
وصل المستشار الألماني أولاف شولتز، السبت، إلى مدينة جدة في مستهل جولة خليجية تشمل السعودية والإمارات وقطر، وهي الزيارة الأولى للمستشار الألماني إلى المنطقة منذ توليه المنصب.
وكان في استقبال شولتز بمطار الملك عبدالعزيز الدولي، الأمير خالد الفيصل، مستشار العاهل السعودي وأمير منطقة مكة المكرمة، ووزير المالية محمد بن عبدالله الجدعان، بحسب ما أفادت وكالة الأنباء السعودية "واس".
والتقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، المستشار الألماني في قصر السلام بمدينة جدة.
وترى ألمانيا أن الدول الثلاث التي تشملها الزيارة، تشترك في كونها فاعلة على مستوى ملفات اليمن وسوريا وليبيا وإيران وغيرها من الأزمات الإقليمية، وهي الأزمات التي تحاول برلين المساهمة في حلها، كما فعلت في ملف ليبيا في ما عُرف باسم "مؤتمر برلين"، أو من خلال المشاركة في لجان إعادة إعمار سوريا بعد توفر شروط السلم الأهلي، أو من خلال المساعدات الإنسانية لليمن، أو من خلال جهودها في أفغانستان، وكذلك مشاركتها في مفاوضات إعادة إحياء الاتفاق النووي بين إيران والقوى الدولية.
ويلتقي المستشار الألماني خلال جولته الخليجية أيضاً، الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، كما يلتقي مجموعة من رائدات الأعمال السعوديات وسيدات فاعلات في القطاع الثقافي في الرياض، وممثلين عن قطاع الأعمال في أبوظبي، وكذلك نخبة من ممثلي مؤسسات البحث والفكر في الدوحة.
شراكة في حل الأزمات
تنظر ألمانيا إلى جهد السعودية في التوصل لوقف إطلاق النار في اليمن، بشكل إيجابي، وكذلك الدور القطري في إجلاء آلاف المواطنين الأوروبيين ومن بينهم الألمان من أفغانستان بعد سيطرة حركة طالبان عليها في أغسطس 2021، كما تقدر "اتفاقيات أبراهام" التي وقعت بين إسرائيل والإمارات والبحرين.
وتأتي الزيارة في إطار سعي ألمانيا والدول الغربية لكسب الدول الثلاث لصالح رؤية برلين بشأن الغزو الروسي لأوكرانيا، وفي محاولة لكسب تأييدها لإرساء نظام عالمي في المستقبل على أساس "سيادة القانون الدولي وليس على أساس سيادة القوي فوق القانون"، بحسب تعبير المستشار الألماني في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل أيام.
وتتهم الدول الغربية روسيا بمحاولة تغيير الحدود المرسومة ضمن معاهدات السلام منذ الحرب العالمية الثانية ما يهدد الهيكل الأمني الأوروبي، وتحذر من إحكام السيطرة على الأراضي الأوكرانية بقوة السلاح أو ضمّها عبر إجراء استفتاءات صورية في المناطق الأوكرانية الخاضعة لسيطرة روسيا.
وترغب ألمانيا في كسب دعم الدول الخليجية الثلاث، وهي تعرف أن كلاً من الصين وروسيا تخطبان ودّ هذه الدول منذ زمن ونسجتا مع بعضها ملامح "شراكة استراتيجية".
الطاقة.. البند الأهم
ويبقى البند الأهم في الجولة هو الاقتصاد والطاقة، إذ يزور شولتز الدوحة، الأحد، حاملاً معه آمالاً بتوقيع اتفاقيات عدة في مجالات الطاقة والاستثمار، علماً أن معظم دول المنطقة تنظر إلى ألمانيا باعتبارها الشريك المرغوب فيه، وفق القراءة الألمانية.
وتنبع أهمية هذه الزيارة بالنسبة لألمانيا، في كونها تأتي في وقت اشتدت فيه أزمة الطاقة إثر الغزو الروسي لأوكرانيا وما تبعه من نقص في إمدادات النفط والغاز الروسيين إلى الدول الأوروبية التي كانت، العام الماضي، توفر 40% من حاجتها للغاز وبدرجة أقل بقليل من النفط، من روسيا. لكن قرار الدول الأوروبية بفرض عقوبات اقتصادية على روسيا أبرزها حظر استيراد النفط الروسي مع نهاية العام، وسط توقعات بحظر الغاز، العام المقبل، وهو ما ردت عليه موسكو بخفض إمدادات الغاز عبر خط "نورد ستريم 1"، دفع القارة العجوز إلى البحث عن موارد طاقة بديلة، وكانت دول الخليج الغنية بالنفط والغاز واحدة من أهم الوجهات التي قصدها زعماء أوروبا لهذا الغرض.
تجدر الإشارة إلى أن وزير الاقتصاد الألماني روبرت هابيك كان من أوائل من زاروا قطر والإمارات في مارس الماضي، بحثاً عن فرص لاستيراد الغاز ومستقبلاً الهيدروجين.
هابيك أعرب عن أمله في أن يتم توقيع عدة اتفاقيات بين ألمانيا والدول الثلاث خلال الزيارة، لكنه لم يعلن طبيعة الاتفاقيات.
وكانت الأشهر الماضية شهدت مفاوضات، بين شركتي الطاقة Uniper وREW الألمانيتين مع "قطر للطاقة"، تردد أنها وصلت إلى طريق مسدود بسبب خلافات بشأن السعر والكميات ومدة العقود، لكن الشركتين أكدتا أن المفاوضات جرت في جو بناء، وأشارت مصادر إلى إمكانية أن تكون العقود لمدة 15 عاماً كحل وسط.
ويأتي التخوف الألماني من العقود طويلة المدة تحسباً لبدء تنفيذ استراتيجية التخلي عن الوقود الأحفوري لصالح موارد الطاقة المتجددة على المدى البعيد، لكن ألمانيا ترى أنها تحتاج إلى الغاز كمورد طاقة انتقالي لحين وصول حصة الطاقة المتجددة إلى معدل أعلى في تزويد البلاد بحاجتها من الطاقة بعد أن اقتربت من 20% عام 2021.
برلين لا تريد أن تقتصر الزيارة على بحث ملف إمدادات الطاقة، لكنها تبحث تسويق ألمانيا كبلد منتج للتقنيات، وكموقع استثماري آمن ومجد.
حاجة متبادلة
تجدر الإشارة إلى أن الإعلام الألماني تناول مراحل ما وصفه بـ"الشد والجذب"، في العلاقات السعودية ـ الألمانية، بينما أشارت الحكومة إلى السعودية باعتبارها دولة مؤثرة إقليمياً وكذلك عالمياً من خلال "G20". وشددت على أن هناك حاجة لعلاقة عمل متينة معها لتأمين مصالح الطرفين، وأنه بالرغم من الخلافات في بعض الملفات واستمرار الحوار فيها، إلا أنها ترغب في شراكة قوية وفي سماع رأي المملكة العربية السعودية في كيفية التعامل مع إيران والتعرف على ما تشعر به من تهديدات لها وللمنطقة.
وتأتي زيارة شولتز إلى الرياض، بعد زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون، وقبلهما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
ويسعى المستشار الألماني إلى بناء علاقة مع نظرائه في المنطقة وتعميق فهمه لديناميكية السياسات والأحداث فيها.
وفي ما يخص الانتقادات التي توجه لقطر في مجال حماية حقوق العمال الأجانب في إطار تنظيم كأس العالم لكرة القدم، ترى الحكومة الألمانية أن قطر عملت في السنوات الأخيرة على تحسين أوضاع العمالة الأجنبية من خلال إلغاء دور الكفيل وإقرار حد أدنى للأجور، ولكنها ترى أن بالإمكان فعل المزيد.
دور خليجي فاعل
وتثمن ألمانيا سعي قادة دول الخليج إلى المزيد من الانفتاح المجتمعي والتطوير الاقتصادي وتشيد بـ"رؤية 2030" التي أطلقها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بحسب مصادر مقربة من المستشارية، على الرغم من أن الرأي العام والإعلام الألمانيين ما زالا يريان العلاقة بين ألمانيا ودول الخليج من منظور اقتصادي بحت في الغالب، وهو ما انتقده مشاركون في "الحوار الخليجي ـ الألماني حول الأمن" الذي نظمته جمعية الصداقة العربية ـ الألمانية وأكاديمية السياسات الأمنية الألمانية، في منتصف سبتمبر الجاري.
وأظهرت جلسات الحوارالمذكور أن هناك حاجة إلى المزيد من التواصل بين الطرفين، وضرورة الاعتراف بالدور السياسي والإقليمي الفاعل لدول الخليج بهدف إقامة شراكات مثمرة معها في ملفات كثيرة، مثل الأزمة الغذائية العالمية، والمساعدات الإنسانية، وعمليات إعادة البناء في الدول المنكوبة، إلى جانب الأزمات الإقليمية الأخرى.
ورأى كثيرون أن زيارة شولتز إلى دول الخليج الثلاث وتعدد الملفات على جدول أعمالها، مؤشر على تغير نظرة برلين، وتغير طبيعة العلاقة بين ألمانيا ودول الخليج، لكنهم يطرحون سؤالاً مشروعاً بشأن ما إذا كان هذا المنحنى الإيجابي سيستمر بعد أن تنجح ألمانيا وأوروبا في تأمين احتياجاتها من الطاقة، وانتهاء حرب أوكرانيا.
علاقات تاريخية مع السعودية
ويعود تاريخ العلاقات بين السعودية وألمانيا إلى عام 1929، حين وقع الملك عبدالعزيز اتفاقية الصداقة بين البلدين، وفي عام 1938 عين السفير الألماني في بغداد أول ممثل لألمانيا غير مقيم في المملكة، وبعد أن استعادت ألمانيا الاتحادية سيادتها بعد الحرب العالمية الثانية أعادت المملكة العلاقات معها عام 1954.
واقتصادياً تعد ألمانيا أحد أكبر اقتصادات العالم، باحتلالها المركز الأول أوروبياً والرابع عالمياً من حيث الناتج المحلي الإجمالي، وتعد المملكة ثاني أهم شريك تجاري لألمانيا في العالم العربي بعد الإمارات.
كما أن ألمانيا هي رابع أكبر مورد للمملكة، وتحتل المملكة المرتبة الـ38 من حيث أهميتها كشريك تجاري لألمانيا في عام 2021، والمرتبة الثانية لمستوردي السلع الألمانية من العالم العربي بعد الإمارات، بواردات تتجاوز قيمتها أكثر من 4 مليارات يورو، فيما تبلغ الصادرات السعودية إلى ألمانيا 816.84 مليون يورو.
وسجلت صادرات المملكة إلى ألمانيا في عام 2021 ارتفاعاً بنسبة 19.9% على أساس سنوي، كما سجلت وارداتها ارتفاعاً بنسبة 4.6% في العام نفسه.
*كاتب صحافي ومدير مركز برلين للإعلام




