فيلم "أشكال".. نار "البوعزيزي" التي لم تخمد

time reading iconدقائق القراءة - 9
الممثلة التونسية فاطمة وصايفي في مشهد من فيلم "أشكال" - facebook/ammanfilm
الممثلة التونسية فاطمة وصايفي في مشهد من فيلم "أشكال" - facebook/ammanfilm
عمّان-رامي عبد الرازق*

بعد رحلة طويلة، انطلقت منذ عرضه في مهرجان كان السينمائي عام 2022، ضمن تظاهرة نصف شهر المخرجين، حصل الفيلم التونسي "أشكال" للمخرج يوسف الشابي، على جائزة السوسنة السوداء في ختام فعاليات الدورة الرابعة لمهرجان عمّان السينمائي الدولي.

تنضم هذه الجائزة إلى حصاد الجوائز الكثيرة التي جمعها العمل الأول للمخرج الشاب عبر أكثر من عام، أبرزها جائزة حصان ينينجا الذهبي في الدورة الـ28 من مهرجان عموم أفريقيا للسينما والتلفزيون "فيسباكو" في واجادوجو، وجائزة النقاد في مهرجان "نوشاتال" في سويسرا، وجائزة أفضل فيلم في مهرجان السينما بالبوسفور في تركيا، كما حصل على تنويه خاص في مهرجان نامورا، وتوج بالجائزة الكبرى لمهرجان مونبلييه للسينما المتوسطية في فرنسا.

ينطلق "أشكال" من سؤالين أساسين يستخدمان عادة لجذب المتلقي ناحية الاستغراق في التحديق جهة الشاشة، تماماً مثل شخصيات الفيلم التي يتعلق بصرها بالنار التي تخرج من كفوف ذلك الرجل الغامض مشعل الحرائق الباردة ذات الأثر الغريب، والسؤالين هما: ما الذي يحدث؟ ولماذا؟.

فيما بدا أنه مهمة عادية، يبدأ المحققان "بطل" محمد قريع، و"فاطمة" فاطمة وصايفي، في التحري عن مقتل حارس ليلي، بأحد المشروعات السكنية الذي تم استئناف العمل به عقب توقفه منذ الإطاحة بـالرئيس التونسي الأسبق "بن علي".

وفي المشاهد الأولى، نرى ألسنة الدخان تأتي من جانب أحد الطوابق العالية في البنايات الحديثة لحدائق قرطاج، حيث تقع أغلب حوادث الحريق، وحيث يسكن المكان، كما سنعرف فيما بعد الشعلة البشرية التي تسحب الكل إلى النار بصورة غرائبية.

من الطابق العلوي، وحيث يعاين "بطل" و"فاطمة" الجثة، نراها نائمة على جانبها والمدينة في الخلف، كأنما الجثة المحترقة علم منكس أو ماضٍ لا يزال حاضراً يذكرنا بجثة شهيرة لمحترق قبل 13 عاماً أو إرهاصة بالمزيد من التفحم الذي سوف تشهده المدينة.

بمهارة درامية يوحد السيناريو بين المحققين والمشاهدين، محاصراً إياهم بين قوسي السؤالين اللذان أشرنا لهما؛ فالجثث العارية المحترقة تتزايد بلا سبب واضح، فما الذي يحدث في حدائق قرطاج يجعل المواطنون على اختلاف مشاربهم وحيواتهم يذهبون كي يقتبسوا النار من كفا هذا الرجل المشتعلين؟!، ولماذا يتركون أجسادهم تذوب في لهيبها دون أن يقاوموا الأنصار والتفحم؟!.

النار كسؤال

لا يكتمل معنى السؤالين السابقين ولا ينجزان مهمتهما في تأطير الإثارة والغرائبية الجاذبين، إلا بسؤال ثالث يحمل عمق المجاز أكثر مما يروم إجابة مباشرة؛ إنه سؤال النار!. 

النار التي ارتبطت منذ ديسمبر 2010 بالجثة التي أشعلت شرارات الحراك السياسي العربي عبر عقد كامل، لكأنما أصبح محمد البوعزيزي التونسي خاطرة في خيال الحريق نفسه، فكلما شاهدنا رجل يحترق أياً كان السبب، تذكرناه بشكلٍ لا إداري، وبوعي لا يتمكن من المراوغة!.

هل يمكن أن يكون ذلك الرجل الغامض مشوه الوجه الذي تشير التحريات الشحيحة والمعلومات غير المؤكدة أنه سبق له التعرض للحريق؟، هو البوعزيزي نفسه وقد بعث كالعنقاء من بين الرماد لكي يطرح سؤال النار على الجميع؟، فربما تبدو هذه الفرضية ذات صلة مباشرة بعدة عناصر تسلم بعضها بعضاً عبر سياق الفيلم.

في البداية لدينا المكان، أول ما يظهر في الشريط السينمائي، العمائر الحديثة رمز الدولة التي كان من المفترض أن يكتمل بنائها لولا رحيل رئيسها، دولة تحت الإنشاء ولا تزال، وربما في هذا مجاز مقبول فيما يخص حضور بنايات حدائق قرطاج التي يعرفها الفيلم في البداية كمكان حقيقي موجود بالفعل وليس متخيلاً.

في هذه البنايات الأسمنتية يقطن الرجل الغامض مشعل الحرائق، الذي يبدو كطيف البوعزيزي نفسه بقليل من الخيال!.

ولدينا تلك الأشكال الغريبة المرسومة على سلالم البنايات والتي تبدو أقرب لرموز مبهمة، لكنها بلا شك نتاج وعي مضطرب بالقلق والرفض والتمرد والغضب، إنها أشكال موسومة فوق أسمنت الذاكرة لا تفارقه، وبالتالي يمكن لنا أن ندرك المغزى وراء تكرار الكاميرا على رصد تكوينات بصرية تلعب فيها البنايات أدواراً مختلفة كالقواطع والفواصل بين الشخصيات والأقفاص والقضبان والعلب الضيقة، أو الأسقف العالية المبهمة التي لا يبدو أنها تحمي قدر ما تغطي على فساد ما تحتها. 

على نفس هذه السلالم المفعمة بالأشكال يصعد الكثير ممن يخلعون ملابسهم ويحرقون أنفسهم بعد أن يرسل لهم الرجل الغامض فيديوهات قصيرة عن شخص يتحرك مثل شعلة بشرية لا تموت!، لدينا أيضاً إشارات عن الهيئة الوطنية لتقصي الحقائق! والتي تبدو مثل مؤتمر رسمي إداري، بينما النار لا تزال تأكل في أجساد المواطنين بالخارج، ربما لأن شيئا لم يتغير!.

في الحقيقة، فإن السؤال الأهم الذي يطرحه ظهور الهيئة على منصة عالية وخلفها عنوان مهمتها الجليلة، هو: لماذا يستمر المواطنون في حرق أنفسهم؟، هل بسبب أن عناصر السلطة وعلى رأسها الشرطة لا تزال على درجة عالية من شح الضمير؟، كما نرى في شخصية الضابط الخنزيري "بوهلال" الذي يوجه قبضته الملوثة بالفساد للجميع، حتى بما فيهم المحققة "فاطمة" نفسها، وذلك بدلاً من أن يحقق بصورة عادلة في حوادث الحرق المتوالية ضمن نطاق دركه، أم هل لأن رئيس "بوهلال" نفسه أكثر فساداً منه رغم كونه من مرتادي المساجد! حتى أنه لا يتورع حين يتحصل "بطل" على معلومات حول ضلوعه في جرائم فجة أن يطلق عليه كلاباً شرسة لتلتهمه أمام ابنته في جراج المستشفى التي استقبل فيها طفله الجديد.

 النار كمُطهّر

رغم أن النار بحضورها وحمرتها وألسنتها المستعرة، تبدو باسطة نفوذها الساخن على الكثير من المشاهد، إلا أن الشخصية اللونية للفيلم يغلب عليها الرمادي الأسمنتي!، وهي ملحوظة ربما تجعلنا نعيد البحث عن مجازات أخرى للنار غير كونها إعلاناً عن التمرد والغضب والرغبة في الصراخ عبر اللهب.

تدور التحقيقات ضمن أجواء شتوية باردة وباهتة، كأن هواء المدينة نفسه عالق داخل ذرات الأسمنت المصمتة، ولكن هذه الرمادية لا يكسرها أو يشوش حضورها الكامل سوى انبعاثات النار في مشاهد اشتعال البشر الذي لا يبدو عليهم أن لديهم أسباب طبيعية أو مفهومة للانتحار، حتى الرجل الشعلة نفسه، لا يتم التوصل إليه عبر تحقيقات الشرطة أو بحثها، بل يبدو أنه قد سلّم نفسه بالفعل لهم بكامل اشتعاله، كأن احتراقه إعلاناً وليس نتيجة أو محاولة للهرب.

هناك أيضاً إشارة يجدر ذكرها، وهي الحالة الاجتماعية والإنسانية لكل من "بطل" و"فاطمة"، فـالأول محقق صارم، لكنه رب أسرة طيب وحنون ودافئ، مثل نهر أبوي متدفق، ترفض معدته حجم العنف الذي يمارسه "بوهلال" على الأبرياء الذي لا يتشبه بهم أحداً غيره.

أما "فاطمة" فهي أقرب لروح وحيدة، تعيش بمفردها، بثلاجة خاوية وفراش نصف بارد، حتى أنها عندما تتصل بصديقها كي يأتي إليها بطعام بعد يوم عمل طويل، نراه في المشهد التالي يقبلها بعد أن انتهى من مضاجعتها، مذكراً إياها أن تأكل شيئاً، ليكتمل خوائها بالمشهد الذي تجلس فيه، كي تأكل من علبة بيتزا بمفردها محدقة للفراغ الرمادي فوقها.

وربما بسبب الخوف من المستقبل أو استحكام الخواء على الواقع، يتورط "بطل" و"فاطمة" أكثر في البحث وراء الحرائق التي تطال الجميع في النهاية.

عقب اختفاء الرجل الشعلة من المشفى، رغم كونه محترق بالكامل -مثلما كان قبل ذلك- وعقب إطلاق الكلاب على "بطل" لأنه رفض تسليم الملف الخاص برئيسه الفاسد، وبينما لا تزال هيئة تقصي الحقائق تستمع إلى شهادات عن العهد البائد، رغم أن الحقيقة تتخذ كل الأشكال الممكنة لتعلن عن نفسها في شوارع المدينة؛ تتسع دائرة النار الجاذبة، ويخرج الجميع من سياراتهم كالفراش المجذوب والمنجذب لفوهة الجحيم التي تتعمق في ساحة بنايات حدائق قرطاج الخاوية، عراة كأنما القيامة قد أذنت. 

ويظل السؤال الأخير في عيون "فاطمة" المفتوحة باتساعها على أوار اللهب: هل ينتحرون أم يتطهرون؟، هل يتمردون أم يستسلمون؟، هل يهربون أم ينضمون له؟، ذلك الذي نرى شبحه في اللقطة الأخيرة، يقف وسط الشعلة الفائرة، كأنما صار هو نفسه الحريق أو صار رمزاً الكل يسعى لأن يتوحد معه اعتراضاً ونجاة.

*ناقد فني

اقرأ أيضاً:

تصنيفات