Open toolbar

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يترأس اجتماعاً بالفيديو من موسكو مع أعضاء مجلس الأمن- 3 مارس 2022 - REUTERS

شارك القصة
Resize text
دبي-

منذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا، ازدادت الضغوط الغربية على موسكو متمثلة في عقوبات اقتصادية ومالية، وحملة مقاطعة واسعة من شركات عالمية.

ومع كل إجراء تتخذه الدول الغربية أو الشركات، يخرج المسؤولون الروس بتصريحات يتوعدون فيها بالرد على هذه العقوبات، فما أبرز الأوراق الروسية التي يمكن لموسكو أن تلعبها؟

التأهب النووي

على الرغم من أن اتساع دائرة الحرب إلى ما يتجاوز الحدود الأوكرانية أو انتقالها إلى المستوى النووي، أمر مستبعد حتى الآن، فإن إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 27 فبراير وضع "قوة الردع النووي" في حالة التأهب القصوى، رداً على ما وصفه بـ"الخطوات غير الودية من الغرب"، ألقى الضوء على الأوراق التي يمتلكها الكرملين في هذا الصراع.

وأقرت موسكو بالفعل في 2 يونيو 2020 وثيقة وقعها بوتين بنفسه، تتضمن "المبادئ الأساسية" لسياسة الاتحاد الروسي الرسمية بشأن الردع النووي.

وحددت الوثيقة الروسية 4 حالات تبرر استخدام الأسلحة النووية، تتمثل في "إطلاق صواريخ بالستية ضد روسيا أو حليف لها، واستخدام الخصم للسلاح النووي، ومهاجمة موقع أسلحة نووية روسي، أو التعرّض لعدوان يهدد وجود الدولة".

وأفادت مجلة "فورين أفيرز" الأميركية في تقرير، بأنه بعد أيام فقط من الغزو الروسي لأوكرانيا، نشر رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف رسالة عبر وسائل التواصل الاجتماعي مفادها أن بلاده يمكن أن تمزق بعضاً من أهم اتفاقياتها مع الغرب، وأشار تحديداً إلى معاهدة "ستارت" الجديدة، الخاصة بخفض الأسلحة النووية الموقعة مع الولايات المتحدة منذ أكثر من عقد.

ووفقاً للمجلة، ستواجه روسيا والولايات المتحدة وقتاً أكثر صعوبة في التوصل إلى اتفاق حول استبدال معاهدة "ستارت" الجديدة، السارية حالياً، ومن المقرر أن تنتهي صلاحيتها في عام 2026.

وأوضحت أن بوتين عازم على ما يبدو على عزل بلاده عن العالم الخارجي، وإغراق البلاد أكثر في الانكفاء الذاتي. وإذا ظل في منصبه، فإن عودة روسيا إلى أي طاولة مفاوضات ستكون صعبة، فضلاً عن الحديث عن الأسلحة النووية.

محادثات فيينا

من بين أوراق الضغط التي تمتلكها موسكو أيضاً في الصراع الحالي، المحادثات التي تشهدها العاصمة النمساوية فيينا بشأن العودة للاتفاق النووي 2015 الموقع بين القوى الكبرى وإيران.

وأظهرت تصريحات مسؤولين من البلدين ما بدا أنه مؤشر على اختلاف وجهات النظر بشأن تأثير الحرب الروسية الأوكرانية في المحادثات النووية، إذ اعتبر وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أن العقوبات الأميركية على بلاده أصبحت "حجر عثرة" أمام العودة للاتفاق النووي الإيراني، في وقت وصف مسؤول إيراني هذه المقاربة بأنها "غير بنّاءة".

وقد تستخدم موسكو هذه الورقة للضغط على خصومها الغربيين في ظل احتدام التوتر على خلفية غزو أوكرانيا، ولا سيما أنها تلعب دوراً بارزاً في محادثات فيينا، وتعد طرفاً رئيسياً في أي اتفاق محتمل.

ونقلت وكالة "رويترز"، عن مسؤول إيراني كبير، قوله إن مطالبة روسيا بضمانات مكتوبة من الولايات المتحدة بأن العقوبات على موسكو لن تضر بتعاونها مع إيران، أمر "غير بنّاء" للمحادثات بين طهران والقوى العالمية التي تهدف لإحياء الاتفاق النووي لعام 2015.

وربما يتسبب هذا التطور في "نسف المحادثات غير المباشرة" بين إيران والولايات المتحدة، في وقت يقول مسؤولون غربيون وإيرانيون إنهم على وشك التوصل إلى اتفاق لاستعادة الاتفاق النووي.

مصادرة أموال الشركات

ما إن أعلنت العديد من الشركات العالمية تعليق أعمالها في روسيا أو مغادرة البلاد، رداً على غزو أوكرانيا، حتى سارعت موسكو إلى التهديد بأنها ستقوم بمصادرة أموال تلك الشركات، في ما يبدو أنه محاولة لثني تلك الشركات عن قرارها أو ربما لتعويض الخسائر المحتملة جراء انسحاب هذه الكتل المالية الكبيرة.

وقد توعدت واشنطن باتخاذ إجراءات عقابية رداً على الخطوة التي قد تتخذها موسكو.

كما هددت روسيا، برد فعل عنيف على أي مصادرة لأموال مواطنين روس أو شركات في الخارج. وقال الرئيس الروسي السابق الذي يشغل حالياً نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي، دميتري ميدفيديف، إن موسكو سترد بالمثل على أي مصادرة لأموال مواطنين روس أو شركات في الخارج، بمصادرة أموال أفراد وشركات أجنبية لديها.

وأكد ميدفيديف، أن موسكو لا تستبعد تأميم أصول الشركات المسجلة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وغيرها من البلدان التي وصفتها بـ"غير الصديقة"، معتبراً أن العقوبات الغربية تُظهر عجز الغرب عن تغيير مسار روسيا، على حد قوله.

قطع الطاقة عن أوروبا

ولعلّ أبرز الأسلحة غير العسكرية التي تمتلكها روسيا لمواجهة الضغوط الغربية التي تزداد كماً ونوعاً، تتمثل في صادراتها من النفط والغاز، وبشكل خاص نحو أوروبا. إذ هدد مسؤولون روس في أكثر من مناسبة بوقف هذه الإمدادات، رداً على حظر استيراد النفط الروسي الذي أقرته الولايات المتحدة، ولم تحذو حذوها أي دولة أوروبية.

وقال نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك في خطاب متلفز: "في ما يتعلق بالاتهامات التي لا أساس لها ضد روسيا.. وقرار ألمانيا وقف العمل بمشروع (نورد ستريم 2) قيد التنفيذ، لدينا كل الحق في اتخاذ قرار مماثل وفرض حظر على ضخ الغاز عبر خط أنابيب الغاز (نورد ستريم 1)، والذي يتم تحميله اليوم عند حده الأقصى 100%".

وتزود روسيا أوروبا بنحو 40% من الغاز، حيث تعتمد ألمانيا، أكبر اقتصاد في الكتلة، على روسيا للحصول على ما يقرب من 50% من غازها الطبيعي. قدرت مذكرة من مكتب الإحصاء الألماني، أن ألمانيا وحدها أنفقت 19 مليار يورو، على النفط والغاز الروسي في 2021.

ولطالما كان الغرب متردداً في فرض عقوبات كبيرة على قطاع الطاقة في روسيا، بسبب كيفية تأثيره في الاقتصاد العالمي، لكن بدأت العديد من الدول تعبر عن رغبتها بالتحرر من الإمدادات الروسية، وذلك عبر العمل على تنويع مصادر الطاقة لديها.

وتتمتع روسيا بالنفوذ لأن أسواق الطاقة ضيقة بالفعل، فجميع أنواع الوقود الأحفوري تعاني من نقص في المعروض، جراء ضعف الاستثمار في قطاع الطاقة خلال العامين الماضيين، وسط وباء كورونا وسياسات الحد من تغير المناخ.

الهجمات السيبرانية

بعيداً عن مشاهد القصف والدمار التي ترصدها عدسات الكاميرات في ظل تصاعد الهجمات العسكرية، هناك حرب من نوع آخر، تتمثل في الهجمات السيبرانية التي تتمتع فيها روسيا بنفوذ كبير وقدرات غير تقليدية.

ورغم أنه من غير الواضح ما إذا كان الكرملين هو من يقف وراء هجمات إلكترونية سابقة، كما تتهمه الولايات المتحدة الأميركية أو الدول الأوروبية، فإن الهجمات الانتقامية الروسية تبقى سلاحاً قوية في يد روسيا، ولا سيما أنه قبل يوم واحد فقط من إعلان غزو أوكرانيا، تعرضت مواقع حكومية مهمة في العاصمة كييف لهجمات سيبرانية أدت إلى تعطل خوادمها، بما في ذلك مقار الحكومة، والبرلمان، ووزارة الخارجية.

وسرعان ما وجهت أوكرانيا أصابع الاتهام نحو روسيا، محملة إياها مسؤولية الهجوم السيبراني.

وفي وقت سابق، ذكرت وكالة "رويترز" أن الحكومة الأوكرانية تبحث عن متطوعين قادرين على صد هجمات القراصنة الروس، والقيام بهجمات مضادة تستهدف البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات الروسية.

وقد أعلنت مجموعة قراصنة "Anonymous" الشهيرة أنها ستدعم أوكرانيا في الصراع مع روسيا، وفي يوم 26 فبراير أدت هجمات سيبرانية نفذها قراصنة تابعون لهذه المجموعة إلى إغلاق العديد من المواقع الحكومية في روسيا، من بينها موقع قناة "آر تي"، رداً على ما قالت إنه أداة دعائية تستخدمها روسيا.

ومع تطور الصراع قد تتصاعد الهجمات الإلكترونية الروسية، لتطال المواقع الإلكترونية الأوكرانية، وربما تشمل أهدافاً خاصة بحلفائها الغربيين.

وقال متحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية "البنتاجون" الأربعاء، إنه "ليس لدينا معرفة تامة لما تفعله روسيا في الفضاء الافتراضي.. نعتقد بأن ليس هناك آثار مدمرة في الفضاء السيبراني في أوكرانيا على الرغم مما رصدناه من هجمات إلكترونية".

التخلص من الدولار

في ظل اتساع دائرة الصراع لتشمل القوى الغربية ولاسيما الولايات المتحدة، تبدو السندات التي تملكها روسيا لدى الخزانة الأميركية من أوراق القوة التي قد تستخدمها أيضاً للرد على العقوبات التي تطالها.

كما احتفظت روسيا باحتياطيات دولية بقيمة 643 مليار دولار أميركي، وهي رابع أكبر احتياطيات في العالم بعد الصين واليابان وسويسرا.

وذكرت وكالة "بلومبرغ" أن نحو 300 مليار دولار من ذلك المبلغ تم احتجازه في الخارج. ويقدر أن نحو النصف محتجز بالدولار الأميركي.

وقلصت موسكو خلال أكتوبر من العام الماضي، استثماراتها في أذون وسندات الخزانة الأميركية، وبحسب بيانات نشرتها وزارة الخزانة الأميركية باعت روسيا سندات بواقع 198 مليون دولار إلى 3.72 مليار دولار، حيث معظم السندات التي تمتلكها روسيا هي سندات قصيرة الأجل.

ولا تصنف روسيا ضمن قائمة أكبر مالكي أذون وسندات الخزانة الأميركية، إذ بدأت منذ عام 2018 بتقليص استثماراتها في هذه السندات، حينها بلغت حيازتها 96 مليار دولار.

كما بدأت روسيا منذ عدة سنوات في التخلص من سيطرة الدولار الأميركي على اقتصادها وأسواقها المالية، حيث خفّضت احتياطياتها من الدولار إلى 16% فقط من مخزون البنك المركزي عام 2021، أي أقل بأكثر من 40% قبل 4 سنوات فقط.

ويعني هذا خفضاً كبيراً لما تمتلكه من سندات الخزانة الأميركية، إذ جرى تقليص الملكية بنسبة 98% تقريباً مقارنة بالذروة في عام 2010، وإزالة الأصول الدولارية من صندوق الثروة السيادي.

استخدام ورقة القمح

تعد روسيا أكبر مصدر لصادرات القمح على مستوى العالم، في حين تحتل أوكرانيا المرتبة الـ5 بعد أستراليا مباشرة، فإذا ما استطاعت روسيا السيطرة على أوكرانيا، فسوف تتحكم بما يصل إلى 30% من صادرات القمح العالمية.

وعلى غرار العديد من السلع، كان القمح يعاني من نقص بالفعل مع ارتفاع الأسعار بسرعة قبل غزو أوكرانيا، وليس من الواضح ما إذا كانت الدول الغربية ستعفي مبيعات القمح من عقوباتها، كما فعلت مع النفط والغاز.

وحذرت مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، في تقرير سابق، من أن نشوب حرب بين روسيا وأوكرانيا يمكن أن يكون له تأثير سلبي كبير في الأمن الغذائي في 14 دولة بآسيا وإفريقيا تعتمد على القمح الأوكراني.

وأوضحت المجلة أن كييف لديها بعض الأراضي الأكثر خصوبة في العالم، كما أنها ظلت على مدى عدة قرون تُصنف بأنها سلة غذاء أوروبا، مشيرةً إلى أن صادراتها الزراعية سريعة النمو، مثل الحبوب والزيوت النباتية ومجموعة من المنتجات الأخرى، تعد ضرورية لإطعام سكان عدة دول بإفريقيا وآسيا.

وأضافت المجلة أن جزءاً كبيراً من الأراضي الزراعية الأكثر إنتاجية في أوكرانيا يقع في مناطقها الشرقية، وهي تلك الأجزاء الأكثر عرضة للوقوع في قبضة روسيا، وبينما تشمل قائمة موردي القمح من أوكرانيا الصين والاتحاد الأوروبي، فإن العالم النامي هو المكان الذي أصبح فيه القمح الأوكراني من أهم الواردات.

ورغم أن أي قرار تتخذه موسكو في وقف صادرات القمح أو الطاقة ستكون له تداعيات خطيرة عليها أولاً، على اعتبار أن اقتصادها يعتمد بشكل رئيسي على الثروات الطبيعية، إلا أن هذه السلع التي تعد أساسية للعديد من الدول، بما فيها خصوم روسيا، ستكون أسلحة في يد الكرملين قد يستخدمها إذا ما اضطر إلى ذلك.

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.