
يؤدي استمرار تعطل حركة مرور السفن في قناة السويس إلى تهديد حركة تجارية بقيمة 9.6 مليار دولار يومياً، وفقاً لتقدريات عدد من بيوت المال والخبرة الدولية، منها تجارة تقدَّر بنحو 5.1 مليون تتجه من الجنوب إلى الشمال، بينما تسلك 4.5 مليون الاتجاه المعاكس.
وتسببت سفينة الشحن العملاقة "إيفر غيفن" في إغلاق ممر قناة السويس، منذ الثلاثاء الماضي، حين جنحت داخل القناة، فيما فشلت حتى الآن محاولتين لتعويمها.
تكدس الحاويات والناقلات العملاقة على مدخلي القناة، يثير أسئلة كثيرة عند مشغليها، أبرزها حساب تكلفة مغامرة الانتظار لحل المشكلة، مقابل تكلفة زيادة المسافة والزمن عبر المرور من طريق التجارة القديم الذي يمر برأس الرجاء الصالح.
وبحسب بيانات وكالة "بلومبرغ" الأميركية، فإن عدد الناقلات التي تنتظر حل المشكلة وعبور القناة ارتفع إلى 240، بعدما كان عدد هذه الناقلات في حدود 186، الأربعاء. وتحمل معظم هذه الناقلات شحنات من النفط والبضائع الاستهلاكية تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات.
وأكد متعاملون في النفط لوكالة "رويترز" أنهم يتبنون نهج الانتظار والترقب لمعرفة ما إذا كان ارتفاع المد المنتظر يوم الأحد سيساعد في حل المسألة. وقال متعامل مع شركة غربية: "لدينا بعض الشحنات العالقة. لكن الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح سيكون أسوأ".
خيارات التعويم
وقال راندي غيفنز، النائب الأول لأبحاث الأسهم والطاقة البحرية بشركة الخدمات المالية الأميركية "غيفريز"، لوكالة "بلومبرغ"، إنه في حال ترك الحاويات على ظهر "إيفر غيفن"، فإن جهود تعويم الناقلة قد تُستكمل قريباً بمساعدة المد والجزر.
أما في حال تفريغ الحمولة من الناقلة أو إجراء إصلاحات واسعة النطاق في مجرى القناة، يضيف غيفنز، "فإن فترة التوقف قد تمتد، بكل تأكيد، إلى أسبوعين، على الأقل".
وأعلن رئيس هيئة قناة السويس الفريق أسامة ربيع، الخميس، تعليق حركة الملاحة بالقناة مؤقتاً، لحين الانتهاء من أعمال تعويم السفينة العالقة.. ولم يتطرق ربيع إلى المدة التي قد تستغرقها جهود تعويم السفينة، على وجه التحديد.
خسائر بحجم كورونا
وفي أحدث تقدير، قالت شركة "أليانز" الألمانية العملاقة للتأمين، إن الخسائر الناجمة عن تعطل حركة الملاحة في قناة السويس، "تقدَّر بما يتراوح بين 6 و10 مليارات دولار أسبوعياً للتجارة العالمية، وفقاً لـصحيفة "الشرق الأوسط".
وذكر خبراء الاقتصاد في "أليانز" في تحليل نُشر الجمعة أنه في عام 2019 تم نقل 1.25 مليون طن من البضائع عبر القناة، ما يعادل 13% من إجمالي حجم التجارة العالمية.
وتتوقع الشركة الألمانية أن يسفر توقف المرور بالمجرى الملاحي لقناة السويس عن تأخير تسليم المنتجات اليومية للمستهلكين في جميع أنحاء العالم. ولفتت الشركة إلى أن التكدس في القناة يفاقم مشكلة تأخير ووقف توريد البضائع في التجارة العالمية، وقد يعني نقص الإمدادات في أشباه الموصلات وغيرها من المنتجات منذ بداية العام خسارة قدرها 230 مليار دولار، أو بنسبة 1.4% للتجارة العالمية.
وأوضحت "أليانز" أن الآثار المترتبة على الحادث من هذا المنظور بالنسبة إلى أوروبا قد تكون مماثلة لآثار الإغلاق الأول المرتبط باحتواء جائحة "كورونا" في ربيع 2020، وربما أسوأ بالنسبة إلى الولايات المتحدة.
تحدٍّ لوجستي
وقال محللون، الجمعة، إن توقف الملاحة في قناة السويس من شأنه التسبب في شحّ المعروض من حاويات الشحن.
وقالت شركة "آي إتش إس ماركت" للاستشارات، في مذكرة إن التأخير في عودة الحاويات الفارغة إلى المصدّرين الآسيويين سيفاقم أكثر النقص الحالي في الحاويات.
وفي السياق ذاته، أكدت خدمة المستثمرين في "موديز" في مذكرة، الجمعة، أن الطلب الاستهلاكي والصناعي المرتفع، والنقص العالمي في طاقة الحاويات، وانخفاض الخدمات التي يمكن التعويل عليها من شركات شحن الحاويات العالمية جعلت سلاسل الإمداد مهدَّدة بشدة حتى من أقل الصدمات الخارجية".
وأشارت "موديز" إلى أن الضغط على سلاسل الإمداد سيضر بقطاعي التصنيع والسيارات في أوروبا، لا سيما مورّدي السيارات. وأرجع المحللون ذلك إلى إدارة القطاعين سلاسل إمدادات حسب الحاجة، "ما يعني أنهما لا يخزنان المكونات ويكون لديهما في المتناول ما يكفي فحسب لفترة قصيرة، ويستوردان المكونات من شركات التصنيع الآسيوية".
"حتى إذا تم حل الموقف سريعاً، فإن اكتظاظ الموانئ ووقوع المزيد من التأخيرات في سلاسل التوريد المقيّدة بالفعل لا مناص منه" وفقاً لـ"موديز"، التي أشارت إلى أن "وسائل النقل البديلة غير مناسبة، إذ إن قدرات الشحن الجوي تعاني شحاً بالفعل بسبب انخفاض حركة السفر الجوي العالمية، بينما النقل بالسكك الحديدية بين أوروبا وآسيا محدود ويقترب بالفعل من طاقته الكاملة".
إمدادات النفط
وأظهرت بيانات ملاحية من "رفينيتيف" أن أكثر من 30 ناقلة نفط تنتظر في شمال وجنوب القناة للمرور عبرها منذ الثلاثاء.
وقالت شركة "بريمار إيه سي إم" للوساطة في الشحن البحري، إن أربع ناقلات على الأقل من فئة (لونغ - رينغ 2) ربما كانت تتجه صوب السويس من حوض الأطلسي تقيم على الأرجح الآن مساراً حول رأس الرجاء الصالح. وبإمكان الناقلة من تلك الفئة حمل نحو 75 ألف طن من النفط، وفقاً لصحيفة "الشرق الأوسط".
وأضافت الشركة أن ارتفاع الطلب على خام حوض الأطلسي داخل أوروبا سيزيد أيضاً من استخدام تلك الناقلات الأصغر حجماً ويدعم أسعار الشحن.
وزادت تكلفة شحن منتجات مثل البنزين والديزل، من ميناء "توابس" الروسي الواقع على البحر الأسود إلى جنوب فرنسا من 1.49 دولار للبرميل في 22 مارس، إلى 2.58 دولار للبرميل في 25 مارس، بزيادة 73%.
ونقلت "الشرق الأوسط" عن أنوب غاياراج، سمسار شحن ناقلات لدى "فيرنليس" سنغافورة، القول إن "مؤشراً قياسياً للشحن البحري للسفن من فئة (لونغ - رينغ 2) من الشرق الأوسط إلى اليابان، المعروف باسم (تي سي 1) ارتفع إلى 137.5 نقطة (ورلد سكيل) في وقت مبكر من أمس مقارنةً مع 100 نقطة (ورلد سكيل) الأسبوع الماضي".وتعد "ورلد سكيل" أداة تُستخدم لحساب تكاليف الشحن.
الغاز المسال
من جهة أخرى، أكد كارلوس توريس دياز، رئيس أسواق الغاز والكهرباء لدى "ريستاد إنرجي"، في مذكرة، الخميس، أنه في حال استمر التوقف في قناة السويس لأسبوعين، قد يتأجل تسليم نحو مليون طن من الغاز المسال إلى أوروبا. وأضاف أن هذا الرقم قد يتضاعف إلى ما يزيد على مليوني طن من الشحنات المؤجلة التسليم، في حال حدوث السيناريو الأسوأ واستمرار تعطل القناة لأربعة أسابيع.
غير أن شركة "كبلر" لمعلومات البيانات أكدت أنه من المستبعد أن "نشهد فرض ضغوط على شركات شحن الغاز الطبيعي المسال" من أجل تغيير اتجاهها، بسبب انخفاض الطلب على الغاز المسال.
ونقلت "الشرق" الأوسط" عن سمسار شحن بحري يعمل من سنغافورة، قوله إن "عدة ناقلات غاز مسال حوّلت مسارها"، مضيفاً أن بعض المشترين الأوروبيين الذين يترقبون تأخيرات في إمدادات الغاز المسال من قطر ربما يدرسون خيارات أخرى مثل الشراء في السوق الفورية. لكنّ محللين يقولون إنه في ظل تراجع الطلب على الغاز المسال، فإن التأثير ربما يكون ضئيلاً.
*هذا المحتوى من صحيفة "الشرق الأوسط"




