العلاقات الروسية الأوروبية تشهد أسوأ تدهور منذ الحرب الباردة | الشرق للأخبار

العلاقات الروسية الأوروبية تشهد أسوأ تدهور منذ الحرب الباردة

time reading iconدقائق القراءة - 10
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشارة والألمانية أنغيلا ميركل، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، خلال مؤتمر صحافي مشترك في باريس- 9 ديسمبر 2019   - REUTERS
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشارة والألمانية أنغيلا ميركل، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، خلال مؤتمر صحافي مشترك في باريس- 9 ديسمبر 2019 - REUTERS

على وقع طرد دبلوماسيين وتبادل للاتهامات وتصريحات نارية وحشود عسكرية، تشهد العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي أقصى درجات التوتر مؤخراً.

فبعد أزمة القرم في أوكرانيا عام 2014، واستهداف الجاسوس المزدوج سيرغي سكريبال في لندن، وتسميم المعارض أليكسي نافالني، ها هو التوتر يتصاعد مجدداً إثر تفجر أزمة دبلوماسية بين موسكو ودول أوروبية عدة، ما يُنذر بمرحلة قد تكون الأسوأ بين المعسكرين، منذ نهاية الحرب الباردة.

أزمة القرم

لم يكن التوتر الأخير بين روسيا والاتحاد الأوروبي مفاجئاً أو مستغرباً، إذ يشكل، في ما يبدو، ذروة تصعيد لملفات عديدة شائكة بين الطرفين، كانت بدايتها قبل 7 سنوات، عندما ضمت موسكو شبه جزيرة القرم، التي كانت جزءاً من الأراضي الأوكرانية، وأعلنت فرض سيطرتها عليها، ليعقبها بعد أشهر قليلة، فرض الاتحاد عقوبات اقتصادية على موسكو.

واندلعت أزمة القرم في 22 فبراير 2014، إثر الإطاحة بنظام الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش المقرب من الكرملين، ثم سرعان ما سيطر مسلحون موالون لروسيا على مؤسسات ومباني حكومية في شبه الجزيرة، وفي الأول من مارس وافق البرلمان الروسي على استخدام القوة العسكرية لدعم الانفصاليين، وسط تنديد أوروبي وأميركي.

ولا تزال قضية شبه الجزيرة الأوكرانية عالقة حتى يومنا هذا، غير أنها تصاعدت في الآونة الأخيرة بعد إعلان وزارة الدفاع الروسية، حشد الآلاف من قواتها على الحدود، وتعليق حركة ملاحة السفن العسكرية والرسمية الأجنبية في 3 مناطق ضمن شبه الجزيرة حتى أكتوبر. ثم دخل التوتر مرحلة جديدة بإعلان وزارة الخارجية الأوكرانية أن جهاز الأمن الاتحادي الروسي (إف.إس.بي) احتجز دبلوماسياً أوكرانياً لفترة وجيزة في سان بطرسبرغ.

ورداً على تحركات عسكرية أوكرانية شملت استعادة مدينة كان يسيطر عليها الانفصاليون، أكدت موسكو استعداد قواتها للتدخل في حال تعرضت مصالحها للخطر، ووسط هذا التصعيد، قال وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا، إن "موسكو هددت بلاده علناً بتدمير كييف".

وبدوره، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى تحديد "خطوط حمراء واضحة" مع روسيا، مبدياً استعداده لفرض عقوبات حال أبدت موسكو سلوكاً غير مقبول، مؤكداً مع المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل دعمهما للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

ويسعى الاتحاد الأوروبي، في ظل الحشود العسكرية بين روسيا وأوكرانيا إلى إيجاد حل لقضية القرم، في وقت تواصل روسيا حشودها العسكرية، براً وبحراً، مؤكدة المضي بحماية أمنها الإقليمي من أي مخاطر، وفق تصريحات مسؤوليها.

بلغاريا.. اتهامات بالتجسس

وبالتزامن مع تلك التوترات، اندلعت أزمة دبلوماسية موازية بين روسيا وبلغاريا، إذ أعلنت الأخيرة في 22 مارس الماضي، طرد دبلوماسيين روس اثنين، على خلفية اتهامات بالتجسس. وأعلنت الأجهزة الأمنية أنها شنت حملة مداهمة الشهر الماضي، واعتقلت 6 أشخاص، متورطين بنقل معلومات سرية مرتبطة بحلف شمال الأطلسي "ناتو" إلى السفارة الروسية في صوفيا.

وبعد مضي شهر تقريباً، جاء رد الفعل الروسي تصعيدياً، إذ أمرت السلطات بمغادرة دبلوماسيين بلغاريين اثنين في غضون 72 ساعة، واستدعت وزارة الخارجية الروسية، السفير البلغاري أتاناس كريستين، وأبلغته بأنه تم إعلان دبلوماسيين اثنين "شخصين غير مرغوب فيهما" في روسيا.

التشيك.. "التورط" بتفجير 2014

أما أحدث فصول التوتر بين روسيا والاتحاد الأوربي، تمثل في قرار الحكومة التشيكية طرد 18 دبلوماسياً روسياً، قالت إنهم "جواسيس لجهاز الاستخبارات الروسي، ويشتبه بتورطهم في انفجار ديسبمر 2014، الذي أودى بحياة شخصين.

وردت موسكو سريعاً بإعلان طرد 20 دبلوماسياً تشيكياً، مؤكدة أنها "ستتخذ إجراءات انتقامية ضد من يقفون وراء هذا الاستفزاز". كما وصفت قرار طرد الدبلوماسيين بأنه "استمرار لسلسلة إجراءات معادية لروسيا اتخذتها التشيك في السنوات الأخيرة"، متهمة براغ "بالسعي لاسترضاء الولايات المتحدة على خلفية العقوبات الأميركية الأخيرة على روسيا".

ويُعد هذا الخلاف الأكبر بين براغ وموسكو، منذ انتهاء الهيمنة السوفيتية عام 1989، والتي استمرت عقوداً على شرقي أوروبا.

وأوضحت الشرطة التشيكية، أنها لا تزال تبحث عن رجلين وصلا إلى أراضيها قبل أيام من وقوع الانفجار عام 2014، باسمي ألكسندر بيتروف ورسلان بوشيروف، وهما نفس الجاسوسين الروسيين المتهمين بالضلوع في عملية استهداف العميل المزدوج سيرغي سكريبال، عبر تسميمه بغاز أعصاب في بريطانيا عام 2018.

وتعود هذه الأزمة بين لندن وموسكو إلى 4 مارس عام 2018، عندما وجهت السلطات البريطانية اتهامات إلى روسيا باستهداف سيرغي سكريبال وابنته، وأعقبت ذلك بتصعيد سياسي كبير، وفي 21 يناير عام 2019، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على 9 مسؤولين روس، من بينهم مدير الاستحبارات العسكرية ونائبه، وذلك على خلفية الحادث.

وقال وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب على "تويتر"، الأحد، إن المسؤولين في التشيك "كشفوا إلى أي مدى سيذهب جهاز الاستخبارات الروسية، في محاولاته لتنفيذ عمليات خطيرة وخبيثة".

أزمة نافالني

ويُمثل الموقف الأوروبي الرافض لسجن المعارض الروسي أليكسي نافالني، واحداً من أبرز المشاكل المتأزمة في الوقت الحاضر بين روسيا والاتحاد الأوربي. وبينما تطالب بروكسل بالإفراج الفوري عنه، ترفض موسكو ذلك بشدة، وتعتبره تدخلاً غير مقبول في شؤونها الداخلية.

وتصاعدت القضية بسرعة، إثر منع أطباء المعارض الروسي من الوصول إليه، وتصريحات محاميه بأن حالته الصحية بدأت بالتدهور، خصوصاً بعد إضرابه عن الطعام منذ عدة أسابيع، وهدّدت دول غربية بردّ حازم وفرض عقوبات جديدة على موسكو، في حال وفاة نافالني في ظروف غامضة. 

وأعربت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، عن قلقها البالغ إزاء صحة نافالني، وقالت للجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، الثلاثاء، إن برلين وآخرين يضغطون من أجل حصوله على العلاج الطبي المناسب.

لكن المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، رفض تلك التحذيرات، معتبراً أن هذا الموضوع "يجب ألا يحظى باهتمام" من جانبهم. 

وفي 20 أغسطس 2020، تعرض المعارض الروسي أليكسي نافالني لوعكة صحية، خلال رحلة بالطائرة داخل بلاده، وقال الأطباء بعد نقله إلى ألمانيا، إنه تعرض للتسميم بغاز للأعصاب، وحمّلت القوى الأوروبية السلطات الروسية مسؤولية استهدافه، الأمر الذي زاد التوتر بين المعسكرين.

وفي 17 يناير 2021، اعتقلته السلطات الروسية في مطار موسكو أثناء عودته من ألمانيا، ما أشعل تظاهرات في مناطق روسية عدة، ودفع الاتحاد الأوروبي لاستنكار ما حدث، والدعوة للإفراج الفوري عنه، لكن القضاء الروسي أصدر في 2 فبراير الماضي، حكماً بالسجن على نافالني 3 سنوات ونصف.

قطع العلاقات

لطالما اتهمت موسكو الدول الأوروبية بالتدخل في شؤونها الداخلية، لاسيما الملفات المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات وأوضاع المعارضة، وفي 8 فبراير 2021، طردت روسيا دبلوماسيين من السويد وألمانيا وبولندا، بتهمة المشاركة في الاحتجاجات المناهضة للرئيس فلاديمير بوتين. 

وانتقد جوزيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي روسيا، ووصفها بـ"المتسلطة والخائفة من الديمقراطية"، في كلمة اعتُبرت أشد انتقاد منذ أزمة القرم.

ورد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بالتلويح بقطع العلاقات، وقال إن بلاده أصبحت مستقلة من الناحية العسكرية، وتسعى لتحقيق ذلك في الاقتصاد، وأضاف: "لا نريد عزل أنفسنا عن العالم، لكن علينا أن نكون مستعدين لذلك. إذا كنت تريد السلام فعليك أن تستعد للحرب".

وتلقى الاتحاد الأوروبي الموقف الروسي بشأن قطع العلاقات بمزيد من القلق، قبل أن يتراجع المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف عن تصريحات لافروف، معتبراً أنها أُخرجت من سياقها.

انعكاس الأزمة على مشروع الطاقة

تُعد روسيا ثالث أهم شريك اقتصادي للاتحاد الأوروبي، بعد الولايات المتحدة والصين، إذ تسهم في تزويد القارة العجوز ما يزيد عن ثلث حاجتها من الغاز الطبيعي، فضلاً عن مشروع خط الغاز "ستريم 2" التي تصر ألمانيا على استكماله، رغم ضغوط واشنطن ومعارضة دول أوروبية أخرى.

ويُشكل خط أنابيب "نورد ستريم 2"، الذي أعلن عنه رسمياً لأول مرة عام 2015، واكتمل بنسبة تزيد على 90%، أحد أكثر مشاريع الطاقة إثارة للجدل في أوروبا، بسبب التوترات بين الغرب وموسكو في أعقاب ضمها غير القانوني لشبه جزيرة القرم عام 2014، وغزو شرق أوكرانيا.

وبينما تدعم الحكومة الألمانية المشروع، وتصر على أنه مشروع تجاري بحت، تنظر الحكومات الأوروبية الأخرى، بما في ذلك العديد من دول أوروبا الشرقية، إلى المشروع على أنه "وسيلة روسيا لاكتساب نفوذ غير مبرر، ونفوذ جيوسياسي على أوروبا من خلال صادرات الطاقة، ومعاقبة كييف مالياً في غضون هذه العملية".

ولا يزال هناك 120 كيلومتراً من الأنابيب تحتاج إلى استكمال في المياه الدنماركية، إضافة إلى نحو 30 كيلومتراً في المياه الألمانية، قبل أن يصل مشروع "نورد ستريم 2" إلى البر عند بلدة لوبمين الساحلية في شمال ألمانيا.

وفي ظل تصاعد التوتر بين روسيا والاتحاد الأوروبي، وازدياد الملفات الشائكة بينهما، يُرجح البعض، أن تؤدي الأزمات الأخيرة، في حال لم يتم إخمادها سريعاً، إلى اتباع سياسات أكثر عدوانية تجاه موسكو، وبشكل خاص من قبل ألمانيا وفرنسا، عبر تشديد الضغوط على مصالح روسيا الاقتصادية والاستراتيجية ولاسيما قطاع الطاقة.

تصنيفات