تغير المناخ يعيد رسم خريطة الأمراض المعدية | الشرق للأخبار

تغير المناخ يعيد رسم خريطة الأمراض المعدية

تقرير جديد يدعو إلى استعداد صحي يسبق الأوبئة

time reading iconدقائق القراءة - 5
التحولات المناخية تؤثر في بيئة الأمراض المعدية من عدة اتجاهات في وقت واحد. صورة منشأة بالذكاء الاصطناعي - الشرق
التحولات المناخية تؤثر في بيئة الأمراض المعدية من عدة اتجاهات في وقت واحد. صورة منشأة بالذكاء الاصطناعي - الشرق
القاهرة -

حذر تقرير علمي جديد من أن ارتفاع الحرارة، وتغير أنماط الأمطار، وصعود مستوى البحار، والطقس المتطرف، تدفع مسببات الأمراض ونواقلها إلى مناطق جديدة، بشكل أسرع من قدرة الأنظمة الصحية على الاستجابة أحياناً.

ويطرح التقرير الصادر عن الأكاديمية الأميركية لعلم الأحياء الدقيقة بالتعاون مع الاتحاد الجيوفيزيائي الأميركي، سؤالاً مركزياً أمام المجتمع العلمي وصناع القرار، مفاده كيف يمكن تحويل بيانات المناخ إلى استعداد فعلي للأمراض المعدية بدلاًَ من الاكتفاء برصد العلاقة بعد وقوع الضرر؟

ويأتي التقرير في وقت تتزايد فيه القناعة العلمية بأن تغير المناخ لا يعمل كعامل بيئي معزول، بل كقوة واسعة التأثير تعيد ترتيب العلاقات بين البشر والحيوانات والحشرات والميكروبات والبيئات التي تعيش فيها، فعندما تتغير درجات الحرارة ومواسم الأمطار والرطوبة والفيضانات والجفاف، تتغير معها فرص بقاء الحشرات الناقلة للأمراض، ومسارات انتقال الميكروبات، ومناطق انتشار الحيوانات الحاضنة للعدوى، بل وربما السلوك التطوري لبعض مسببات المرض.

مناخ جديد.. أمراض في أماكن جديدة

يوضح التقرير أن التحولات المناخية تؤثر في بيئة الأمراض المعدية من عدة اتجاهات في وقت واحد، فارتفاع درجات الحرارة قد يفتح مناطق جديدة أمام نواقل مرضية مثل الحشرات، وتغير الهطول قد يبدل ظروف المياه والتربة التي تسمح لمسببات الأمراض بالانتشار، أما ارتفاع مستوى البحر والظواهر الجوية المتطرفة، فقد تعطل أنظمة المياه والصرف والبنية الصحية، ما يخلق ظروفاً ملائمة لظهور عدوى جديدة أو عودة أمراض كانت نادرة في بعض المناطق.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل مرض ينتقل مباشرة بسبب تغير المناخ وحده، بل إن التقرير يشير إلى مشهد أكثر تعقيداً، فالأمراض المعدية تنتشر عبر شبكة متداخلة من العوامل، تشمل المناخ، وحركة السكان، واستخدام الأراضي، والفقر، وجودة البنية التحتية، وقدرة أنظمة المراقبة الصحية. لكن تغير المناخ، بحسب التقرير، صار عاملاً ضاغطاً يغير شروط هذه الشبكة، ويدفع بعض المخاطر إلى مناطق لم تكن معتادة عليها.

يعرف العلماء كثيراً عن تغير درجات الحرارة والأمطار، ويعرف اختصاصيو الصحة العامة الكثير عن أنماط العدوى، لكن دمج هذه البيانات بطريقة تسمح بالتنبؤ والتحرك المبكر لا يزال محدوداً.

ويدعو التقرير إلى توسيع دراسات الكشف والإسناد، بحيث لا تكتفي بوصف ما حدث، بل تساعد على توقع ما يمكن أن يحدث لاحقاً، فإذا أمكن تحديد كيف تؤدي زيادة معينة في الحرارة، أو تغير في الأمطار، أو تكرار الفيضانات، إلى رفع خطر مرض ما، فسيصبح من الممكن تحويل النتائج إلى إرشادات عملية تعزز المراقبة، وتدعم المجتمعات.

ويقول المؤلف المشارك في الدراسة جاي لينون الرئيس المشارك للجنة التوجيهية للاجتماع العلمي ورئيس فريق عمل تغير المناخ في الأكاديمية، إن تغير المناخ يدفع مخاطر الأمراض المعدية إلى مناطق جديدة، وفي كثير من الأحيان بسرعة تفوق قدرة الأنظمة الصحية على اللحاق بها، ويرى أن تحسين علم الكشف والإسناد سيمنح الباحثين والسلطات الصحية أدوات أفضل لتوقع اتجاهات الخطر والاستعداد لها.

المرونة واليقين العلمي

ولا يكتفي التقرير بالدعوة إلى مزيد من الأبحاث، بل يربطها بضرورة بناء أنظمة صحة عامة سريعة ومرنة، فالمعرفة العلمية لا تصبح مؤثرة إلا إذا ترجمت إلى قرارات عملية، ما يتطلب قنوات واضحة بين الباحثين والسلطات الصحية، وبين بيانات المناخ وأنظمة المراقبة الوبائية، وبين المختبرات والمجتمعات المحلية.

ويقول الباحثون إن الحاجة إلى هذه المرونة أصبحت أكثر إلحاحاً، لأن الأمراض لا تنتظر اكتمال اليقين العلمي، فعندما تنتقل مخاطر العدوى إلى منطقة جديدة، قد تكون الطواقم الطبية غير معتادة على تشخيصها، وقد تكون المختبرات غير مجهزة لاختبارها، وقد لا يمتلك السكان معلومات كافية عن الوقاية منها. لذلك يدعو التقرير إلى أن تكون الأنظمة الصحية قادرة على الاستجابة السريعة بناء على مؤشرات مبكرة، لا بعد تحول الخطر إلى أزمة واسعة.

كما يشدد التقرير على البعد العالمي للمشكلة، فالأمراض المعدية، مثل المناخ، لا تتوقف عند الحدود السياسية. وما يحدث في نظام بيئي أو منطقة ساحلية أو حوض مائي قد تكون له آثار أبعد عبر السفر والتجارة والهجرة وسلاسل الإمداد. ومن ثم، وبحسب الباحثين، فإن التعاون الدولي ليس خياراً إضافياً، بل شرط أساسي لتحويل البيانات المتفرقة إلى استعداد عالمي أكثر فاعلية.

تصنيفات

قصص قد تهمك