بعدما اعتبروها ترفاً.. هل بدأ الأوروبيون في تقبّل المكيفات؟ | الشرق للأخبار

بعدما اعتبروها ترفاً أميركياً.. هل بدأ الأوروبيون في تقبّل مكيفات الهواء؟

time reading iconدقائق القراءة - 7
أجهزة تكييف الهواء في أحد متاجر مدينة نيويورك. 16 يوليو 2025 - Reuters
أجهزة تكييف الهواء في أحد متاجر مدينة نيويورك. 16 يوليو 2025 - Reuters

تجتاح موجات حر شديدة عدداً متزايداً من الدول الأوروبية، مع اقتراب شدة الحرارة في مدن عدة من 40 درجة مئوية هذا الصيف، وسط تحذيرات علمية من أن تغيّر المناخ يفاقم الظواهر الجوية المتطرفة.

ورغم الارتفاع المتواصل في درجات الحرارة، لا يزال استخدام أجهزة تكييف الهواء محدوداً في أجزاء واسعة من أوروبا، مقارنة بدول أخرى تشهد ظروفاً مناخية مماثلة.

ومع تسجيل مدن أوروبية، من باريس وبرلين إلى وارسو وهلسنكي، درجات حرارة قياسية، يتصاعد الجدل حول ما إذا كانت أوروبا بحاجة إلى إعادة النظر في موقفها التقليدي من تكييف الهواء، في ظل صيف يزداد حرارة عاماً بعد عام.

ووفق "بلومبرغ"، تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 200 ألف شخص توفيوا بسبب الحرارة في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الأربع الماضية. 

وفي يونيو، شهدت إسبانيا 1028 حالة وفاة مرتبطة بالحرارة، وهو أعلى رقم شهري منذ بدء تسجيل البيانات في عام 2015. وتقول ألمانيا إن موجة الحر التي ضربت البلاد في يونيو تسببت في أكثر من 5 آلاف حالة وفاة زائدة.

وتزداد وتيرة ما يسميه الباحثون بـ"الليالي الاستوائية"، حيث تبقى درجات الحرارة فوق 20 درجة مئوية، مما يؤدي إلى اضطرابات في النوم.

وقال كريستوف كاسو، المتخصص في المناخ بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، إن "تجاوز عتبة 50 درجة مئوية في مدن شمال أوروبا مسألة وقت لا أكثر".

وأضاف لشبكة BFMTV الفرنسية في يونيو: "ستصبح موجات الحر أكثر حدة، وسيتم تجاوز هذه العتبة، قد يحدث ذلك في غضون هذا العام، أو عامين، أو حتى عشرة أعوام".

"ترف أميركي"

ويستخدم الأوروبيون مكيفات الهواء بشكل أقل بكثير من الأميركيين، فبينما تصل نسبة المنازل الأميركية المزودة بمكيفات الهواء 78% عام 2022، بلغت في أوروبا نسبة 19%، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية.

وعند استبعاد دول حوض البحر الأبيض المتوسط، ينخفض ​​هذا المستوى بشكل حاد. وتشير تقديرات وزارة البيئة الألمانية إلى أن 6% فقط من المنازل مزودة بأجهزة تبريد، ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى 8% فقط بحلول عام 2030.

وبعض المناطق في أوروبا لديها قوانين تقيّد استخدام المكيفات، فجنيف مثلاً، تفرض ترخيصاً لتركيب مكيفات الهواء في معظم المنازل.

ويقول سيدريك بيتيجان، رئيس هيئة تنظيم الطاقة في جنيف: "لو كان لدى الجميع مكيفات هواء، لشهدنا ارتفاعاً هائلاً في استهلاك الكهرباء. قبل اللجوء إلى مكيفات الهواء، ينبغي تجربة حلول أخرى تستهلك طاقة أقل".

ويشير المعارضون إلى أنه بالإضافة إلى استهلاك كميات هائلة من الطاقة، فإن تبريد غرفة النوم يُطلق هواءً ساخناً في الشارع، مما يُسبب إزعاجاً كبيراً للجيران الذين لا يملكون مكيفات هواء.

ويرى البعض أنه من الأفضل جعل المباني أكثر مقاومة للحرارة، من خلال تحسين العزل، وتركيب أسطح خضراء، واستخدام نوافذ عالية الجودة.

وصُممت مراكز المدن الأوروبية القديمة لتحمّل الحرارة، بجدرانها الحجرية السميكة وشوارعها الضيقة، بالإضافة إلى نوافذ تحجب أشعة الشمس. كما تسمح الأسقف العالية للهواء الساخن بالصعود، ويمكن للمراوح أن تجلب نسمة باردة في الليل.

مع ذلك، يُجبر تغير المناخ أوروبا بشكل متزايد على إعادة النظر في سياساتها. فبينما تُساعد الجدران السميكة على منع دخول الحرارة، إلا أنه عندما تستمر الحرارة لفترة طويلة، فإنها تتسرب وتستقر في الداخل لفترة طويلة.

ونظراً لأن عدداً قليلاً من المدارس الألمانية مُجهزة بمكيفات هواء، فقد اعتمدت البلاد سياسة إخراج الطلاب مبكراً عندما تصبح الفصول الدراسية شديدة الحرارة.

وتواجه إسبانيا المشكلة نفسها من خلال تقصير ساعات الدراسة الصيفية، وتقديم مواعيد بدء الدوام لتجنب ساعات الظهيرة الأكثر حرارة.

وشهدت دول أوروبية هذا الصيف إقبالاً كبيراً على أجهزة التكييف والمراوح. وتُظهر مقاطع فيديو انتشرت على نطاق واسع مشاجرات على آخر الوحدات في المتاجر الكبرى الفرنسية.

وفي متجر "ميديا ​​ماركت" في برلين، كُتب على لافتة: "نفدت جميع أجهزة التكييف والمراوح حالياً!". وقد أنشأ أحد الألمان المُبادرين موقعاً إلكترونياً لتسجيل شحنات المخزون الجديد، ويتقاضى 3.99 يورو مقابل ثلاثة أشهر من الاشتراك.

نقاش سياسي

ومن الطبيعي أن يتحول النقاش حول أجهزة التكييف إلى نقاش سياسي، خاصة في الدول الواقعة شمالاً. ويُعارض اليسار الفكرة في كثير من الأحيان، بينما يتبناها المحافظون.

ويميل الفريق الأول إلى القول إن على الأوروبيين اتباع الأساليب التي استخدموها لآلاف السنين، كالأشجار وتقنيات البناء التقليدية، أو اللجوء إلى حلول أحدث، مثل شبكة أنابيب جنيف التي تضخ مياه البحيرة عبر المباني لتبريدها.

وفي المقابل، يرى الفريق الثاني أن القرن الماضي شهد بناء عدد لا يحصى من المجمعات السكنية التي تفتقر إلى خصائص التبريد الموجودة في العمارة المحلية.

ويُروج حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف في فرنسا، الذي صوّت مراراً ضد الإجراءات الرامية إلى الحد من تغير المناخ، لتشريعات تُجيز تركيب أجهزة التكييف، مُلمحاً إلى أنها الحل الوحيد قصير الأجل لمواجهة حرارة الصيف الشديدة. 

وفي بريطانيا، اتخذ حزب المحافظين شعار "لنجعل بريطانيا باردة مجدداً" شعاراً لحملته، متهماً عمدة لندن، صادق خان، المنتمي لحزب العمال، بفرض حظر فعلي على المكيفات.

وأصدر خان قوانين تُلزم المطورين وبعض أصحاب المنازل بإثبات تجربتهم لأساليب أقل استهلاكاً للطاقة، قبل الحصول على ترخيص تركيب أجهزة التكييف.

وحتى في جنوب أوروبا، لا يزال البعض يعارض استخدام أجهزة تكييف الهواء، رغم ارتفاع درجات الحرارة.

ففي حين يُبقي معظم سائقي سيارات الأجرة في أثينا، حيث يشكل السياح نسبة كبيرة من الزبائن، مكيفات الهواء قيد التشغيل باستمرار، يفضل كثير من السائقين في المدن الأصغر، التي تضم عدداً أقل من الأجانب، الاعتماد على النوافذ المفتوحة، ويصعب إقناعهم بإغلاقها وتشغيل المكيف.

وتحتوي معظم الفنادق في اليونان على مكيفات هواء، لكن هذا لم يكن الحال قبل جيل من الآن. وعلى سبيل المثال، قام فندق "أتالوس" في وسط أثينا بتركيب مكيفات هواء في جميع أنحاء المبنى في عام 2010، كما تقول مديرته العامة ميلينا زيسي.

وفي ذلك الوقت، كان قليل من النزلاء يسألون عن مكيفات عند الحجز، وهو أمر شائع اليوم. مع ذلك، لا تزال زيسي غير متحمسة لفكرة استخدام مكيف الهواء في المنزل، حيث لا تستخدمه إلا في أشد أيام الصيف حرارة. وتقول: "نجد طرقاً أخرى للتبريد، مثل استخدام مروحة عادية، أو فتح النوافذ في المساء".

تصنيفات

قصص قد تهمك