الصين شركة z.ai تتحدى أقوى نماذج البرمجة بالعالم بـ glm-5.2 | الشرق للأخبار

الصين.. شركة Z.ai تطلق GLM-5.2 وتتحدى أقوى نماذج العالم في مهام البرمجة

time reading iconدقائق القراءة - 18
شركة Z.ai الصينية تطلق نموذج GLM 5.2، صورة بالذكاء الاصطناعي - Asharq
شركة Z.ai الصينية تطلق نموذج GLM 5.2، صورة بالذكاء الاصطناعي - Asharq
القاهرة-

لم يكن إعلان شركة Z.ai الصينية عن نموذجها الجديد GLM-5.2 مجرد إطلاق اعتيادي لنموذج لغوي جديد، بل تحول خلال ساعات إلى أحد أكثر الموضوعات تداولاً داخل الأوساط العالمية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، بعدما أثارت الشركة الجدل بشأن قدرة نموذجها على منافسة، بل وتجاوز، بعض أقوى النماذج التجارية في العالم في مهام البرمجة وتطوير البرمجيات طويلة الأمد.

وأعاد ظهور GLM-5.2 إلى أذهان كثير من المطورين والمحللين، ما حدث مطلع عام 2025، عندما قلب نموذج DeepSeek V3 كثيراً من المعادلات داخل سوق الذكاء الاصطناعي، بعدما أثبت أن الشركات الصينية قادرة على تطوير نماذج تنافس نظيراتها الأميركية بكفاءة مرتفعة وتكلفة أقل بكثير، وهو ما دفع شركات التكنولوجيا الكبرى إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الخاصة بالنماذج مفتوحة المصدر.

هذه المرة، لا تركز Z.ai على منافسة روبوتات الدردشة التقليدية، وإنما تستهدف ما أصبح يعرف باسم وكلاء الذكاء الاصطناعي البرمجي (Coding Agents)، وهي أنظمة لا تكتفي بكتابة أجزاء من الأكواد البرمجية، بل تستطيع تحليل مشروع برمجي كامل، وفهم بنيته، ثم تنفيذ سلسلة طويلة من المهام المتتابعة تشمل مراجعة الشفرة المصدرية، وإعادة هيكلتها، وإصلاح الأخطاء، وإجراء الاختبارات، وصولاً إلى تجهيز المشروع للنشر، مع الاحتفاظ بسياق العمل طوال العملية.

يأتي ذلك في وقت تتسارع فيه المنافسة العالمية على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على تنفيذ مهام معقدة تمتد لساعات أو حتى أيام، بدلاً من الاقتصار على الإجابة عن الأسئلة أو توليد النصوص، وهو الاتجاه الذي تتنافس فيه شركات مثل OpenAI وأنثروبيك وجوجل، إلى جانب مجموعة متنامية من الشركات الصينية.

من هي Z.ai؟

قد لا تتمتع Z.ai بالشهرة العالمية التي تحظى بها شركات مثل OpenAI أو أنثروبيك أو جوجل، إلا أنها تُعد واحدة من أبرز شركات الذكاء الاصطناعي في الصين، وكانت تُعرف سابقاً باسم Zhipu AI قبل أن تعتمد علامتها التجارية الجديدة.

وتعمل الشركة منذ سنوات على تطوير سلسلة نماذج GLM، التي تطورت تدريجياً من نماذج لغوية عامة إلى منصات متخصصة في البرمجة والوكلاء الذكيين، مع تركيز واضح على توفير نماذج مفتوحة المصدر قادرة على المنافسة في الاختبارات القياسية العالمية.

وتقول الشركة إن GLM-5.2 يمثل أكبر قفزة تقنية في تاريخها، إذ صُمم منذ البداية للتعامل مع المهام البرمجية طويلة الأمد، وليس مجرد نموذج للمحادثة أو توليد النصوص، مستفيداً من نافذة سياق تصل إلى مليون رمز (Token)، إلى جانب تحسينات واسعة في قدرات الاستدلال، واستدعاء الأدوات البرمجية، وإدارة المشروعات الكبرى.

ما الذي يقدمه نموذج GLM-5.2؟

بعيداً عن الأرقام الكبيرة التي تروج لها الشركة، فإن الفكرة الأساسية وراء النموذج الجديد تتمثل في الانتقال من مفهوم "المساعد البرمجي" إلى "المهندس البرمجي الذكي".

على مدار السنوات الماضية، اعتادت النماذج اللغوية مساعدة المطورين في كتابة الدوال البرمجية، أو تصحيح الأخطاء، أو شرح الأكواد، إلا أنها كانت تواجه صعوبة كلما زاد حجم المشروع وتعقدت العلاقات بين ملفاته المختلفة.

أما GLM-5.2، فقد صُمم للتعامل مع ما تسميه الشركة "المهام طويلة الأمد" (Long-Horizon Tasks)، أي المشروعات التي قد تمتد إلى مئات أو آلاف الملفات البرمجية، وتتطلب الاحتفاظ بسياق العمل طوال مراحل التنفيذ، بداية من تحليل المتطلبات، مروراً بفهم البنية المعمارية للمشروع، ووصولاً إلى كتابة الشفرة البرمجية، وتشغيل الاختبارات، ومعالجة الأخطاء، ثم تجهيز التطبيق للنشر.

وتعتمد هذه القدرات على نافذة سياق تصل إلى مليون رمز، وهي سعة تسمح للنموذج بقراءة كميات ضخمة من البيانات البرمجية والمستندات الفنية دفعة واحدة، بما يشمل ملفات الشفرة المصدرية، ووثائق التصميم، وسجلات التغييرات، وتعليمات التطوير، دون الحاجة إلى تقسيم المشروع إلى أجزاء صغيرة كما كان يحدث مع كثير من النماذج السابقة. 

وترى الشركة أن أهمية هذه النافذة لا تكمن في حجمها فحسب، بل في قدرة النموذج على الاحتفاظ بالمعلومات المهمة واستدعائها خلال سلسلة طويلة من عمليات الاستدلال، وهي نقطة ظلت تمثل أحد أبرز التحديات أمام نماذج الذكاء الاصطناعي عند التعامل مع المشروعات البرمجية الكبيرة.

أكثر من مجرد كتابة أكواد

تحاول Z.ai تسويق GLM-5.2 باعتباره منصة متكاملة لتطوير البرمجيات، وليس نموذجاً لتوليد الأكواد فقط، فالنموذج يدعم أوضاعاً متعددة للتفكير والاستدلال بحسب طبيعة المهمة، كما يستطيع استدعاء الأدوات الخارجية (Function Calling)، والتعامل مع بروتوكول Model Context Protocol (MCP)، وإنتاج مخرجات منظمة بصيغة JSON، إلى جانب دعم التخزين المؤقت للسياق (Context Caching)، وهي مزايا تستهدف تسهيل دمجه داخل بيئات التطوير المؤسسية وسير العمل الآلي.

أوضحت الشركة أن النموذج يستطيع تنفيذ دورة تطوير متكاملة، تبدأ بتحليل المشروع واستخلاص بنيته المعمارية، ثم تحديد الأخطار والتبعيات، واقتراح خطة تنفيذ، قبل الانتقال إلى كتابة الأكواد، وتشغيل أدوات الفحص البرمجي (Lint)، وإجراء الاختبارات، والتحقق من توافق النتائج مع المعايير الهندسية المحددة مسبقاً.

وبحسب وثائق رسمية، يستطيع النموذج أيضاً التعامل مع تطوير تطبيقات تعمل على نظام Android، وإنشاء تطبيقات WeChat Mini Programs، وإعادة هيكلة المشروعات البرمجية، وحتى إعادة إنتاج الأبحاث العلمية وتحويل الأوراق البحثية إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، إضافة إلى إنتاج مقاطع فيديو عبر البرمجة باستخدام إطار العمل Remotion، وهو ما يعكس توجه الشركة نحو بناء وكيل ذكاء اصطناعي متعدد الاستخدامات بدلاً من نموذج محادثة تقليدي. 

منافسة مباشرة مع العمالقة

لم تكتف Z.ai باستعراض الإمكانات النظرية للنموذج، بل قدمت سلسلة من نتائج الاختبارات القياسية التي وضعت GLM-5.2 في مواجهة مباشرة مع أبرز النماذج المنافسة، من بينها Claude Opus 4.8 من أنثروبيك، وGPT-5.5 من OpenAI، وGemini 3.1 Pro من جوجل.

وتقول الشركة إن نموذجها أصبح أفضل نموذج مفتوح المصدر في عدد من اختبارات البرمجة طويلة الأمد، مثل FrontierSWE وPostTrainBench وSWE-Marathon، مشيرة إلى أن أداءه جاء بفارق نقطة مئوية واحدة فقط خلف Claude Opus 4.8 في اختبار FrontierSWE، بينما تفوق على GPT-5.5 وClaude Opus 4.7 في بعض الاختبارات الأخرى.

كما سجل تحسناً ملحوظاً مقارنة بالإصدار السابق GLM-5.1 في اختبارات Terminal-Bench 2.1 وSWE-bench Pro.

اقرأ أيضاً

نماذج أنثروبيك المتطورة للذكاء الاصطناعي.. هل أصبحت خطراً يستدعي الحظر؟

استيقظت أسواق الذكاء الاصطناعي، السبت، على تطور لافت بعد إعلان شركة أنثروبيك أن الحكومة الأميركية أمرتها بحظر استخدام نموذجيها الأحدث Fable-5 وMythos-5.

قد تبدو المقارنات معقدة بسبب كثرة الاختبارات والأرقام، ولتبسيط الصورة، يمكن تخيل أن 3 مهندسين قرروا إجراء تجديد شامل لمستشفى كبير، الأول ينظر إلى غرفة واحدة في كل مرة، والثاني يستطيع متابعة طابق كامل، بينما يتمكن الثالث من الاطلاع على مخططات المستشفى بالكامل في الوقت نفسه، يعرف كيف سيؤثر أي تعديل يجريه في غرفة العمليات على شبكة الكهرباء أو أجهزة العناية المركزة أو أقسام أخرى داخل المبنى.

هذا هو الفارق الذي تحاول شركة Z.ai تقديمه في نموذج GLM-5.2. فبدلاً من التركيز على جزء صغير من المشروع، يستطيع النموذج التعامل مع مشروع برمجي ضخم بالكامل، والاحتفاظ بتفاصيله أثناء العمل، وهو ما يقلل الحاجة إلى تذكيره باستمرار بما طُلب منه في الخطوات السابقة.

ولا يقتصر دوره على كتابة الأكواد، بل يمكنه فهم المشروع أولاً، ثم اقتراح خطة للعمل، وتنفيذ التعديلات المطلوبة، واختبارها، ثم إصلاح أي أخطاء قد تظهر، وكأنه يعمل كمطور برمجيات داخل فريق متكامل، وليس مجرد مساعد يجيب عن الأسئلة.

وهنا يكمن الفارق الأساسي بينه وبين النماذج الأخرى، إذ يعرف GPT-5.5 بأنه نموذج عام يجيد أداء مجموعة واسعة من المهام، مثل الكتابة، والترجمة، والبحث، والتحليل، والبرمجة، والإجابة عن الأسئلة، لذلك يشبه موظفاً متعدد المهارات يستطيع العمل في أكثر من مجال بكفاءة.

أما Claude Opus 4.8، فيُنظر إليه على أنه من أفضل النماذج في تطوير البرمجيات، لأنه يلتزم بقواعد المشروع، ويتعامل بحذر مع التعديلات الكبيرة، وهو ما جعله خياراً مفضلاً لدى كثير من المطورين المحترفين.

في المقابل، تحاول Z.ai أن تثبت أن GLM-5.2 يستطيع منافسة هذه النماذج، بل والتفوق عليها في بعض مهام البرمجة المعقدة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمشروعات ضخمة تستغرق ساعات من العمل وتتطلب تذكر آلاف التفاصيل في الوقت نفسه، ووفقاً للشركة، فإن النموذج حقق نتائج قوية في عدد من اختبارات البرمجة، واقترب كثيراً من أداء Claude Opus 4.8، بل تفوق على GPT-5.5 في بعض الاختبارات المتخصصة، إلا أن هذه النتائج لا تزال بحاجة إلى مزيد من التقييمات المستقلة للتأكد من أنها تنعكس أيضاً على الاستخدامات العملية.

وبعبارة أكثر بساطة، إذا كان GPT-5.5 يشبه موظفاً يجيد أداء العديد من الأعمال المختلفة، وكان Claude Opus 4.8 مهندساً خبيراً في إدارة المشروعات البرمجية الكبيرة، فإن GLM-5.2 يحاول أن يجمع بين القدرة على فهم المشروع بالكامل والعمل عليه خطوة بخطوة، مع الحفاظ على تفاصيله طوال فترة التنفيذ، وهو ما يجعل كثيراً من المطورين ينظرون إليه باعتباره أحد أبرز المنافسين الجدد في مجال الذكاء الاصطناعي المخصص للبرمجة.

أداء حقيقي أم مجرد أرقام؟

رغم أن هذه النتائج تعكس تقدماً لافتاً، إلا أنها تظل صادرة عن الشركة المطورة نفسها، وهو ما يدفع كثيراً من الباحثين والمطورين إلى انتظار نتائج تقييمات مستقلة قبل الجزم بمدى قدرة النموذج على منافسة النماذج التجارية الرائدة في مختلف سيناريوهات الاستخدام، خاصة أن الأداء قد يختلف باختلاف طبيعة المهام وبيئات التشغيل.

من أوائل التجارب التي شهدت انتشاراً داخل مجتمع LocalLLaMA على منصة ريديت كان اختبار يعتمد على مطالبة النماذج ببناء لعبة Pac-Man كاملة، وهو أحد الاختبارات غير الرسمية التي يستخدمها المطورون للمقارنة بين النماذج المختلفة.

أظهرت التجربة أن GLM-5.2 استغرق وقتاً أطول في مرحلة التفكير مقارنة بالإصدار السابق GLM-5.1، إلا أن النتيجة النهائية جاءت أكثر دقة، مع قدرة أفضل على إدارة اللعبة وربط مكوناتها المختلفة، وهو ما يعتبر مؤشراً على أن النموذج يخصص قدراً أكبر من موارده للاستدلال قبل كتابة الشفرة البرمجية، بدلاً من توليد الأكواد بسرعة على حساب الجودة.

وحاولت تجربة أخرى تحويل نموذج GLM 5.2 إلى رفيق يومي للمستخدم، أجراها المهندس مات فيلوسو، والذي شغل مناصب قيادية في شركات ميتا وجوجل ومايكروسوفت، إذ قال بعد يوم كامل من استخدام GLM-5.2 إنه أصبح أول نموذج مفتوح يمكن الاعتماد عليه باعتباره "الرفيق اليومي" للمطورين، في إشارة إلى أن أداءه أصبح قريباً من النماذج التجارية المغلقة في الاستخدام العملي، وليس فقط في الاختبارات النظرية.

وأعرب جوليرمو راوش، مدير شركة Vercel لاستضافة الأكواد البرمجية بالذكاء الاصطناعي، عن انبهاره بأداء النموذج الجديد، مؤكدا أنه "سيغير قواعد اللعبة".

ويرى عدد من المطورين أن أهمية GLM-5.2 لا ترتبط فقط بتحسن جودة البرمجة، وإنما بتغير طبيعة استخدام الذكاء الاصطناعي داخل فرق تطوير البرمجيات.

فبدلاً من مطالبة النموذج بكتابة دالة أو إصلاح خطأ بسيط، أصبح بالإمكان تكليفه بتحليل مشروع كامل، ووضع خطة تنفيذ، وتنفيذها على مراحل، ثم مراجعة النتائج وتشغيل الاختبارات وإصلاح الأخطاء تلقائياً.

ووصف بعض المطورين هذا التحول بأنه انتقال من مرحلة البرمجة الحدسية Vibe Coding، التي تعتمد على كتابة الأكواد استجابةً لأوامر مباشرة، إلى مرحلة الهندسة الوكيلية Agentic Engineering، والتي يتحول فيها النموذج إلى وكيل برمجي قادر على إدارة سلسلة طويلة من المهام مع حد أدنى من التدخل البشري، وهو الاتجاه الذي تتنافس عليه حالياً شركات مثل OpenAI وأنثروبيك وجوجل إلى جانب الشركات الصينية.

كيف تعيد الصين بناء منظومة الذكاء الاصطناعي؟

لا يمكن النظر إلى إطلاق GLM-5.2 بمعزل عن التحولات العميقة التي يشهدها قطاع الذكاء الاصطناعي في الصين خلال العامين الماضيين، إذ لم تعد المنافسة تقتصر على تطوير نماذج لغوية أكبر أو أسرع، بل امتدت إلى بناء منظومة تقنية متكاملة تشمل النماذج، والرقائق الإلكترونية، والبنية التحتية للحوسبة، وأدوات تطوير البرمجيات، في إطار مساعٍ متسارعة لتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأميركية وتعزيز الاكتفاء الذاتي في أحد أكثر القطاعات الاستراتيجية أهمية.

وبدأت ملامح هذا التحول تتبلور بوضوح مع الصعود اللافت لشركة DeepSeek، التي أحدثت مطلع عام 2025 تحولاً في صناعة الذكاء الاصطناعي بعدما أثبتت أن تطوير نماذج عالية الكفاءة لا يتطلب بالضرورة استثمارات بمليارات الدولارات أو الاعتماد الكامل على أحدث معالجات NVIDIA، وهو ما دفع كثيراً من المحللين إلى إعادة النظر في المعايير التي كانت تحكم سباق الذكاء الاصطناعي العالمي.

وأشعل نجاح DeepSeek موجة جديدة من المنافسة داخل السوق الصينية، لتتسابق شركات التكنولوجيا الكبرى والناشئة على حد سواء لتطوير نماذج أكثر تخصصاً. وخلال أشهر قليلة، شهدت السوق إطلاق إصدارات متقدمة من سلسلة Qwen التابعة لشركة Alibaba، إلى جانب نماذج من شركات Moonshot AI وMiniMax وBaidu وTencent، قبل أن تنضم Z.ai إلى هذا السباق بإطلاق GLM-5.2، الذي يركز بصورة أساسية على البرمجة ووكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على تنفيذ مهام تطوير برمجيات طويلة ومعقدة.

ويعكس هذا التنوع تحولاً واضحاً في استراتيجية الشركات الصينية، التي باتت تتجه إلى تطوير نماذج متخصصة بدلاً من الاعتماد على نموذج عام واحد ينافس في جميع المجالات، فبينما تركز بعض الشركات على نماذج الاستدلال المنطقي، تستهدف أخرى البرمجة، أو إنتاج الفيديو، أو التطبيقات المؤسسية، أو وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على تنفيذ المهام بصورة مستقلة، وهو ما يمنح السوق الصينية مرونة أكبر في تلبية احتياجات قطاعات مختلفة، ويقلل في الوقت نفسه من الاعتماد على نموذج واحد لقيادة المنافسة.

تزامنت هذه الطفرة مع تشديد الولايات المتحدة القيود على تصدير الشرائح الإلكترونية المتقدمة إلى الصين، وعلى رأسها معالجات NVIDIA H100 وB200، إضافة إلى فرض قيود على معالجات صُممت خصيصاً للسوق الصينية، مثل H20، في إطار مساعي واشنطن للحد من قدرة بكين على تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة.

وأجبرت هذه القيود شركات التكنولوجيا الصينية على إعادة النظر في البنية التحتية التي تعتمد عليها لتدريب وتشغيل النماذج الكبيرة، كما دفعت الحكومة الصينية إلى تسريع استثماراتها في تطوير منظومة محلية للرقائق المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، تقودها هواوي عبر سلسلة معالجات Ascend، إلى جانب شركات مثل Cambricon وHygon، فضلاً عن إطلاق برامج لدعم مراكز الحوسبة الفائقة وتوسيع القدرة المحلية على تدريب النماذج الضخمة.

ورغم أن هذه المعالجات لا تزال تواجه تحديات مقارنة بأحدث منتجات NVIDIA، سواء من حيث الأداء أو نضج منظومة البرمجيات والأدوات الداعمة، فإن عدداً متزايداً من الشركات الصينية بدأ بالفعل في استخدامها لتدريب بعض النماذج أو تشغيلها، مدفوعاً بصعوبة الحصول على الشرائح الأميركية المتقدمة، وبالتوجه الحكومي نحو بناء سلسلة إمداد محلية أكثر استقلالية في التقنيات الاستراتيجية.

ويرى محللون أن ما تشهده الصين اليوم يشبه إلى حد كبير ما حدث في قطاع السيارات الكهربائية، إذ لم تكتف الشركات بتطوير المركبات نفسها، بل عملت في الوقت ذاته على بناء منظومة صناعية متكاملة تشمل البطاريات، وسلاسل الإمداد، والبرمجيات، والبنية التحتية، وهو النموذج الذي تسعى بكين إلى تكراره في مجال الذكاء الاصطناعي.

ولذلك لم تعد المنافسة تدور حول تطوير "أفضل نموذج" فحسب، بل أصبحت تشمل امتلاك منظومة متكاملة تضم النماذج، ومسرعات الذكاء الاصطناعي، وأطر العمل البرمجية، ومراكز البيانات، ومنصات الحوسبة السحابية، وأدوات التطوير، وهو ما قد يقلل تدريجياً من تأثير القيود الأميركية على المدى الطويل، حتى وإن استمرت الفجوة التقنية في بعض المكونات الأكثر تقدماً.

وفي هذا السياق، لا يمثل GLM-5.2 مجرد إضافة جديدة إلى قائمة النماذج الصينية، بل يعكس مرحلة جديدة من تطور استراتيجية بكين في مجال الذكاء الاصطناعي، تقوم على بناء منظومة متكاملة تمتد من الرقائق الإلكترونية إلى النماذج اللغوية ووكلاء الذكاء الاصطناعي، مروراً بالبنية التحتية للحوسبة. وإذا نجحت الشركات الصينية في مواصلة التقدم بالتوازي على صعيد تطوير النماذج والرقائق، فقد تنتقل المنافسة العالمية خلال السنوات المقبلة من سباق حول "أفضل نموذج" إلى سباق أشمل حول "أفضل منظومة ذكاء اصطناعي" قادرة على تحقيق التوازن بين الأداء، والتكلفة، والاستقلالية التقنية.

تصنيفات

قصص قد تهمك