
بينما كانت مصر تلتقط أنفاسها أخيراً بعد سنوات من الضغوط الاقتصادية، وتبدأ مؤشرات التعافي في الظهور، جاءت الحرب على إيران لتقطع هذا المسار قبل أن يكتمل، ففي غضون يومين فقط، تبخرت مكاسب ثمانية أشهر للجنيه، وتبدلت حالة التفاؤل الحذر في الأسواق إلى موجة تخارجات وضغوط تمويلية، لتجد الحكومة نفسها أمام اختبار جديد، قبل أن تنتهي تداعيات الأزمات السابقة.
فالاقتصاد الذي كان يعوّل على موسم سياحي قوي في 2026، وتدفقات استثمارية مستقرة، وتحسن تدريجي في سوق الصرف، بدأ يتلقى إشارات تحذيرية مع تراجع سعر صرف الجنيه بنحو 3.8% متجاوزاً 50 جنيهاً للدولار، وسط خروج استثمارات بمليارات الدولارات من أدوات الدين المحلية.
وفي البورصة، هبط المؤشر الرئيسي 2% وسط مبيعات مكثفة من المستثمرين الأجانب والعرب. وفقدت الأسهم منذ بداية الحرب نهاية فبراير الماضي، نحو 21.2 مليار جنيه من قيمتها السوقية، لتسجل 3.1 تريليون جنيه، مع تراجع نحو 64% من الأسهم المتداولة والبالغ عددها 216 سهماً. وسجل المستثمرون الأجانب صافي بيع بقيمة 753 مليون جنيه.
أما على مستوى قناة السويس، فقد أوقفت غالبية الشركات المرور عبر القناة وكان آخرهم "ميرسك".
قطاع الطاقة وتأثيره على الكهرباء
عملت مصر خلال الأيام الماضية على تعزيز إمداداتها الداخلية بوقف الضخ للخارج وإعادة تنظيم الشحنات المتعاقد عليها دولياً لزيادة الكميات الموردة، في خطوة تهدف لسد الفجوة الناتجة عن توقف غاز شرق المتوسط، وتأمين استقرار الشبكة القومية للكهرباء.
مصر تُبكر استلام شحنات غاز وتسعى لزيادة الكميات بعد وقف إسرائيل للإمدادات
أوقفت إسرائيل ضخ 1.1 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي يومياً إلى مصر منذ صباح السبت من حقلي "تمار" و"ليفياثان" بحسب مسؤول حكومي تحدث لـ"الشرق" شريطة عدم ذكر اسمه، تزامناً مع شن تل أبيب ضربات استهدفت مواقع في الداخل الإيراني. وقف الإمدادات يأتي استناداً إلى بند "القوة القاهرة" المنصوص عليه في اتفاقيات توريد الغاز بين الدولتين.
وأضاف الشخص أن مصر طلبت من الموردين الدوليين تقديم موعد تسليم شحنتين من الغاز الطبيعي المسال إلى الأسبوع الجاري، بعد أن كان من المقرر استلامهما في وقت لاحق، وذلك لسد الفجوة الناجمة عن التوقف المفاجئ لإمدادات شرق المتوسط.
وبموجب التطورات الأخيرة، حصلت القاهرة خلال اليومين الماضيين على نحو 300 مليون قدم مكعب يومياً من خلال سفينة تغويز العقبة في الأردن، بينما تحصل عمّان على كمية مماثلة لتشغيل محطات توليد الكهرباء، لتعويض غياب الغاز الإسرائيلي.
أشار المسؤول إلى وصول أول شحنة غاز مسال إضافية إلى ميناء العقبة أمس، لصالح مصر والأردن، ولم يتم التمكن من ربطها على سفينة التغويز "إنيرجوس فورس" بسبب سوء الأحوال الجوية.
وأضاف أن البلاد أوقفت ضخ نحو 350 مليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي يومياً لكل من شركتي "شل" و"بتروناس"، والتي كانت مخصصة للتصدير عبر مصنع "إدكو" للإسالة، في أعقاب توقف الإمدادات القادمة من حقلي "تمار" و"ليفياثان" في شرق المتوسط.
أما على صعيد انقطاع الكهرباء وتخفيف الأحمال، فقد أكد محمود عصمت، وزير الكهرباء المصري، أنه رغم انقطاع الغاز من شرق المتوسط، إلا أن الأوضاع بالشبكة الكهربائية في مصر مطمئنة.
وأضاف أن الوزارة تمتلك سيناريوهات للحفاظ على استقرار الشبكة وتوفير التغذية الكهربائية.
"مورجان ستانلي" يرسم خارطة طريق لاقتصاد مصر
في سياق متصل، رسم مصرف "مورجان ستانلي" خارطة طريق للاقتصاد المصري تحت ضغط التوترات الإقليمية بين أميركا وإيران. وحذر من ضغوط على الجنيه وتكاليف الطاقة، وتأرجح التضخم وفق 4 مسارات.
فعلى الرغم من محدودية التعرض المباشر لمصر مع إيران، يتوقع "مورجان ستانلي" ضغوطاً غير مباشرة ناتجة عن تقلبات الأسواق الناشئة، وارتفاع فاتورة واردات الطاقة، واحتمالية تأثر قطاع السياحة والإيرادات من قناة السويس.
وعلى مستوى سعر الصرف توقع البنك تراجع سعر صرف الجنيه أمام الدولار بنسبة تتراوح بين 1% و2% في حال احتواء الأزمة. أما في سيناريو المواجهة الشاملة، فرجح حدوث تراجع أكبر قد يصل إلى 8%.
تشير تقديرات البنك إلى أن سيناريوهات التصعيد قد ترفع عجز الطاقة بمبالغ تتراوح بين 400 مليون دولار و600 مليون دولار خلال ما تبقى من العام المالي 2025-2026 وذلك في حالات الاحتواء، على أن تصل إلى 2.4 مليار دولار في حال استمر التوتر.
من جهة أخرى، توقع "مورجان ستانلي" أن يؤدي أي ارتفاع في أسعار الطاقة بنسبة 10% إلى إضافة نقطة مئوية للتضخم، ما قد يرفعه في عام 2026 إلى 11%، مع إبقاء أسعار الفائدة من دون تغيير في اجتماع أبريل القادم للحد من التبعات التضخمية.
سعر صرف الجنيه
فقد الجنيه المصري خلال أول يومين من اندلاع الحرب جميع المكاسب التي حققها على مدار الأشهر الثمانية الماضية، بعدما تراجع بما يعادل قرابة 2.80 جنيه لكل دولار، ليتجاوز مستوى 50 جنيهاً.
الجنيه المصري يقترب من 50 مقابل الدولار بعد أول يومين حرب
يأتي هذا التراجع في ظل تصاعد موجة خروج المستثمرين الأجانب من أدوات الدين المحلية، سواء عبر القطاع المصرفي أو من خلال تعاملاتهم في البورصة، مدفوعين بارتفاع المخاطر الجيوسياسية في المنطقة.
كما أظهرت تعاملات سوق "الإنتربنك" المصرية (حيث تقرض البنوك بعضها غالباً لليلة واحدة أو لعدة أيام)، خروج استثمارات بنحو 1.2 مليار دولار خلال يومي الأحد والإثنين فقط، في مؤشر واضح على تسارع وتيرة تخارج الأجانب من السوق المحلية.
على صعيد البورصة، كشفت البيانات تسجيل المستثمرين الأجانب والعرب صافي بيع بلغ نحو 290 مليون دولار خلال الفترة نفسها.
ولم تكن هذه التحركات وليدة اللحظة، إذ تشير البيانات إلى أن المستثمرين بدأوا التحوط مبكراً قبل توجيه الضربة الأميركية لإيران، حيث سجلت تعاملات "الإنتربنك" خلال الأسبوعين الأخيرين من فبراير، عمليات تمويل لخروج استثمارات أجنبية بقيمة 3.75 مليار دولار.
كما بلغ صافي خروج الأجانب والعرب من أذون الخزانة المحلية نحو 1.6 مليار دولار خلال النصف الثاني من الشهر ذاته، ما يعكس حجم الضغوط المتراكمة على العملة المحلية.
وفي ظل هذه التطورات، اضطرت وزارة المالية، لتلبية احتياجاتها التمويلية وسد عجز الموازنة، إلى رفع أسعار الفائدة بنحو يصل إلى 0.5% في آخر عطائين لأذون وسندات الخزانة المحلية، بعد أن طالب المستثمرون بعوائد مرتفعة تراوحت بين 26 و30%، تعويضاً عن تصاعد المخاطر المرتبطة بالحرب.
قطاع السياحة يتأثر بالحرب
قال حسام الشاعر رئيس اتحاد الغرف السياحية، إن عمليات إلغاء الرحلات عقب اندلاع الحرب مباشرة كانت محدودة، متوقعاً أن تظهر آثار الحرب من خلال إلغاء الرحلات خلال نهاية الأسبوع، مع اتساع الضربات بين الطرفين أو انحسارها.
حرب إيران تلغي 12 ألف رحلة.. هذه توجهات شركات الطيران بالشرق الأوسط
وتوقع الشاعر أن تكون الأسواق الأميركية هي الأكثر تأثراً، وكذلك التي كانت تعتمد على شركات طيران خليجية تسيّر رحلات إلى مصر، مثل أسواق شرق آسيا، بعد توقف أغلب رحلات الطيران في دول الخليج.
وأكد أصحاب شركات سياحة، أن كل الأفواج السياحية التي كانت تأتي عبر شركات طيران خليجية توقفت تماماً، مع تعطل حركة الطيران بسبب الحرب.
إلغاء الرحلات الآسيوية
قالت نورا علي، رئيسة مجلس إدارة شركة "ماسترز ترافيل" للسياحة، إن تداعيات الحرب على إيران أدت إلى إلغاء جميع الرحلات السياحية الوافدة إلى مصر من دول قارة آسيا لأجل غير محدد.
أضافت في حديثها لـ"الشرق" أن تأثير هذا الأمر يظل محدوداً نسبياً في الوقت الحالي، نظراً لتنوع الأسواق المصدرة للسياحة إلى مصر.
شركات الطيران الخليجية تمدد إلغاء الرحلات وسط استهداف إيراني
وأوضحت أن بعض مواطني الدول الآسيوية والمتواجدون حالياً في مصر، قد يضطرون إلى السفر عبر إحدى الدول الأوروبية للعودة إلى بلدانهم، في ظل اضطراب مسارات الطيران، أو تمديد فترة إقامتهم لحين استقرار الأوضاع في المنطقة.
خسائر الطيران المصري
في سياق متصل، قال وزير الطيران المصري سامح الحفني في تصريحات لـ"الشرق"، إن الحرب كبدت الشركة الوطنية خسائر بملايين الدولارات، مضيفاً: "لكن وضعنا أفضل من شركات الطيران التي توقفت تماماً"، و"يصعب اتخاذ قرارات بتحويل مسارات الطائرات التي كانت تتجه لدول الخليج، إلى مطارات أخرى".
وأضاف أن الأحداث الجارية تسببت في توقف 85 رحلة خلال اليومين الماضيين كانت تتجه إلى دول الخليج، مشيراً إلى أن استمرار توقف الرحلات للمدن الخليجية سوف يتسبب بخسائر تُقدّر بملايين الدولارات.
حقق قطاع الطيران المدني في مصر طفرة نمو غير مسبوقة خلال العام الماضي، حيث ارتفع إجمالي عدد الركاب بالمطارات المصرية بنسبة 22.3% إلى 28 مليون راكب، مقارنة بـ22.9 مليون راكب في عام 2024، وسجلت المطارات نحو 210 آلاف رحلة مقابل نحو 174 ألف رحلة في العام السابق.
*هذا المحتوى من "اقتصاد الشرق مع بلومبرغ"












