
قررت مصر حجب لعبة روبلوكس بعد نقاش برلماني إثر تحذيرات متكررة من خبراء تربويين ونفسيين وأولياء أمور، رصدت تحولات مقلقة في طبيعة المحتوى وسلوكيات استخدام المنصة التي تُعد إحدى أكثر الألعاب انتشاراً بين الأطفال والمراهقين.
وبهذه الخطوة تنضم مصر إلى دول فرضت حظراً أو قيوداً على منصة الألعاب، ومنها الصين، وتركيا، وروسيا، وقطر، وعُمان، والعراق، والجزائر، في حين فُرضت قيود على الدردشة داخل اللعبة، مع تعزيز الرقابة على المحتوى، في كلٍّ من السعودية، والإمارات.
وأعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، التنسيق مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لاتخاذ الإجراءات التقنية اللازمة لتنفيذ قرار الحجب.
وقال مسؤولون إن الخطوة وقائية في المقام الأول، وتهدف إلى الحفاظ على سلامة الأطفال التي تتصدر الأولويات، في ظل عالم رقمي تتزايد أخطاره بوتيرة متسارعة.
حماية الأطفال من الهواتف
دخل الملف دائرة الأولوية بعدما دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي، في كلمة ألقاها الشهر الماضي، إلى إصدار تشريع خاص بحماية الأطفال من أخطار الاستخدام المبكر للهواتف الذكية والشاشات الإلكترونية، مستشهداً بتجارب دول مثل أستراليا، وإنجلترا، دون أن يحدد سنّاً بعينها.
وشهدت جلسات مجلس الشيوخ مناقشات موسعة بشأن أخطار استخدام الإنترنت على الأطفال، خاصة منصات الألعاب التفاعلية ذات المحتوى المفتوح.
واستعرضت المناقشات مذكرات فنية رصدت طبيعة عمل "روبلوكس" باعتبارها ليست لعبة تقليدية، بل عالم افتراضي يتيح للمستخدمين إنشاء ألعابهم الخاصة، والتفاعل عبر الدردشة النصية والصوتية، وهو ما يجعل الرقابة على المحتوى مسألة شديدة التعقيد.
ما هي لعبة روبلوكس؟
تُتيح المنصة لأي مستخدم، سواء كان مبتدئاً أو مطور ألعاب مستقل، استخدام أدواتها للتطوير مثل Roblox Studio لصنع ألعاب، وتجارب تفاعلية خاصة باستخدام لغة البرمجة الخاصة بها Luau.
تُعرف هذه الألعاب باسم "التجارب"، وتغطي مجموعة واسعة من الألعاب البسيطة إلى العوالم الكبيرة متعددة اللاعبين، ويمكن للمشاركين لعب هذه التجارب بمجرد دخولهم إلى المنصة.
ويمكّن النظام المستخدمين من التواصل مع بعضهم البعض داخل اللعبة عبر الدردشة النصية أو الصوتية، والتعاون أو المنافسة في مجموعة من الأنشطة الترفيهية والتفاعلية، ويمكن للمستخدمين تخصيص شخصياتهم الافتراضية (أفاتار) وشراء عناصر جمالية أو قدرات إضافية باستخدام العملة الافتراضية داخل Robux، وهي عملة يمكن شراؤها بأموال حقيقية.
وتحظى "روبلوكس" بشعبية هائلة عالمياً، ويستخدمها ملايين الأشخاص يومياً، خصوصاً الأطفال والمراهقين، ما يجعلها من أكبر منصات الألعاب عبر الإنترنت في العالم.
وتحتوي اللعبة على إمكانيات تعليمية وترفيهية؛ فإلي جانب اللعب، يمكن للأطفال تعلم مبادئ البرمجة، أو التصميم، أو حتى التجارة الرقمية أثناء تفاعلهم داخل المنصة.
وبحسب "رويترز"، تشير بيانات عالمية إلى أن لعبة "روبلوكس"، التي طُرحت عام 2006، بلغ عدد مستخدميها النشطين يومياً في 2024 نحو 83 مليون مستخدم، وحققت في العام نفسه إيرادات قدرها 3.6 مليار دولار.
ورغم شعبية المنصة إلا أن هناك تحديات تتعلق بالأمان الرقمي؛ فهي تعتمد بشكل كبير على المحتوى الذي ينشئه المستخدمون، الأمر الذي يجعل بعض التجارب، أو عناصر الدردشة غير ملائمة لجميع الأعمار ما لم تُراعَ الضوابط المناسبة للمحتوى وسلامة اللاعبين الصغار.
آثار لعبة روبلوكس على الأطفال
في مصر، حذّرت تقارير برلمانية من آثار نفسية وسلوكية للعبة "روبلوكس" على الأطفال والمراهقين، منها الإدمان الرقمي، والعزلة الاجتماعية، وتراجع التحصيل الدراسي، واضطرابات النوم.
وتشمل أخطار اللعبة؛ التنمر الإلكتروني والضغط النفسي داخل اللعبة، إضافة إلى أنظمة الشراء الداخلية المعتمدة على عملة افتراضية تُشترى بأموال حقيقية، وهو ما قد يفتح الباب أمام استنزاف مالي غير مباشر للأسر واستغلال للأطفال.
تحركات عالمية ضد "روبلوكس"
ووفق مسؤولين، جاء حظر مصر لعبة "روبلوكس" ضمن تحركاتها لتنظيم استخدام المنصات الإلكترونية للأطفال، في إطار حماية الوعي الجمعي للنشء، والتصدي لأي محتوى يُروّج للعنف أو السلوكيات المنحرفة.
ومن المتوقع أن يفتح القرار الباب أمام تشريعات أوسع، تُحدد سن الاستخدام، وتُعزز أدوات الرقابة الأبوية، وتعيد التأكيد على دور الأسرة والمدرسة باعتبارهما خط الدفاع الأول في مواجهة مخاطر الفضاء الرقمي.
وبحسب "بلومبرغ"، قال متحدث باسم "روبلوكس" إن الشركة "تواصلت مع السلطات المصرية وقدّمت عرضاً للحوار في محاولة لحل هذه المسألة وإعادة الوصول إلى منصتنا في أقرب وقت".
وأضاف المتحدث: "عملنا عن كثب مع سلطات تنظيمية أخرى لبناء قدرات محلية تتماشى مع قيمها الثقافية، واستناداً إلى التزامنا المشترك بالسلامة، ونرحّب بفرصة التعاون بالمثل مع السلطات في مصر".
ويتسق القرار المصري مع موجة قلق عالمية متصاعدة تجاه المنصة، إذ تواجه "روبلوكس" تحقيقات وانتقادات في دول عدة، على خلفية اتهامات بعدم تطبيق معايير كافية لحماية القُصّر.
وتفيد بيانات الشركة بأن المنصة تضم عشرات الملايين من المستخدمين النشطين يومياً، وأن نسبة كبيرة منهم دون سن 13 عاماً، وهو ما يضاعف حساسية أي محتوى يُتداول داخلها.
وكشفت جهات رقابية في الاتحاد الأوروبي عن تحقيق أجرته هيئة حماية المستهلك في هولندا للتأكد مما إذا كانت الشركة تتخذ إجراءات كافية لحماية القُصّر من الاعتداءات والإساءة عبر المنصة.
وبموجب قانون الخدمات الرقمية الأوروبي؛ تُعنى هذه التحقيقات بتحديد ما إذا كانت الشركة تلتزم بمعايير السلامة الواجبة لحماية الأطفال من الاتصال غير الآمن أو الاستغلال المحتمل عبر الخدمة الرقمية.
وفي الولايات المتحدة، تحوت الحوادث المرتبطة بالمنصة إلى قضايا، ففي ولاية لويزيانا أقام المدّعي العام دعوى قضائية ضد "روبلوكس" متهماً إياها بإهمال حماية الأطفال من متحرشين عبر الإنترنت.
واتُهمت المنصة بخلق بيئة يمكن أن يستغل فيها الكبار الأطفال دون رقابة كافية، وأورد في الدعوى حالة فتاة صغيرة تعرضت للخطف والاعتداء بعد تواصلها مع شخص عبر "روبلوكس".
وكشفت دعوى في نورث كارولاينا أن طفلة تبلغ من العمر 10 سنوات تعرضت لمحاولة استغلال جنسي بعدما تقرب منها بالغ داخل اللعبة، مستغلاً العملة الافتراضية، ما أجبر الطفلة على تبادل صور غير مناسبة تحت التهديد بالحرمان من تلك العملة.
وفي أستراليا، اكتُشف أن الأطفال يمكنهم الوصول عبر المنصة إلى محتوى جنسي صريح أو محادثات تتضمن إيحاءات خطيرة، بما في ذلك مناقشات عن إيذاء النفس والانتحار، الأمر الذي أثار جدلاً واسعًا بشأن كفاية الرقابة والضوابط الأبوية المتاحة.











