
تواجه محاصيل القمح "اختباراً جديداً" يتمثل في المناخ القاسي، بعدما أدى الغزو الروسي لأوكرانيا إلى وقف صادراتها من القمح، الأمر الذي بدوره أدى إلى ارتفاع أسعار الخبز والمعكرونة في العديد من دول العالم، بحسب وكالة "بلومبيرغ".
وحذرت الوكالة الأميركية في تقرير، الخميس، من أن موجات الجفاف والفيضانات وموجات الحر، تهدد محاصيل القمح من الولايات المتحدة إلى فرنسا والهند، وهو ما يضيف إلى أزمة تقلص الإنتاج في أوكرانيا.
وتواجه كل المناطق الرئيسية لإنتاج القمح تقريباً شكلاً من أشكال التهديد، والاستثناء الوحيد الملحوظ هو روسيا، التي تستعد لجني محصول وفير، كما أنها ستستفيد من ارتفاع الأسعار ومحدودية العرض في أماكن أخرى.
وعادة ما يؤدي الانتشار الجغرافي الواسع لزراعة القمح حول العالم لسد النقص في أي مكان، ولكن يبدو أن التحديات الأخيرة قد باتت تختبر تلك المرونة التي كانت تحظى بها زراعة القمح، إذ يتوقع محللون انخفاض الإنتاج العالمي لأول مرة في أربعة مواسم، وفقاً لمسح أجرته "بلومبيرغ"، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى إبقاء أسعار العديد من المواد الغذائية الأساسية مرتفعة مع تعمق أزمات الجوع وتكلفة المعيشة من إفريقيا إلى أوروبا.
ونقلت الوكالة عن جيمس بوليسوورث العضو المنتدب في "سي آر إم أجريكوموديتيز" (CRM AgriCommodities)، وهي شركة متخصصة في استشارات تسويق وتجارة الحبوب والبذور الزيتية ومقرها المملكة المتحدة قوله: "الظروف هذا العام تضيف المزيد من المخاطر إلى الوضع شديد المتقلب بالفعل".
ورصدت الوكالة الأجواء المحيطة بمحاصيل القمح في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، وجاءت كالتالي.
الاتحاد الأوروبي
يعتبر الطقس الدافئ والجاف مصدر قلق متزايد في أكبر منطقة مصدرة للقمح في العالم، إذ تفتقر المحاصيل في المنطقة التي تعرف باسم نصف "حزام القمح"، إلى الأمطار في بداية مرحلة رئيسية من الزراعة، وقد ارتفعت درجات الحرارة في فرنسا، التي لديها أكبر عدد من مزارعي القمح، إلى مستويات تشبه الصيف في وقت مبكر للغاية، وفي حين أن توقعات الإنتاج يمكن أن تظل أكثر تفاؤلاً، وتتوقف الكثير من الأمور على ما إذا كان العجز المائي سينخفض في الأسابيع القليلة المقبلة.
من جانبه، قال أوريلين بلاري، محلل المحاصيل في شركة "ستراتيجي جرينز"، وهي شركة أبحاث واستشارات زراعية، مقرها فرنسا، "إذا استمرت قلة الأمطار حتى نهاية الشهر، فسنضطر إلى إعادة النظر في توقعاتنا للإنتاج".
الولايات المتحدة
أدى الجفاف الذي أصاب السهول الأميركية إلى قيام بعض المزارعين بتجنب زراعة القمح الشتوي الأحمر، الذي يُستخدم في المطاحن والمخابز لتصنيع دقيق الخبز.
في هذا السياق، قال آرون هاريز، نائب رئيس الأبحاث والعمليات في "كنساس ويت" (Kansas Wheat)، وهي مؤسسة دعم يموّلها ويديرها مزارعون، لتأمين مستقبل قمح كانساس في السوق العالمية، إن جني المحاصيل في كانساس، أكبر منتج للقمح في البلاد، سيبدأ الشهر المقبل، ولكن الإنتاج سينخفض ليكون أقل بكثير من متوسط الخمس سنوات الماضية، إذ يتوقع وكلاء تأمين على المحاصيل أن تنتج بعض الحقول من صفر إلى خمسة بوشل (27.2 كيلوجرام) للفدان، مقابل 35 إلى 40 بوشلاً في الظروف العادية.
وتهدد أزمة قلة الكميات المعروضة من القمح بزيادة أسعاره المرتفعة بالفعل، ما يؤدي إلى تفاقم التضخم عبر سلاسل التوريد وإلحاق الضرر بالصادرات الأميركية.
وأضاف هاريز: "كل شيء يقع غرب نهر المسيسيبي يحتاج إلى المطر، وإذا لم يكن لدينا هذه الأمطار بشكل منتظم، فإن حجم المحصول سيقل كل يوم".
كما أن الأمطار الغزيرة في شمال البلاد تجعل من الصعب زراعة القمح الربيعي المُستخدم في صناعة الخبز والبيتزا، إذ يقدر تيم دوفولت، وهو مزارع من مينيسوتا، أن ولايته قد فقدت بالفعل نحو 5 بوشل لكل فدان من المحصول المحتمل بسبب التأخر في عملية الزراعة نفسها، مشيراً إلى أن البذر في ولاية داكوتا الشمالية كان بطيئاً للغاية، حيث زُرعت 8% فقط من البذور مقابل ما يقرب من ثلثين الكمية في هذا الوقت من العام الماضي.
كندا
على نحو مماثل، تؤثر مشكلات مناخية على جارة الولايات المتحدة، حيث أدت درجات الحرارة المنخفضة إلى تأخير عملية البذر في كندا، ويحاول المنتجون الآن الزراعة في حقول إما شديدة الرطوبة أو شديدة الجفاف.
كما يعد الجفاف مصدراً للقلق في جنوب ألبرتا، وهي منطقة زراعة القمح الربيعي والقمح القاسي المُستخدَم في صناعة المعكرونة، ووفقاً لوزارة الزراعة الكندية، فإن معدل هطول الأمطار هناك بات أقل مما كان عليه قبل عام، والأجواء الجافة والرياح تؤدي إلى تآكل التربة.
وفي مانيتوبا، التي تقع في الشرق، أدت سلسلة من العواصف إلى تعطيل المزارعين، وهناك توقعات بهطول المزيد من الأمطار هذا الأسبوع، مما يلقي بظلال من الشك على المضي قدماً في عملية الزراعة في أي وقت قريب.
ويقول رئيس شركة "Keystone Agricultural Producers" بيل كامبل إن "ما يقرب من 99% من المزارعين لم يذهبوا إلى الحقل بعد"، مشيراً إلى أن "الأمر قد يستغرق أسبوعاً حتى تجف الحقول بعد توقف المطر".
الهند
تسببت الحرارة الشديدة في التأثير سلباً على حقول القمح في ثاني أكبر مزارع في العالم، مما قلل من توقعات تخفيف الصادرات للنقص العالمي الحالي. وارتفعت درجات الحرارة في مارس الماضي إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق في السجلات التي تعود إلى عام 1901، مما أدى إلى تعطش المحصول خلال فترة حاسمة، الأمر الذي حفز التوقعات بانخفاض المحاصيل بنسبة 10 إلى 50% هذا الموسم.
من جهتها، خفضت وزارة الغذاء الهندية توقعاتها للإنتاج إلى 105 مليون طن، من توقعات سابقة بلغت 111 مليون طن، فيما يعتقد بعض التجار أن المحصول سيكون أقل من ذلك، حيث تستمر موجات الحر الشديدة في أجزاء من شمال البلاد، مما قد يتسبب في بعض التأخير في الحصاد إذا تجنب الناس الخروج.
الصين
تقود الصين إنتاج القمح العالمي، ولكن ثمة مخاوف بشأن قمحها الشتوي بعد الفيضانات غير العادية التي تعرضت لها الخريف الماضي، حيث تُظهر مقاطع الفيديو المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي أنه يتم جني المحاصيل قبل نضوجها من قبل المزارعين على أمل الحصول على سعر أفضل من خلال بيعها كعلف للحيوانات.
البحر الأسود
وعلى الرغم من أن مستوى رطوبة التربة في أوكرانيا يبدو جيداً لتعزيز آفاق محصولها، فإن الحرب ستحد من الإنتاج، كما أن هناك مخاوف بشأن مكان تخزين المحصول بسبب تراكم صادرات العام الماضي في الصوامع. أما روسيا، فقد كان الطقس لديها مناسباً، وهو ما قد يمكنها من أن تجني محصولاً شبه قياسي هذا العام.
اقرأ أيضاً:




