Open toolbar

عربات عسكرية روسية تمر عبر المدخل الرئيسي لمحطة زابوروجيا للطاقة النووية في جنوب شرقي أوكرانيا - 1 مايو 2022 - AFP

شارك القصة
Resize text
دبي -

حول الجيش الروسي محطة زابوروجيا للطاقة النووية في جنوب شرقي أوكرانيا إلى قاعدة عسكرية، إذ نشر فيها منصات لإطلاق الصواريخ وزرع ألغاماً في محيطها، فيما احتجز العمال كرهائن، بحسب ما أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية.

وكانت زابوروجيا، وهي أكبر محطة نووية في أوروبا، وقعت تحت سيطرة القوات الروسية منذ مارس الماضي. وفُقد الاتصال بين المحطة والوكالة الدولية للطاقة الذرية في 30 مايو، حين قطع الروس إرسال شركة الاتصالات الأوكرانية فودافون في إنرجودار، قبل أن يعود الاتصال في يونيو المنصرم.

ونقلت "وول ستريت جورنال" عن عمال، ومقيميين في المدينة، ومسؤولين أوكرانيين، ودبلوماسيين، القول إنه في الأسابيع الأخيرة، قام أكثر من 500 جندي روسي  بنشر "بطاريات مدفعية ثقيلة، وزرع ألغام مضادة للأفراد، على طول شواطئ الخزان الذي تبرد مياهه المفاعلات الـ6" في المحطة. 

ويسيطر الجيش الأوكراني حالياً على البلدات المنتشرة على الشاطئ المقابل، على بعد نحو 3 أميال، لكنه لا يرى طريقة سهلة لمهاجمة المحطة بسبب الخطر الكامن في معارك المدفعية حول المفاعلات النووية النشطة.

روسيا تُحصن المحطة

وأشارت الصحيفة إلى أن هذا التدفق الجديد للأسلحة يحمي المحطة بقوة من "أي هجوم مضاد قد تشنه القوات الأوكرانية"، وأن هذا الاحتلال "يرقى إلى شيء لم تشهده صناعة الطاقة النووية المنظمة بعناية من قبل"، وهو "تحويل محطة طاقة نووية إلى ثكنة عسكرية بإيقاع متباطئ".  

ففي جانب أقل خضوعاً للتمحيص في استراتيجيته العسكرية، يقوم الجيش الروسي، يوماً بعد يوم، بنشر أسلحته حول المحطة النووية، التي تأتي ضمن أكبر المحطات النووية في العالم، مستخدما ذلك في تعزيز سيطرته على خط المواجهة حيث يقف تقدمه عبر الأراضي الأوكرانية الجنوبية.  

والشهر الماضي، نشرت القوات الروسية عربة مدفعية من طراز "سميرش" في ظل مداخن المجمع التي تبلغ طاقتها 5.7 جيجاوات "لتضاف إلى قاذفات الصواريخ والدبابات وناقلات الأفراد".

والآن، تُمتلئ الأرض المحيطة بالمحطة النووية بالخنادق وكلاب الحراسة العسكرية المتمركزة خارج مأوى مؤقت. كما أنشأ كبار التقنيين في "روساتوم"، وهي شركة الطاقة الذرية الروسية المملوكة للدولة، قاعدة في مخبأ محصن تحت المحطة، وفقاً للصحيفة.  

وقال مسؤول أوروبي يعمل في مدينة زابوروجيا المجاورة التي لا تزال تحت السيطرة الأوكرانية، لـ "وول ستريت جورنال": "إنهم يحتفظون (بهذه المحطة) كقاعدة لمدفعيتهم"، معللاً ذلك بأنهم "يدركون أن أوكرانيا لن ترد على هجماتهم" في هذا الموقع الحساس.  

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين دفاعيين أوكرانيين قولهم، إنه حتى لو تمكنت قواتهم من بذل مجهود عسكري تقليدي لاستعادة المحطة، فإنهم يركزون حالياً على شن هجوم مضاد على مدينتي خاركوف وخيرسون في الشمال الشرقي والجنوب.  

أوكرانيا تحاصر المحطة

وقال وزير الدفاع الأوكراني السابق أندري زاجورودنيوك: "يبدو أن هذا أحد التكتيكات الروسية.. أن تستولي على البنية التحتية الحيوية، وتستخدمها كدرع".  

وأضاف: "لن نقتحم المحطة.. الطريقة الوحيدة لعمل ذلك هو محاصرتها، والسيطرة على المناطق المحيطة، ومطالبتهم بالمغادرة"، وفقاً لما أوردته "وول ستريت جورنال".  

ويخشى العاملون في زابوروجيا وأسرهم من أن تؤدي العسكرة المتنامية للمحطة إلى حادث آخر على مسافة 300 ميل فقط من تشيرنوبل، الذي كان مسرحاً لأسوأ الكوارث النووية التي شهدها العالم.  

في هذا السياق قالت زوجة أحد العاملين في المحطة للصحيفة: "إنهم لا يفهمون ما قد يحدث بسبب ما يفعلونه هناك".

والأسبوع الماضي، ظل المنظم النووي التابع للأمم المتحدة في الظلام لمدة 3 أيام بسبب الأوضاع داخل زابوروجيا، بعد انقطاع اتصال البيانات بالمحطة قبل استعادته.  

وكانت هذه هي المرة الثانية منذ اندلاع الغزو الروسي التي فقد فيها المقر الرئيسي للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا تغذيته من الكاميرات والأجهزة التي تنقل عادة اللقطات الأمنية وقراءات السلامة من المجمع الواسع.  

وتحدثت "وول ستريت جورنال" إلى العاملين في محطة زابوروجيا، ومديريهم، والمسؤولين المحليين، والدبلوماسيين في أعقاب الأزمة، واستعرضت الرسائل بين العمال وأقاربهم، وعكفت على مراجعة الخرائط التي تظهر التعزيزات العسكرية الروسية.  

وأشارت الصحيفة إلى أن وزير الدفاع الروسي "لم يستجب" لطلب الصحيفة للتعليق.  

استراتيجية "الابتزاز الممنهج"

وقال ممثل لشركة "روساتوم"، إن منسوبي الشركة في الموقع لم يشاركوا في إدارة المحطة أو تأمينها، ولكنهم أرسلوا لتقديم "المساعدات الخاصة بالنواحي التقنية والاستشارات والاتصالات وغيرها للقائمين بالتشغيل إذا لزم الأمر".  

والأربعاء، قالت شركة الطاقة الأوكرانية الحكومية "إنيرجو آتوم"، التي لا تزال تدير المحطة، إن "القوات الروسية هددت بتجفيف برك التبريد للعثور على أي أسلحة تشتبه في أن مقاتلي المقاومة الأوكرانية قاموا بتخبئتها تحت الماء".  

وحذرت الشركة الأوكرانية من أن هذا يمكن أن يشكل "تحدياً خطيراً" للمحطة التي تعتمد على التدفق المستمر للمياه المفلترة لتبريد مفاعلاتها وقضبان الوقود المستهلكة.

ومع استمرار الاحتلال، تحول بعض الجنود الروس المتمركزين في زابوروجيا إلى استراتيجية تقوم على "الابتزاز الممنهج"، والذي يتمثل في "خطف بعض العاملين، البالغ عددهم 11 ألف عامل، للحصول على فدية"، وفقا لما قاله العاملون بالمحطة لـ "وول ستريت جورنال".

وأضافوا أن هناك "أكثر من 40 شخصاً محتجزين حالياً"، وتستخدم أسرهم تطبيق المراسلة على وسائل التواصل الاجتماعي Viber لنشر صورهم وجمع مبالغ الفدية.  

كما يشكو زملاؤهم في المحطة من أنهم يضطرون إلى العمل لساعات إضافية لتغطية نوبات ضحايا الاختطاف.

وأرسل أحد أقارب المخطوفين إلى مجموعة على تطبيق Viber رسالة قال فيها: "فضلاً، أرجو المساعدة"، وأرفق صوراً لوجهه وساقه اليمنى اللذين تنتشر فيهما الكدمات، وعينه اليمنى التي يحتبس فيها الدم.    

وأضاف أن الروس لن يطلقوا سراحه إلا إذا جمع "50 ألف هريفنا"، أي ما يعادل 1681 دولاراً، في غضون 3 أيام.

وقال أحد العاملين في المحطة، الذي فر مؤخراً من هذه المنطقة إلى جزء غير محتل من أوكرانيا، لـ "وول ستريت جورنال" إن "مثل هذه الحالات ليست استثنائية بأي حال من الأحوال"، حيث يقبع صديقه، الذي يلقي محاضرات في بروتوكول السلامة ويقدم استشارات نفسية للعاملين في المحطة، رهن الاحتجاز مقابل الفدية. وأضاف: "لا أحد يريد أن يكون التالي".

مفاوضات مع روسيا

واجتاحت القوات الروسية محطة "زابوروجيا" بالمدافع ووابل من القنابل الصاروخية في الساعات الأولى من 4 مارس، بعد 8 أيام من الغزو. وأشعل الهجوم النار في مركز تدريب على بعد بضعة مئات من الأمتار من المفاعلات الـ6 الذين لا يزال 2 منهما فقط يعملان.

وقال خبراء السلامة النووية، إنه دون زيارة خبراء مستقلين للموقع "سيكون من الصعب تقييم المخاطر المختلفة التي تشكلها الألغام الأرضية والمدفعية والجنود الروس غير المنضبطين على المفاعلين النشطين بالمحطة".  

وأشاروا إلى أن اجتياح محطة طاقة نووية نشطة "أمر غير مسبوق"، ويفرض العديد من "الأسئلة المعقدة والمتشابكة"، من قبيل "هل يمكن للألغام الي تحيط بالخزان أن تدمر الفلاتر التي تنقي المياه التي يتم ضخها في المفاعلات؟".  

وروسيا واحدة من 32 دولة عضو في الأمم المتحدة، بما في ذلك الولايات المتحدة، التي لم توقع على معاهدة حظر استخدام الألغام المضادة للأفراد في الحروب لعام 1997.  

وتعد هذه الألغام خادعة بشكل خاص لأنها غالباً ما تصبح أكثر تقلباً إذا مر على زرعها عقود، وتتصلب المواد المتفجرة مع تآكل مكوناتها.  

وقالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي حاولت بغير طائل على مدى أشهر التفاوض من أجل التوصل إلى اتفاق، وإنشاء ممر آمن لإجراء تفتيش في الموقع، إن كل ما تسميه الركائز الـ7 للسلامة النووي "تم انتهاكه" في زابوروجيا.  

وتتضمن هذه الركائز، من بين أشياء أخرى، السلامة المادية للمبنى، والمراقبة المنتظمة للإشعاع خارج الموقع، والتدفق المطرد لقطع الغيار والوقود والمؤن.  

وقال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافاييل جروسي، إنه يريد أيضاً التحقق من "عدم فقد أي كميات من اليورانيوم المخصب أو البلوتونيوم المخصب من إمدادات المحطة" لأن هذه المواد "يمكن تخصيبها إلى مستوى أعلى بكثير، برغم صعوبة ذلك".  

وأضاف: "هذا ما يبقينا مستيقظين طوال الليل في الوقت الحالي"، حسبما قال لبعض الحضور في سويسرا في مايو.  

ويواجه العاملون في المحطة "الخطر الأولي والأساسي"، إذ تقوم بروتوكولات السلامة النووية الأوكرانية على "مراقبة أعداد هائلة من العاملين لمكونات تخضع في المحطات النووية الغربية لرقابة عدد أقل من الأشخاص".  

وأضاف الخبراء النوويون الذين تحدثت إليهم "وول ستريت جورنال"، أن "القهر الذي يمارسه الاحتلال يشكل خطراً داهماً"، إذ قد يؤدي بالعمال إلى "ارتكاب أخطاء ناجمة عن الإجهاد"، أو "مغادرة مواقعهم داخل المحطة، ببساطة، للبحث عن ملاذ في المناطق التي لا تزال تحت السيطرة الأوكرانية على الجانب الآخر من النهر".  

وأشارت الصحيفة إلى أن "هناك، في عاصمة زابوروجيا، تستمر أوجه كثير من الحياة على نحو طبيعي بدرجة أو أخرى"، حيث "يستقل السكان ترام المدينة للذهاب إلى أعمالهم، ويتناولون وجبة الغداء في المنتزهات العامة الصاخبة، ويحضرون قداس الأحد، فيما يظهر في الخلفية صوت صافرات الإنذار ودوي الانفجارات البعيدة".  

مقاومة من الداخل

وداخل المحطة "في هذه الأثناء، يتعهد الفنيون وعمال الإصلاح بمقاومة الاجتياح".

ونقلت "وول ستريت جورنال" عن عمال وإداريون في محطة زابوروجيا النووية قولهم إنه تم احتجاز "الجواسيس الأوكرانيين المشتبه بهم" لأيام، وفي كثير من الأحيان لأسابيع، حيث "يتعرضون للضرب المبرح والتعذيب والتجويع".  

وأضافوا أنه في مايو الماضي، أطلق الروس النار على سيرجي شفيتس، فني الإصلاح الذي يبلغ من العمر 53 عاما، لاتهامه بتمرير معلومات إلى قوات الدفاع الأوكرانية لتقويض الاحتلال.

وقال مارك زيلزنياك، الأستاذ في معهد فوكوشيما للنشاط الإشعاعي في اليابان لـ "وول ستريت جورنال"، إنه "من غير المحتمل أن يكون هناك سلامة إشعاعية جيدة في محطة طاقة نووية يعيش منسوبوها في مدينة محتلة، ويتعرض السكان للترويع".  

وقال عدد من العمال والسكان إن عمليات الاختطاف، التي كانت تركز في السابق على عمال يشتبه في انضمامهم إلى وحدات الدفاع الذاتي الأوكرانية، أو دعمهم لها، قد "اتسعت في الأسابيع القليلة الماضية"، حيث تقوم القوات الروسية على نحو متزايد "باحتجاز العمال المدنيين، وطلب فدية مقابل إطلاق سراحهم"، بغض النظر عن ولائهم، كما "تتوسع في احتجاز النساء بالإضافة إلى الرجال"، وفقا لما أوردته "وول ستريت جورنال".

وقال ديميتري أورلوف، رئيس بلدية مدينة إنيرهودار المجاورة، التي فر منها عقب استيلاء الجنود الروس عليها، إن "المحتلين لديهم نشاط كبير آخر، وهو الخطف من أجل المال"، مضيفاً أنه "كل يوم نتلقى تقريرين أو ثلاثة عن عمليات خطف جديدة... الأوكرانيون صاروا يُتخطفون بشكل جماعي".

اقرأ أيضاً:

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.