الجمهوري رايان ماكنزي، عضو مجلس النواب الحالي، ومنافسه الديمقراطي بوب بروكس إلى تكثيف جهودهما لاستمالة ناخبيه في الدائرة السابعة.

وكثف الجمهوريون تواصلهم مع الناخبين اللاتينيين، مستندين إلى المكاسب التي حققوها بينهم في الدورات الانتخابية السابقة. وأطلق ماكنزي تحالف "اللاتينيون من أجل ماكنزي" في صيف 2026، بهدف بناء علاقات مباشرة ومستدامة داخل المجتمع اللاتيني.

كما افتتح مكتباً محلياً في وسط ألينتاون، في خطوة تهدف إلى تسهيل التواصل مع السكان وتعزيز المشاركة المحلية. لكنه يواجه تحدياً في الحفاظ على التأييد اللاتيني الذي حظي به الجمهوريون سابقاً، وسط استياء من الأوضاع الاقتصادية واعتراضات لدى بعض الناخبين على سياسات الإدارة، ولا سيما في ملف الهجرة.

في المقابل، يكثف المرشح الديمقراطي بوب بروكس حملته، مستنداً إلى برنامج يركز على توفير السكن بأسعار معقولة والتمكين الاقتصادي للمجتمعات الحضرية.

وتعتمد حملته على التنظيم الشعبي والمنتديات المجتمعية والتواصل الإعلامي باللغة الإسبانية، لمواجهة الانطباع بأن الحزب بعيد عن الواقع اليومي للسكان اللاتينيين في ألينتاون.

لكن بعض توجهات الحزب الديمقراطي تظل عائقاً أمام استمالة الناخبين اللاتينيين المحافظين، إذ تمثل القيم الأسرية معياراً حاسماً لدى كثير من الأسر التي تختلف مع بعض مواقف الحزب.

وقالت جاكي ريفيرا، نائبة رئيس اللجنة الجمهورية بمقاطعة ليهاي في ولاية بنسلفانيا، لـ"الشرق"، إن المرشحين الجمهوريين أكثر كفاءة من منافسيهم الديمقراطيين، مؤكدةً التزامهم بالدفاع عن المبادئ الأخلاقية والقيم الأسرية، التي تشكل أحد أسس حملتهم الانتخابية.

لكنها أقرت أيضاً بأن الملف الاقتصادي يمثل نقطة ضعف للجمهوريين حالياً، رغم أن الاقتصاد كان تاريخياً من أبرز الملفات التي يستندون إليها في الترويج لمرشحيهم.

وأضافت: "نحن نهتم بالاقتصاد، وفي الوقت نفسه لا ندعي أن كل شيء مثالي في الوقت الراهن، لكن هناك جوانب إيجابية تستحق الإشارة إليها، وسنواصل تحقيق المزيد من التحسن في ظل قيادة الحزب الجمهوري لمدينة ألينتاون".

ما وراء الاقتصاد.. المشاركة المدنية

رغم تصدر الاقتصاد أولويات الناخبين، فإنه يتداخل مع قضايا أخرى، كالهجرة وتقييم أداء الحكومة، في تشكيل المشهد السياسي. ويتكرر في أحاديث بعض الناخبين الإحباط من سياسات الهجرة على المستوى الاتحادي، والشعور بإخفاق الحزبين الرئيسيين في إقرار إصلاحات حقيقية، ما يعزز التشاؤم السياسي.

ويتفاقم هذا الإحباط بفعل عوائق تحد من المشاركة السياسية. وأوضح خبراء أن انخفاض معدلات تسجيل الناخبين ومحدودية جهود التواصل السياسي مع بعض فئات المجتمع قد يسهمان في استمرار العزوف عن المشاركة.

لذلك، لا تقتصر جهود استمالة الناخبين اللاتينيين على إقناعهم بالبرامج الانتخابية، بل تشمل أيضاً تشجيعهم على التسجيل والتصويت وتعريفهم بإجراءات المشاركة.

وفي ألينتاون، يواجه المرشحون اختباراً لقدرتهم على الجمع بين رسائل سياسية واضحة وعمل ميداني يراعي التنوع داخل المجتمع اللاتيني واحتياجات سكان المدينة.

ويعكس المناخ السياسي في ألينتاون اتجاهاً أوسع في الولايات المتحدة، إذ يؤثر تنوع الناخبين في أساليب إدارة الحملات السياسية وطرق تواصل المرشحين معهم.

وفي انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، تتجاوز أهمية ألينتاون حدود المنافسة المحلية، لتقدم نموذجاً مصغراً للتنافس الوطني على الاستجابة للمخاوف الاقتصادية والاجتماعية للناخبين اللاتينيين، الذين يتزايد وزنهم في الحياة السياسية، فيما يشكل اللاتينيون نحو 20% من سكان الولايات المتحدة.

ومع اقتراب اقتراع الثالث من نوفمبر، يواجه الجمهوريون اختبار الاحتفاظ بالأصوات اللاتينية التي كسبوها في 2024، بينما يسعى الديمقراطيون إلى استعادة ثقة ناخبين ابتعدوا عنهم.

وبين ضغوط المعيشة وسياسات الهجرة والقيم الاجتماعية، تتعدد حسابات هؤلاء الناخبين، وتظل القدرة على إقناعهم بالمشاركة عاملاً أساسياً في حسم المنافسة. ففي الدوائر التي تتقارب فيها حظوظ المرشحين، قد يؤدي تحول محدود في خيارات الناخبين أو معدلات إقبالهم إلى انتقال مقاعد بين الحزبين وترجيح كفة أحدهما في معركة الأغلبية بمجلس النواب، بما ينعكس على قدرة ترمب على تمرير أجندته في النصف الثاني من ولايته.

تصنيفات

قصص قد تهمك