
تستعد مدينة لوكّا، شمال غرب فلورنسا، في إيطاليا لاحتضان دورة استثنائية من مهرجان Lucca Comics & Games، في الفترة من 28 أكتوبر إلى 1 نوفمبر، والذي يحتفل هذا العام بمرور 60 عاماً على تأسيسه.
وهذه المناسبة ليست مجرد ذكرى زمنية لمهرجان تأسس عام 1966، بل وقفةٌ أمام إرث ثقافي وفني صنعته أجيال من القراء والرسامين واللاعبين والمبدعين ومحبي العوالم الُمتَخيّلة، ولهذا اختارت إدارة المهرجان لهذه الدورة شعار Legacy، أي "الإرث"، ليكون عنواناً لبرنامجها الحافل بالعروض والضيوف، في إشارة إلى انتقال الخيال من جيل إلى آخر، لا كذكرى جامدة، بل كأداة تُسلَّم إلى المستقبل.
وتحوّل المهرجان على مدى 6 عقود، من تظاهرة إيطالية متخصصة إلى أحد أكبر المواعيد العالمية الجامعة بين الكوميكس، وألعاب الفيديو، وألعاب الطاولة، والتحريك، والفانتازيا، والموسيقى، والسينما.
ويؤكد المهرجان مرة أخرى هويته بوصفه مساحة للّقاء بين الثقافات والأجيال، تحت مظلة قيم المجتمع، الشمول، والاحترام، والاكتشاف. كما تأتي رعاية المفوضية الأوروبية لهذه الدورة انسجاماً مع فكرة "الاتحاد في التنوع"، التي تبدو قريبة من روح هذا الحدث القائم على تعدد الخيالات والهويات.
أحد أبرز رموز هذه الدورة هو الملصق الرسمي الذي أنجزه الفنان الإيطالي الكبير كلاوديو كاستيلّيني، المولود، هو أيضاً، عام 1966، في مصادفة تمنح حضوره بعداً رمزياً خاصاً.
الإرث كأداة للإبداع والتغيير
ويستعيد الملصق شخصيات وذاكرات من ملصقات تاريخية سابقة للمهرجان، جامعاً بينها في صورة واحدة ثريّة بالإحالات والرموز، وفي قلب العمل، تظهر يد بالغة تسلّم قلماً إلى يدٍ صغيرة، في إشارة واضحة إلى أن الإرث ليس شيئاً يُحفظ في المتاحف، بل أداةٌ للإبداع والتغيير.
وتجسّد هذا المعنى فعلياً خلال حفل تقديم برنامج المهرجان، حين سلّم كلاوديو كاستيلّيني قلمه إلى الطفلة الفرنسية الموهوبة لويز ستيفان، الفائزة بجائزة Petit Fauve في مهرجان أنجوليم Festival di Angoulême الذي تربطه بمهرجان لُوكّا أواصر تاريخيّة عريقة.
ويحضر كلاوديو كاستيلّيني أيضاً من خلال معرض خاص بعنوان Masterstrokes، يستعيد مسيرته من بداياته مع دار بونيللي في أعمال مثل "ديلان دوج" و"ناثان نيفر"، وصولاً إلى أعماله مع مارفل ودي سي في "سيلفر سيرفر"، "كونان"، "باتمان"، و"مارفل ضد دي سي".
ويركز المعرض على لغته البصرية القائمة على قوة التشريح، الظلال، والحركة، وهي عناصر جعلت منه أحد أبرز الأسماء في الكوميكس العالمي.
ثمانينيّة "لاكي لوك"
وضمن مشروعات الذكرى الستين، يطلق المهرجان لعبة پيكسيل جديدة بعنوان Luke & Clea – A Quest for Legacy، تستعيد جماليات ألعاب الآركيد في الثمانينيات، وتقود اللاعبين في رحلة داخل عوالم مدينة لُوكّا المتخيلة، عبر خصومٍ وإشارات خفية ومواقف تستلهم تاريخ المهرجان.
ويُنتظر أن تصدر اللعبة في 24 سبتمبر المقبل، وهو التاريخ نفسه لانطلاق أول دورة عام 1966، على أن يُصبحَ فاعلاً بشكل نهائي يوم افتتاح المهرجان.
ومن المنتظر أن يخصص قصر جينيجي طابقاً كاملاً لمعرض كبير عن إرث لُوكّا، ولن يكون مجرّدَ مساحة أرشيفية تقليدية، بل منصة قابلة للتطوير، يستطيع الزوار المساهمة في تغييرها وترك أثرهم فيها، بما ينسجم مع مفهوم "الإرث الحي" الذي يتبدل بفعل المشاركين.
ومن المحطات البارزة أيضاً الاحتفاء بمرور 80 عاماً على شخصية لاكي لوك، راعي البقر المعروف ببراعته في إطلاق النار أسرع من ظله، والذي ابتكره موريس دو بيڤيريِه عام 1946.
ويقدم المعرض صفحات أصلية وأغلفة تاريخية من أرشيف الفنان، مستعيداً عالماً كاملاً من الغرب الأميركي الساخر، بشخصياته الشهيرة مثل جولي جامبر، ورانتانبلان، والأخوة دالتون، وجيسي جيمس وBilly the Kid، كما تشارك دار سيرجيو بونيللي بإصدار إيطالي خاص جديد عن لاكي لوك، برسوم جورجيو كافازانو وسيناريو ماركو نوتشي.
مشاركة نجوم الكوميكس العالمي
أما في مجال الكوميكس العالمي، فسيحضر الدورةَ عددٌ لافت من فناني اليابان، وكوريا، وتايوان، وأميركا، وكندا، وإسبانيا، وإيطاليا، وبريطانيا، ومن بين الضيوف الكبار جو ناجاي، مبتكر "جريندايزر"، وتورو فوجيساوا مؤلف "G.T.O"، وفرانك ميلر أحد أساطير الكوميكس الأميركي، إلى جانب جوناثان هيكمان، بيتش موموكو، باكو روكا، سيث، بوم، وتيلي والدن.
وتحضر والدن أيضاً عبر معرض Time Capsule الذي يتتبع تطورها الأسلوبي، خاصة في توظيف اللون وبناء الشخصيات النفسية والحميمية.
في قطاع ألعاب الفيديو، يحتفي المهرجان بإرث Final Fantasy VII عبر استضافة يوشينوري كيتاسي، منتج سلسلة الريميك ومخرج اللعبة الأصلية، كما يحضر هيديكي كاميا، أحد أبرز مصممي الألعاب، المرتبط بأعمال مثل "Devil May Cry" و"Ōkami" و"Bayonetta"، إلى جانب ستيفن بليس، صاحب الهوية البصرية الشهيرة لأغلفة "Grand Theft Auto"، ودانيال دوتشّو ونواه فالستين من ذاكرة LucasArts.
ولا تغيب الموسيقى عن المهرجان؛ إذ تتحول المدينة إلى مسرح مفتوح للحفلات، مع حضور استثنائي للمؤلفة اليابانية يوكو كانّو، المعروفة بموسيقى "Cowboy Bebop"، في أول ظهور لها في إيطاليا. كما يشارك فريق Finley وفرقة I Cavalieri del Re في برنامج يحتفي بذاكرة أغاني التحريك الياباني، وثقافة الأجيال.
بهذا البرنامج الواسع، تبدو الدورة الستون من "لوكّا كوميكس آند جيمز" أكثر من احتفال بماضٍ مجيد، إنها إعلان عن استمرار الخيال بوصفه لغة مشتركة بين الفنون والجمهور، وبين من رسموا الحلم أول مرة، ومن سيتسلمون القلم لرسم ما يأتي بعده.










