Open toolbar
تداعيات الزلزال الأفغاني (5).. الهند: نكسة تهدد بخسائر كبيرة
العودة العودة

تداعيات الزلزال الأفغاني (5).. الهند: نكسة تهدد بخسائر كبيرة

العلمان الهندي والأفغاني - "الشرق"

شارك القصة
Resize text
دبي -

بينما كانت القوات الأميركية توشك على الانسحاب من أفغانستان، بدأت الهند تشعر بالقلق على مصالحها الأمنية والاقتصادية، غير أن ذلك القلق سرعان ما تحول إلى كابوس مع السقوط المفاجئ لحكومة كابول وسيطرة حركة طالبان على البلاد، حيث وجدت الهند نفسها، في ظل غياب أبرز حلفائها، أمام واقع جديد قد يجعلها أكبر الخاسرين في المنافسة مع خصميها التقليديين، الصين وباكستان.

ما إن استولت طالبان على العاصمة كابول، حتى سارعت نيودلهي إلى الدعوة لعقد جلسة طارئة في مجلس الأمن لمناقشة تداعيات الوضع الطارئ في أفغانستان، في حين اتهم مندوب باكستان لدى الأمم المتحدة، منير أكرم، الهند بمنعه وممثلي دول أخرى من المشاركة في الجلسة الطارئة.

منحَت الحرب الأميركية على أفغانستان عام 2001، أفضليةً للهند، للانخراط في مشروعات اقتصادية مع حكومة كابول تحت المظلة الأمنية لواشنطن، وعلى مدى العقدين الماضيين، استثمرت الهند في أفغانستان أكثر من 3 مليارات دولار في مشروعات إعادة الإعمار، وفي العام 2020، أعلنت تنفيذ نحو 150 مشروعاً إضافياً بقيمة 80 مليون دولار.

قبل 6 سنوات، وكبادرة صداقة، أهدت الهند مبنى البرلمان إلى جمهورية أفغانستان، بتكلفة بناء بلغت 90 مليون دولار. الآن، بعد انهيار حكومة الرئيس أشرف غني، اقتحم متمردو طالبان مبنى البرلمان في كابول ورفعوا راياتهم على أركانه.

تلك المكاسب التي حصلت عليها نيودلهي في ظل التوازنات السياسية السابقة، أصبحت اليوم مهددة بشكل كبير، حسبما يؤكد لـ"الشرق"، الأستاذ في جامعة الله أباد، محمود عبد الرب، في حين وصف المحلل مواطنه السياسي الهندي سانجي كابور، ما حدث في أفغانستان، بأنه "نكسة كبيرة للهند"، ولهذا تحاول الحكومة اليوم تقييم الآثار المترتبة على هذا التغيير المباغت.

التنافس مع الصين وباكستان

شكّل مشروع "الحزام والطريق" الذي بدأ العمل عليه عام 2013، أساس المخاوف الهندية بشأن النفوذ الصيني في الإقليم، فمن ناحية لا تملك الهند القدرة على الاستثمار بنفس حجم استثمارات العملاق الآسيوي، ومن ناحية ثانية ليس لديها أوراق قوة للعبها في المنطقة، بما في ذلك داخل أفغانستان، مقارنة بمنافِسها.

رغم تحول الهند إلى جزء أساسي من الاستراتيجية الأميركية لمواجهة الصين، والتفوق الكبير في حجم استثماراتها في أفغانستان مقارنة بالاستثمارات الصينية، إلا أن النفوذ الهندي انحسر بشكل لافت خلال السنوات القليلة الماضية، علاوة على أنها بقيت الدولة الوحيدة في المنطقة التي لا تملك علاقات وثيقة بحركة طالبان بسبب علاقات الأخيرة بباكستان.

أوضح كابور في حديث لـ"الشرق"، أن "الهند ممنوعة من التجارة مع أفغانستان بسبب إغلاق باكستان المرور عبر أراضيها، ورغم أن الحكومة الأفغانية السابقة طالبت إسلام أباد بفسح المجال عبر أراضيها، لكن باكستان ليست حريصة على التراجع عن إرث التقسيم (في إشارة إلى انفصال باكستان عن الهند قبل 74 عاماً".

وأضاف "في عام 2016، وقّعت نيودلهي اتفاقية مع طهران بشأن ميناء تشابهار الإيراني. كان المخطط تجاوز باكستان وإرسال البضائع مباشرة إلى أفغانستان وآسيا الوسطى، لكن مع تصاعد هجمات طالبان وكذلك استمرار العقوبات ضد إيران -على الرغم من استثناء تشابهار- بدا أن المشروع الهندي سيتضرر ومن الممكن أن ينهار، وهو ما سعت إليه باكستان بشدة".

الأمر الذي زاد من العقبات أمام تلك الاتفاقية، وفقاً للمحلل السياسي الهندي، أن الصين دعمت ميناء جوادر الباكستاني، ما جعل " تشابهار" غير قابل للاستمرار، واعتبر كابور أن "من الصعب حماية الاستثمارات الهندية في أفغانستان إذا لم تتحسن علاقة الهند مع الحكام الجدد في كابول".

من بين المشروعات الكبيرة التي نفذتها الهند أيضاً في المنطقة، مشروع لبناء خط أنابيب (TAPI) في أفغانستان لتوريد الغاز من تركمانستان. كذلك شاركت الهند في بناء طريق سريع وخط سكة حديد يربط ميناء تشابهار الإيراني بالحدود الإيرانية الأفغانية لتصدير البضائع الهندية. كما بلغ حجم التجارة الهندية الأفغانية بين عامي 2019 و2020، حوالي 1.5 مليار دولار، حيث صدّرت الهند أدوية ومعدات طبية وأجهزة كمبيوتر وأسمنت وسكر إلى أفغانستان.

علاقة متوترة مع طالبان

ثمة عوامل أخرى قد تُعقد الأمور أكثر أمام الهند في ضوء التطورات الأخيرة، أبرزها، بحسب الخبراء الذين تحدثوا لـ"الشرق"، صعوبة بناء صلات مع طالبان، المسيطرة اليوم على المشهد السياسي الأفغاني، لاسيما بوجود علاقات قوية تجمعها مع باكستان، خصم الهند التاريخي، الذي يتمتع بنفوذ كبير على الحركة.

المحلل السياسي سانجي كابور، قال، إن "الهند ليست متأكدة من كيفية سير الأمور، لكنها تدرك جيداً أن أفغانستان وباكستان بدعم من الصين وروسيا يمكن أن تجعلا الجوار يبدو أكثر عدائية. كما تخشى نيودلهي من أن تبدأ عمليات الإرهاب في إقليم كشمير المتنازع عليه مع إسلام أباد.

ووفقاً لكابور، كثيراً ما استخدمت باكستان، الجماعات التي تعمل بالوكالة لصالحها، بما في ذلك شبكة جلال الدين حقاني، وهي فصيل من طالبان مقره بشكل أساسي شمال باكستان، لمهاجمة أهداف هندية في أفغانستان.

ثمة وثائق رفع أرشيف الأمن القومي الأميركي السرية عنها عام 2007، تُشير إلى أن طالبان تلقت دعماً كبيراً من باكستان، يشمل التمويل والتسليح والتدريب.

الأكاديمي محمود عبد الرب، أشار إلى أن "الهند تخشى أيضاً قيام طالبان بمد يد العون لبعض الجماعات الإرهابية مثل (عسكر طيبة) و(جيش محمد) لشن هجمات في الهند أو تجنيد بعض العناصر للتوغل إلى إقليم كشمير".

وبدل اتباع استراتيجية تقوم على التقارب مع كافة أطراف الصراع في أفغانستان، على غرار ما فعلت الصين، بدت نيودلهي أكثر اهتماماً بدعم الحكومة الأفغانية المدعومة من الولايات المتحدة، وهو ما اتضح سابقاً في التزامها بتقديم دعم عسكري أكبر لكابول. في السنوات الأخيرة بدأت الهند التعاون مع أفغانستان في مجال الأمن، حيث قدمت مروحيات وأجهزة رادار.

إنقاذ الأقلية الهندية

تُعد قضية الأقليات السيخية والهندوسية في أفغانستان من القضايا المقلقة للهند، فما إن سيطرت طالبان على العاصمة كابول، حتى أعلنت نيودلهي أنها ستساعد أفراد الطائفتين الذين يُقدر عددهم في أفغانستان بحوالي ألف نسمة على المغادرة.

وخلال الجلسة الطارئة التي دعت إليها الهند في مجلس الأمن الدولي، قال وزير الخارجية الهندي سوبرامنيام جاي شانكار إن بلاده تراقب الوضع في أفغانستان بعناية، لكن أولويتها هي العودة الآمنة للمواطنين الهنود من الدولة التي مزقتها الحرب، لافتاً في تصريحات صحافية، أعقبت الجلسة، أن "نهج الهند تجاه أفغانستان سوف يسترشد بعلاقتها مع الشعب الأفغاني".

وكان شانكار، قد أجرى مشاورات بشأن القضية ذاتها مع نظرائه في العديد من البلدان الكبرى وخاصة الولايات المتحدة. يقول كابور إن "الهند باتت تعتمد على واشنطن فيما يخص إجلاء الهنود الذين تقطعت بهم السبل في أفغانستان".

وأشار الأكاديمي محمود عبد الرب إلى أن الهند تنظر بحساسية كبيرة تجاه أي قضايا دينية في المنطقة، وذلك لأسباب تاريخية تعود إلى العام 1947، عندما انقسمت شبه القارة الهندية على خلفية نزاعات بين الهندوس والمسلمين، أسفرت عن تأسيس دولة باكستان على يد محمد علي جناح، أول رئيس حكومة للدولة الوليدة. ومنذ ذلك الوقت حتى الآن لم تنته الخلافات بين البلدين.

وتابع "بسبب تلك الدوافع الدينية، أصبحت الهند تنظر إلى باكستان كدولة معادية، واليوم تسعى الحكومة (اليمينية) في الهند، إلى إثارة قضايا الهندوس في دول الجوار، وخاصة في ظل ما يجري في أفغانستان، بحيث تستثمر هذه الورقة في التنافس السياسي وتضمن بقاءً أطول في السلطة".

تجدر الإشارة إلى أن قانون "تعديل المواطنة" الهندي يسمح لطالبي اللجوء من الهندوس والسيخ بالحصول على الجنسية في وقت سريع، في حين يستثني المسلمين.

"الخاسر الأكبر"

في ضوء الموازين الجديدة التي فرضتها سيطرة طالبان على أفغانستان، تبدو الكفة راجحة لإسلام أباد وبكين، فيما تبدو الهند الخاسر الأكبر في هذه المنافسة الاستراتيجية. يؤيد هذا الاعتقاد، ما نشرته تقارير عن قيام الحركة بتفتيش القنصليات الهندية المغلقة في قندهار وهرات، في مؤشر على عدم ارتياحها تجاه موقف نيودلهي نحوها.

المتحدث باسم طالبان، محمد سهيل شاهين، كان قد أعلن أنه بإمكان الهند مواصلة مشروعات البنية التحتية في أفغانستان. وقال "طالبان لا تمانع استمرار الهند في مشروعات البنية التحتية وإعادة الإعمار في أفغانستان، لأنها من أجل الشعب". وأضاف "لكننا لن نسمح لأي دولة بالتدخل في شؤون أفغانستان أو استخدام أراضينا لأغراض عسكرية".

ورغم ما يبدو عليه موقف طالبان من ترحيب بالاستثمارات الهندية في أفغانستان، لكن عبد الرب، لا يراه مؤشراً على رغبة الحركة بالتقارب مع نيودلهي، معتبراً أنه على الهند "البدء بسياسة جديدة في أفغانستان الجديدة حتى لا تخرج خاسرة في ظل ما يحدث".

وختم حديثه لـ"الشرق"، قائلاً "الهند أصبحت تسير على حبل مشدود، لأنها ظلت معادية لطالبان".

وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" في تقرير نُشر حديثاً، أن الدبلوماسيين الهنود بذلوا خلال الفترات الماضية جهوداً للتعامل مع طالبان كجزء من المحادثات التي تقودها الولايات المتحدة في العاصمة القطرية الدوحة.

وذكرت وسائل إعلام محلية، أن نيودلهي تواصلت في يونيو الماضي مع ممثلي طالبان في الدوحة، لكن لم يعترف أي طرف بهذه الاتصالات.

ونقلت "نيويورك تايمز" عن السفير الهندي السابق في أفغانستان فيفيك كاتجو، أن بلاده أصبحت متفرجاً في أفغانستان، وأن القادة لم يعودوا يعرفون الاتجاه الذي يجب أن يسلكونه بعد الآن، داعياً الحكومة إلى "التعامل مع طالبان بشكل مباشر وأكثر انفتاحاً".

إقرأ أيضاً:

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.