اضطراب طيف التوحد التحفيز الكهربائي الدماغ التوحد الأطفال | الشرق للأخبار

دراسة: التحفيز الكهربائي للدماغ يقلل إيذاء الذات لدى أطفال التوحد

دراسة علمية حديثة تكشف عن تحسن سلوكي وبنيوي بعد تدخل كهربائي في دماغ المصابين

time reading iconدقائق القراءة - 9
شيماء غسان، امرأة عراقية تدير مؤسسة "مميزون"، وهي منظمة غير حكومية، تجهز ابنها محمد المصطفى، الذي يعاني من التوحد وضعف البصر، للتصوير في المؤسسة، في بغداد، العراق، 14 سبتمبر 2024 - REUTERS
شيماء غسان، امرأة عراقية تدير مؤسسة "مميزون"، وهي منظمة غير حكومية، تجهز ابنها محمد المصطفى، الذي يعاني من التوحد وضعف البصر، للتصوير في المؤسسة، في بغداد، العراق، 14 سبتمبر 2024 - REUTERS
القاهرة -

كشفت دراسة علمية حديثة عن أن التحفيز الكهربائي لمنطقة النواة المتكئة في الدماغ قد يخفف السلوك المؤذي للذات المرتبط باضطراب طيف التوحد، سواء في نماذج حيوانية، أو لدى أطفال يعانون من حالات شديدة ومقاومة للعلاج. 

وتوصل الباحثون إلى أن هذا النوع من التحفيز لا يقتصر تأثيره على تقليل السلوكيات المؤذية، بل يرتبط أيضاً بتغيرات بنيوية ووظيفية واسعة في الدوائر العصبية الأمامية والحوفية والمخططية، وهي الشبكات التي يعتقد أنها تلعب دوراً محورياً في تنظيم السلوكيات التكرارية والاندفاعية.

وأوضحت الدراسة، التي نشرتها دورية Science Advances، أن الخلل في الدوائر العصبية المعروفة باسم الدوائر القشرية-المخططية يرتبط بظهور السلوك المؤذي للذات لدى المصابين بالتوحد. 

ويقصد بهذا السلوك حركات متكررة ونمطية يوجهها الشخص إلى نفسه، وتتسبب في إصابات جسدية دون نية انتحارية.

اضطراب التوحد والظروف البيئية

غالباً ما تبدأ هذه السلوكيات في الطفولة وتستمر إلى سن البلوغ، وربما تؤدي إلى إصابات لا رجعة فيها أو حتى إلى الوفاة، فضلاً عن تأثيرها العنيف على جودة حياة المرضى وذويهم. 

ورغم أن جانباً كبيراً من هذه السلوكيات يستجيب للعلاج السلوكي، إلا أن ما بين 20 و25% من الحالات لا تتأثر بالظروف البيئية، وتظل تقاوم التدخلات المتاحة، ما يعزز فرضية وجود مساهمة عصبية-بيولوجية قوية تقف خلفها.

وأشار الباحثون إلى أن الجسم المخطط يعد نقطة تكامل مركزية لبدء السلوك وتنظيمه في القوارض والبشر على السواء، إذ يتلقى مدخلات من القشرة المخية والمهاد والمناطق الحوفية، إلى جانب إشارات من مناطق دماغية أخرى.

وتتجمع هذه الإشارات في شبكة مترابطة تسمى الدوائر القشرية-المخططية، وهي المسؤولة عن اختيار الفعل وكبح السلوك والتعلم القائم على المكافأة. 

وبسبب هذا الدور، يسهم الجسم المخطط في وظائف معرفية وسلوكية عدة تتأثر بوضوح في التوحد، ومنها المعالجة الحركية ومعالجة المكافأة، وترتبط اضطرابات هذه المسارات بظهور السلوك المؤذي للذات، إضافة إلى أنماط أخرى مثل الحركات النمطية والاندفاعية والتشنجات الحركية اللاإرادية، وهي مظاهر قد تشترك جميعاً في خلل بآليات كبح السلوك.

وبينت الدراسة أن المصابين بالتوحد، الذين يُظهرون مستويات مرتفعة من السلوكيات التكرارية، يتمتعون عادة باتصال وظيفي أكبر بين الجسم المخطط والبنى الحوفية في الفص الصدغي الإنسي، مقارنة بالأشخاص الطبيعيين نمائياً. 

وفي المقابل، يكون الاتصال بين الجسم المخطط ومناطق قشرية أمامية، مثل القشرة الجبهية الأمامية، والقشرة الحزامية الأمامية، والمنطقة الحركية التكميلية أقل من المعتاد. 

النواة المتكئة

يرى الباحثون أن هذه الزيادة في التفاعل الحوفي-المخططي، مع تراجع الاتصال الجبهي-المخططي، قد تضعف آليات الضبط العلوي التي تكبح عادة السلوكيات التكرارية، فتفسح المجال لظهورها واستمرارها. 

وتوصلت دراسات على الحيوانات إلى أن النماذج المرتبطة بالسلوكيات القهرية والتكرارية تظهر فرط نشاط في بعض عصبونات الجسم المخطط، إلى جانب زيادة المدخلات الاستثارية القادمة من الإسقاطات القشرية الأمامية.

وتركز الدراسة على النواة المتكئة، باعتبارها نقطة التقاء رئيسية بين الإشارات القادمة من المناطق الجبهية والمناطق الحوفية، ما يجعلها مركز إدخال أساسياً في العقد القاعدية، وتتيح لها هذه المكانة أن تدمج الإشارات التنفيذية والحركية القادمة من القشرة الجبهية مع المعلومات العاطفية والسياقية القادمة من اللوزة والحصين، بما يجعلها مؤهلة لتنظيم الاستمرار التلقائي للسلوكيات التكرارية والسلوك المؤذي للذات. 

وكانت دراسات سابقة ربطت بين السلوكيات التكرارية في التوحد والنمو المتسارع للمخطط البطني بعد الولادة، بما في ذلك النواة المتكئة، كما أظهرت أبحاث على حيوانات أن إصابات هذه المنطقة قد تزيد الاندفاعية، وأن تعديلها بأدوات ضوئية أو كيميائية يؤثر في شدة وتكرار السلوكيات القهرية والمرتبطة بالمكافأة.

وانطلقت الدراسة الجديدة من هذه الخلفية لتختبر، بشكل سببي مباشر، ما إذا كان التحفيز الكهربائي الموجه للنواة المتكئة يمكنه تعديل الشبكات القشرية-المخططية والتأثير في السلوك المؤذي للذات.

اختبارات سلوكية

ولتحقيق ذلك، استخدم الباحثون فئران التجارب التي تظهر سمات التوحد، وبيانات طولية من أول تجربة سريرية من نوعها على أطفال مصابين بالتوحد الشديد وسلوك مؤذٍ للذات شديد، ومقاوم للعلاج خضعوا لتحفيز دماغي عميق موجه إلى النواة المتكئة.

وفي الشق الحيواني من الدراسة، استخدم الباحثون فئراناً ذكوراً عمرها 10 أسابيع، وجرى تقسيمها عشوائياً إلى 3 مجموعات؛ مجموعة خضعت لتحفيز كهربائي فعلي للنواة المتكئة، ومجموعة زرعت لها الأقطاب نفسها دون تشغيل التحفيز، ومجموعة ضابطة لم تخضع للزرع، أو التحفيز مع الاكتفاء بمسمار تثبيت للتحكم في آثار التخدير والإجراءات الجراحية.

وعقب فترة تعاف بعد الجراحة، خضعت جميع الحيوانات لسلسلة من الاختبارات السلوكية المرتبطة بالتوحد، شملت تقييم حك الذات المؤذي، والسلوك التكراري من خلال اختبار دفن الكرات الزجاجية، والقلق والنشاط الحركي في اختبار الحقل المفتوح، والتفاعل الاجتماعي باختبار الغرف الثلاث، إضافة إلى متابعة النشاط اليومي المستمر داخل الأقفاص الذكية.

وبعد القياس الأساسي، تلقت مجموعة التحفيز الفعلي تحفيزاً كهربائياً عالي التردد لمدة 5 ساعات يومياً على مدار 4 أيام متتالية، عبر أقطاب مزروعة ثنائياً في النواة المتكئة؛ أما المجموعة غير المحفزة فتم توصيلها بالجهاز دون تشغيل فعلي، فيما بقيت المجموعة الضابطة في الظروف نفسها دون توصيل.

وأظهرت النتائج السلوكية أن الفئران التي تلقت التحفيز الكهربائي شهدت انخفاضاً متوسطاً في مساحة الإصابات الجسدية المرئية على الظهر مقارنة بالمجموعة المزروعة غير المحفزة والمجموعة الضابطة، اللتين زادت فيهما الإصابات.

ولم يقتصر الأثر على حك الذات، بل أظهرت الفئران المحفزة أيضاً انخفاضاً واضحاً في السلوكيات التكرارية الأخرى، ومنها دفن الكرات الزجاجية. 

وفي المقابل، لم ترصد الدراسة أي تأثير للتحفيز الكهربائي على القلق، أو على الحركة العامة، أو على التفاعل الاجتماعي. 

وأجرى الباحثون تصويراً بالرنين المغناطيسي البنيوي لأدمغة الفئران بعد انتهاء فترة التحفيز، وظهرت تغيرات إضافية على مستوى القشرة الأمامية، بما فيها القشرة الحسية الجسدية الأولية والمنطقة الحسية التكميلية والمنطقة الحركية التكميلية والقشرة الحزامية الأمامية، إضافة إلى مناطق أخرى في الدماغ.

السلوك المؤذي للذات

وفي ما يتعلق بالبشر، استند الباحثون إلى بيانات من تجربة سريرية أولى من نوعها شملت 6 أطفال، 3 ذكور و3 إناث، تراوحت أعمارهم بين 7 و14 عاماً، جميعهم يعانون من توحد شديد وسلوك مؤذ للذات شديد ومقاوم للعلاج. 

وخضع الأطفال لتحفيز دماغي عميق موجه إلى النواة المتكئة، ثم تمت متابعتهم لمدة عام لتقييم السلامة والجدوى والنتائج السلوكية.

أظهرت البيانات التفصيلية تبايناً في استجابة المشاركين للعلاج، إلا أن الغالبية حققت تحسناً ملحوظاً؛ فقد شهد عدد من الأطفال انخفاضاً واضحاً في حدة السلوك المؤذي للذات، تزامن مع تحسن كبير في جودة الحياة، إذ تحولت حالتهم من مستويات شديدة إلى أقل حدة بشكل لافت، مع انعكاس إيجابي واضح على قدرتهم على التكيف اليومي.

وأوضحت الدراسة أن الطفل الوحيد الذي لم يتحسن كان لديه تاريخ من التعرض للكحول، ومواد أخرى داخل الرحم.

وبينت الدراسة أن انخفاض الإصابات المرئية لدى الفئران لم يكن فقط نتيجة بقاء مدة حك الذات مستقرة نسبياً، بل جاء أيضاً مع تحسن واضح في تنظيم تسلسل الحركات، بما خفف الانتقالات الخاطئة في نمط الحك من الرأس إلى الذيل.

وذكرت الدراسة أن هذه الملاحظة تشبه ما يحدث سريرياً، إذ قد ينخرط بعض المرضى في السلوك المؤذي للذات لفترات متشابهة، لكن نوع الفعل نفسه وشدته قد ينتجان مستويات مختلفة جداً من الإصابة الجسدية.

وخلصت الدراسة إلى أن التحفيز الكهربائي للنواة المتكئة لا يخفف فقط السلوك المؤذي للذات، بل يعيد تشكيل الشبكات العصبية على نحو واسع في الدماغ. وفي الأطفال.

واعتبرت الدراسة أن هذه النتائج تضع إطاراً آلياً مهماً لفهم كيف يمكن للمرونة العصبية على مستوى الدوائر أن تقود تغيراً سلوكياً ملموساً.

تصنيفات

قصص قد تهمك