الجفاف يزيد انتشار الطفيليات الأمراض المعدية بسبب نقص المياه | الشرق للأخبار

دراسة: الجفاف يزيد انتشار الطفيليات والأمراض المعدية بسبب نقص المياه

باحثون: نحو 65% من بين 437 طفيلياً معروفاً بإصابة البشر يعتمد على المياه

time reading iconدقائق القراءة - 9
صورة غير مؤرخة لبركة في منطقة شاناهان ريدج بمدينة بولدر في ولاية كولورادو، الولايات المتحدة - Pieter Johnson
صورة غير مؤرخة لبركة في منطقة شاناهان ريدج بمدينة بولدر في ولاية كولورادو، الولايات المتحدة - Pieter Johnson
القاهرة -

قال باحثون إن موجات الجفاف لا تؤدي بالضرورة إلى تراجع الأمراض المرتبطة بالمياه، بل يمكن في بعض الظروف أن تزيد انتشار العدوى عبر دفع الحيوانات والبشر إلى التجمع حول مصادر مياه محدودة، وإضعاف مقاومة الكائنات الحية، ومنح ميزة للطفيليات والناقلات الأكثر قدرة على تحمل الظروف القاسية.

وتوصلت مراجعة علمية، نشرت في دورية Trends in Ecology & Evolution، إلى إطار يفسر ما سماه الباحثون "مفارقة الجفاف والمرض"، إذ قد يؤدي نقص المياه أحياناً إلى القضاء على بعض مسببات الأمراض، بينما يتسبب في ظروف أخرى في زيادة انتقالها.

وقال الباحث الرئيسي للدراسة، بيتر جونسون، عالم البيئة بجامعة كولورادو بولدر الأميركية إن تأثير الجفاف على الأمراض "ليس خطياً"، موضحاً أن فقدان المياه قد يخفض العدوى في مكان ما، لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى تركيز شديد لانتقالها في مناطق أخرى.

وجمعت الدراسة نتائج نحو 100 بحث سابق لفهم كيفية تغير الأمراض التي تعتمد بصورة مباشرة، أو غير مباشرة على المياه في عالم يشهد موجات جفاف أكثر شدة وتقلباً.

وتشير التقديرات التي استند إليها الباحثون إلى أن نحو 65% من بين 437 طفيلياً معروفاً بإصابة البشر يعتمد بدرجة ما على المياه.

الجفاف وآليات انتشار الأمراض

حدد الباحثون 3 آليات رئيسية يمكن من خلالها للجفاف أن يغير انتشار الأمراض.

تتمثل الأولى في إعادة توزيع الحيوانات والطفيليات؛ فعندما تجف البرك والأنهار وتتناقص مصادر المياه، تضطر الحيوانات إلى التجمع حول ما تبقى منها، ما يزيد فرص الاتصال بين الكائنات المصابة، والسليمة وبين الطفيليات وعوائلها.

وخلال فترات الجفاف في شرق إفريقيا، على سبيل المثال، تحولت بعض نقاط المياه إلى بؤر لانتقال ديدان طفيلية معوية بين الحيوانات العاشبة.

ولاحظ جونسون الظاهرة نفسها أثناء دراسته للضفادع في كاليفورنيا، فعندما ضرب الجفاف الولاية في 2014، أدت البرك الآخذة في الانكماش إلى تجمع أعداد أكبر من البرمائيات في مساحة أصغر، وهو ما ارتبط بزيادة معدلات وشدة بعض أنواع العدوى.

"مصيدة الجفاف"

وقالت الباحثة المشاركة في الدراسة، تارا ستيوارت ميريل، المتخصصة في أمراض النظم المائية بمعهد كاري لدراسات النظم البيئية، إن تقلص المسطحات المائية يجعل المسافة التي يتعين على بعض الطفيليات قطعها للوصول إلى عائل جديد أقصر، كما يزيد فرص وجود العوائل المختلفة التي تحتاجها بعض الطفيليات لاستكمال دورة حياتها في المكان نفسه.

لكن النتيجة قد تنقلب تماماً إذا جف مصدر المياه قبل أن يتمكن الطفيل من الانتقال إلى عائل جديد، ويطلق الباحثون على هذه الحالة اسم "مصيدة الجفاف"، إذ تنقطع دورة حياة الطفيل، وينخفض انتشار المرض.

ومن الأمثلة على ذلك ما حدث في كينيا في أوائل العقد الأول من القرن الجاري، عندما أدى جفاف طويل إلى موت القواقع التي تنقل داء البلهارسيا، وتبع ذلك انخفاض كبير في الإصابات البشرية.

جودة المياه وإضعاف المناعة

الآلية الثانية تتعلق بالتغيرات التي يحدثها الجفاف في خصائص المياه نفسها؛ فانخفاض مستويات المياه يمكن أن يرفع درجة الحرارة والملوحة وتركيز الملوثات والمغذيات، كما قد يقلل مستويات الأكسجين المذاب، ويمكن لهذه التحولات أن تساعد بعض مسببات الأمراض بينما تضر بأخرى.

على سبيل المثال، قد تؤدي زيادة الملوحة خلال الجفاف إلى ارتفاع إصابات المحار بمرض "بيركينسوزيس"، بينما يمكن أن تقلل عدوى طفيليات أخرى تصيب الأسماك، ولا يقتصر تأثير الجفاف على الطفيليات؛ إذ يمكن أن يضعف أيضاً الكائن المضيف.

وقال الباحثون إن ارتفاع الحرارة والملوحة ونقص الأكسجين قد يسبب إجهاداً للكائنات الحية، ويقلل قدرتها على مقاومة العدوى، وفي البرك الأكثر دفئاً وجفافاً، على سبيل المثال، قد تتراجع مناعة الضفادع، ما يجعلها أكثر عرضة للإصابة بفطر "الكيتريد" المرتبط بتراجع أعداد البرمائيات في أنحاء العالم.

ويمكن أن تمتد هذه الآلية إلى البشر أيضاً؛ ففي منطقة القرن الإفريقي، ساهم نقص المياه خلال فترات الجفاف في اضطرار مجتمعات إلى الاعتماد على مصادر مياه غير آمنة، بالتزامن مع تفشيات كبيرة للكوليرا في أوائل عشرينيات القرن الجاري.

فائزون وخاسرون بين مسببات الأمراض

تتمثل الآلية الثالثة في أن الجفاف يعمل كنوع من "الانتقاء البيئي"، إذ يمنح ميزة للكائنات والناقلات القادرة على التأقلم مع الظروف الأكثر حرارة وجفافاً، وتعد البعوضة أحد أبرز الأمثلة.

على الرغم من اعتماد البعوض على المياه للتكاثر، إلا أن انخفاض مستويات المياه قد يؤدي إلى ظهور برك صغيرة وضحلة وراكدة، توفر بيئة مناسبة لوضع البيض، ونمو اليرقات.

وفي الوقت نفسه، قد يؤدي تقلص المسطحات المائية إلى تراجع بعض الكائنات المائية التي تتغذى على يرقات البعوض، مثل يرقات اليعسوب، ما يقلل الضغط الطبيعي الذي يحد من أعداده.

وقال الباحثون إن هذه التغيرات يمكن أن تساعد في تفسير ارتفاع بعض الأمراض التي ينقلها البعوض، ومنها فيروس غرب النيل، وفيروس التهاب الدماغ في سانت لويس، خلال فترات الجفاف في أجزاء من أميركا الشمالية.

كما يمكن للجفاف أن يعزز أمراضاً لا تعتمد على المياه مباشرة، ومنها حمى الوادي، وهي عدوى فطرية تنتقل عبر استنشاق أبواغ موجودة في التربة، إذ يمكن للظروف الجافة أن تزيد كمية الغبار المحمل بها في الهواء.

وفي المقابل، لا تستفيد جميع مسببات الأمراض من الجفاف؛ ففطر "الكيتريد" الذي يصيب البرمائيات ينتشر عادة بصورة أضعف عندما تصبح البيئة شديدة الجفاف.

أمراض عالم أكثر جفافاً

قال الباحثون إن الطفيليات ومسببات الأمراض، القادرة على إصابة عدة أنواع من العوائل، قد تكون أكثر قدرة على الاستمرار أثناء الجفاف من الأنواع التي تعتمد على عائل واحد فقط.

كما قد تتمتع الأنواع القادرة على البقاء خارج البيئات المائية، أو الانتقال إلى كائنات برية بميزة أكبر مقارنة بمسببات الأمراض المحصورة في المياه.

وخلص الباحثون إلى أن العامل الحاسم ليس ببساطة مقدار المياه المتبقية، وإنما الطريقة التي يغير بها الجفاف توزيع الكائنات الحية، وجودة المياه، وتوازن الأنواع داخل النظام البيئي.

وإذا أدى الجفاف إلى جمع العوائل والطفيليات في مناطق صغيرة، وبقيت قادرة على النجاة، فقد ترتفع العدوى. أما إذا قضى نقص المياه على عدد كبير من الطفيليات أو العوائل أو المسطحات المائية اللازمة لدورة حياتها، فمن المرجح أن تنخفض الأمراض.

وقالت ستيوارت ميريل إن القدرة على تحديد "متى وأين ولماذا وكيف" تصبح الطفيليات المائية مشكلة متزايدة ستكون ضرورية لتوجيه جهود الوقاية من الأمراض وإدارة الموارد الطبيعية.

ويختبر الباحثون حالياً الإطار الجديد في تجارب ميدانية تشمل عدة أنواع من العوائل والطفيليات في الأراضي الرطبة في كاليفورنيا، على أمل استخدامه مستقبلاً لتحديد مسببات الأمراض التي يمكن أن تصبح "رابحة"، أو "خاسرة"، مع ازدياد موجات الجفاف.

وقال جونسون إن الهدف هو توقع الطريقة التي ستتغير بها العدوى مع ازدياد موجات الجفاف الشديدة، بما يساعد السلطات الصحية ومديري النظم البيئية على التنبؤ بالتفشيات، والاستعداد لها قبل وقوعها.

تصنيفات

قصص قد تهمك